وائل علي
وائل علي
406

ما وراء الاستدارة الأردنية نحو تركيا

27/2/2018

هناك إجماع بين المراقبين والمهتمين بالسياسة الدولية على أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية بسبب كونه في الوسط تماما بين قارات العالم القديم ولذلك فقد تتابعت محاولات الغزاة عبر التاريخ للسيطرة عليه منذ الفراعنة في القرون الأولى وكانت هزيمة البرتغاليين في البحر الأحمر مفتاحا لهزيمتهم في بقية العالم انتهاء باحتلال البرتغال نفسها من إسبانيا بعد معركة الملوك الثلاثة في المغرب.

 

لقد اختنق الاقتصاد العالمي تماما يوم أن استطاع حفنة من القراصنة الصوماليين شن حملات نهب للسفن التجارية عند باب المندب حيث أصبح الممر يعبر خلاله 15% من التجارة العالمية ما دفع القوى الكبرى لنشر قواعد وقوات بشكل دائم للتصدي للقرصنة، ثم تعالت الأصوات أن قصة القراصنة ما كانت سوى حجة كاذبة وأن القوى الكبرى كفرنسا وأمريكا وغيرهما لديهما أهداف أخرى غير هذا الهدف وهي الحصول على موطئ قدم في هذه النقطة الخطيرة من العالم لكيلا تسيطر عليه أي قوى صاعدة غير صديقة كإيران والصين.

 

الدولتان الراكضتان في مشروع صفقة القرن "مصر والسعودية" لا تدركان مدى حساسية الموقف الأردني لأن إسقاط حق العودة عن الفلسطينيين يعني إسقاط النظام الأردني واندلاع الفوضى

وقد تفطنت الصين مؤخرا لأهمية البحر الأحمر فأنشأت قاعدة عسكرية في جيبوتي لتأمين البحر الأحمر وأما إيران فقد كانت تمني النفس أن يحقق لها الحوثيين الفرصة لتسيطر على باب المندب. بحرب اليمن دخل لاعبون جدد على البحر الأحمر أبرزهم الإمارات العربية المتحدة والتي سيطرت على كل موانئ اليمن باستثناء الحديدة ومنافستها الجمهورية التركية التي تمتلك قاعدة في الصومال لتدريب قوات الأمن الصومالية وتنشئ منطقة تجارية في جيبوتي قد تتحول لقاعدة عسكرية وتدير جزيرة سواكن السودانية لأغراض سياحية وآثارية.

 

ميناء العقبة الأردني يرشح أن يكون جزء من الجدل في الأيام القادمة مع ظهور تسريبات صحفية تتحدث عن تفاهم تركي أردني على تحويله مركزا ً للصادرات التركية نحو إفريقيا. الأردن الجريح الذي يقاسي ألم الخذلان العربي بتركه وحيداً في ظل أزمة اقتصادية حادة قد تطيح بالنظام الهاشمي يبدو أنه يتجه أخيرا لبناء شراكة مع أنقرة بعيداً عن حلفائه التقليديين الرياض والقاهرة. فالدولتان الراكضتان في مشروع صفقة القرن لا تدركان مدى حساسية الموقف الأردني لأن إسقاط حق العودة عن الفلسطينيين يعني إسقاط النظام الأردني واندلاع الفوضى لأن الأردن دولة ثلثا شعبها هم فلسطينيوا الأصل والثلث الباقي (الشرق أردنيين) لا يلتفون حول الملك إلا لرعبهم من فكرة الوطن البديل.

 

هناك دراسة نشرت في موقع أمريكي قبل أعوام عن أسباب فشل الربيع الأردني رغم أنه بدأ مبكرا حتى قبل انطلاق مظاهرات تونس في 2010 انتهى الكاتب إلى أن أحد أهم أسباب فشل الربيع الأردني هو نجاح النظام الأردني في استمالة الكتلة الأهم في الحراك الاحتجاجي وهي متقاعدي الجيش الأردني والذين هم في غالبيتهم العظمى من أبناء العشائر الشرق أردنية.

 

كمثال للموقف المتشدد لهذه الكتلة الوازنة في الأردن يوجد هذا البيان الذي صيغ في 2010 م متحدثا ومتوعدا وقلقا من تجنيس الفلسطينيين في الأردن رافضا أي ديمقراطية تعطي للمهجرين الحق في اختيار من يحكم الأردن مع تشديد الدعم الكامل للملك لأخذ الصلاحيات الكاملة. ولذلك فالملك الأردني لن يجازف بخسارة هذه الكتلة من أجل دونالد ترمب الرئيس الذي يشكك كثيرون في قدرته على إتمام ولاية الأربع سنوات في حكم الولايات المتحدة الأمريكية بسبب فضيحة التدخل الروسي.

 

تبدو استدارة الملك الهاشمي هذه المرة حقيقية وليس تكتيكية بهدف الابتزاز كما يروج الإعلام السعودي فقد تحدث رئيس الوزراء الأردني قبل أيام بشكل واضح أن الأردن يتعرض لضغوط عربية بسبب موقفه من القدس

وكالات
 
الملك عبد الله يكرر فعلته والده الملك حسين في حرب الخليج

يبدو أن الملك الأردني في طريقه لاتخاذ موقف يشابه ما فعله والده حسين في أيام حرب الخليج عندما رفض الأردن الانخراط في قتال صدام حسين مع سوريا ومصر ودعا لحل عربي يخرج العراق من الكويت وتسبب هذا الموقف في حدوث جفوة أردنية خليجية. المسألة ليست في قضية القدس فقط بل في قضايا أخرى أيضا فالسياسة الهجومية المتهورة التي يشنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تثير قلق الأردن لأنها قد تؤدي إلى تقويض أمن الأردن واستقراره.

 

فالسعودية تسببت في تقويض استقرار سوريا بحجة رغبتها في محاربة النفوذ الإيراني عبر دعم المعارضة السورية المسلحة ثم بعد أن وقع الفأس في رأس تركت الأردن وحدوده الشمالية مليئة بكل أنواع الإرهاب الإيراني والداعشي مع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين والعراقيين فلا هي حاربت إيران ولا هي تركت في سوريا نظاما مستقراً تستطيع عمان الاطمئنان للتعامل معه (حتى لو كان معاديا).

 

أما الإمارات ومصر فيريدان فرض أجندتهما على النظام الأردني بما لا يتماشى مع أمنه الداخلي بضغطهما على الأردن لتقويض الإخوان المسلمين الأردنيين وحظرهم واعتبارهم جماعة إرهابية. فرغم أن النظام الأردني يكره الإخوان المسلمين كما يكرههم أغلب النظم العربية إلا إنه قد حرص جيدا ً على عدم قطع شعرة معاوية مع هذا التنظيم خصوصا أن الإخوان المسلمين يملكون شعبية كبيرة وسط الأردنيين من أصول فلسطينية وهم الفئة الأكثر سخطا على النظام والأكثر قابلية للتحرك ضده لذلك ترك لهم مساحة في البرلمان والإعلام ليعارضوا بشكل محدود من أجل إحداث توازن يمنع تفجر الأوضاع في البلاد.

 

تبدو استدارة الملك الهاشمي هذه المرة حقيقية وليس تكتيكية بهدف الابتزاز كما يروج الإعلام السعودي فقد تحدث رئيس الوزراء الأردني قبل أيام بشكل واضح أن الأردن يتعرض لضغوط عربية بسبب موقفه من القدس واستخدام الحكومة الأردنية ونواب البرلمان لقب خادم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين كتوصيف للملك في جلسة رسمية ما يعني أن هذا اللقب أصبح معتمداً بشكل حاسم من الدولة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة