ماهر حجازي
ماهر حجازي
1.4 k

لا تزوروا تقسيم

4/2/2018

نعم إنها تقسيم، هذه البقعة الإسطنبولية التي أصبحت قبلة للباحثين عن جمالية المكان وفتن الزمان في آن معا، هي الأزقة الضيقة وعبق التاريخ الذي يفوح من جدرانها الممزقة، يذكرنا بحارات دمشق القديمة وشوارع القدس العتيقة.
    
لا تتوقف حكاية تقسيم عند المومسات اللواتي يتراقصن يمنة ويسرة بين كل حارة وأخرى وباب وآخر، اللاتي إن نجوت من فتنتهن وخرجت من هذه البقعة سالما معافى في دينك ودنياك، فقد كتب لك عمر جديد. إن نجوت من الأولى فانتبه للثانية، حافظ على أمتعتك وأغراضك الشخصية واحذر من النشالين فهم كثر وبأشكال وألوان مختلفة وخفة ورشاقة، يسرقونك دون أن تحس بذلك، هنا تسرق مرتين بسحر تقسيم وخفة النشالين.
   

ما أن يكتشف الباعة في تقسيم أنك أجنبي إما من ملابسك الخليجية أو زوجتك المحجبة أو لهجتك العربية، لتصبح في نظرهم كيسا من الأموال الكل يريد القضم من دولاراتك

كما تجد أولئك الذين يتسللون بملابسهم النظيفة إلى جيبك في بنطالك القديم بلا "إحم أو دستور"، على أنغام سيمفونية تركية عذبة، تطرب نبضات قلبك العربي المرهف، وبلا شعور تخرج محفظتك وتجود ب في نقودك في حقيبة قد ملأها من قَبل أمثالك من المرهفين.
 

في تقسيم تجد تسولا من نوع آخر، هو مختلف تماما عن عالمنا الإسلامي والعربي، فمشهد المتسول ذي الثياب الرثة هو السمة في مجتمعاتنا، بينما هنا في إسطنبول للتسول شكل آخر، ولربما تعاطفت معه أكثر من تعاطفك مع الفقير المحتاج فعلا.
     
هنا يتعامل الزائر العربي لإسطنبول بـشيء من"الإتيكيت" يلتقط "السلفي" مع المغني ويرمي له بالنقود عن سابق إصرار، بينما لا يفعل ذلك أحيانا مع الفقير المحتاج في بلده الذي لا يملك ثمن الناي ولا حنجرة تقوى على الغناء.
  
مشهد آخر من مسلسل "زائر في تقسيم"، فما أن يكتشف الباعة أنك أجنبي إما من ملابسك الخليجية أو زوجتك المحجبة أو لهجتك العربية، حتى تصبح في نظرهم كيسا من الأموال الكل يريد القضم من دولاراتك، فلا تنفك تفلت من الأول حتى يحاصرك الثاني ويباغتك الثالث، وتتحول جولتك في تقسيم إلى كر وفر.

  

وسط شارع تقسيم  (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

وإن أحسست بالجوع فلا تغرنك جمالية مطاعم تقسيم، ولا ذلك الشاب الوسيم الذي يرحب بك أو تلك الحسناء التي تقول لك بعربية ركيكة "مرهبا"، اقتحم بعائلتك أحد المطاعم، لا شك أنك أطباقا تركية لذيذة لكن قبل ذلك تفحص جيدا في "مينيو" المأكولات ودقق في الأسعار قبل أن تختار، واطلب ما تعرف واترك ما أنت في غنى عنه، ونسأل لك التثبيت عند طلب الحساب.

  
اعتقد أنك أيها الزائر بعد أن سمعت كلامي السابق لن تختار فنادق تقسيم للإقامة بها، إلا إن ضربت كل ما قلت بعرض الحائط، فأنت اليوم مسحور بروايات أسلافك عن محبوبتهم تقسيم، وجئت تبحث عن عشقك فيها، فلا ضير أن تتمعن فيما كتبت كي لا يعكر صفو هذا الحب شيء.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة