عبيدة عامر
عبيدة عامر
370

"اللاخطة".. عن المشروع السعودي الإقليمي (٣)

5/2/2018
"كلنا إخوان.. وكلنا مسلمون"
داخل المملكة القائمة على تحالف السياسي (آل سعود) مع الديني (الوهابي)؛ كان وجود الإخوان المسلمين، كتيار حركي إسلامي سياسي خارجا عن النسق، لكنه، بمقارنته بالتحالفات/ العداوات السابقة لن يكون أكثر من حركة أخرى مفهومة ضمن نسق عام من الإستراتيجيا السياسية، أو غيابها بالأحرى.

 

يرجع اهتمام الإخوان بالسعودية إلى زمن طويل، كونها بلاد الحرمين الشريفين، وقد كان حسن البنا، مؤسس الإخوان المسلمين، يزورها كل عام لأداء فريضة الحج، وقد استغل رحلاته في تعزيز الروابط بأعيان الحجاز الذين مالوا لأفكاره، وعزز من خلالهم علاقته بالمسؤولين السعوديين، دون أن تحبذ السلطات استقرارهم في المملكة، فقد روي أن البنا طلب من الملك المؤسس عبد العزيز بن سعود عام ١٩٤٦ أن يؤسس فرعا للتنظيم هناك، وهو أحد المحظورات في السعودية لكونه حزبا سياسيا، رفض الملك الطلب وقال له: "كلنا إخوان، وكلنا مسلمون". [1]

 

شغل الإخوان من أيامهم الأولى في المملكة مناصب رفيعة على العموم، ومع تغير السياقات والظروف أضحوا جهة محورية فاعلة في الساحة السعودية، خصوصا في الحرب الباردة العربية

إلا أن هذه العلاقة تغيرت عندما وصلت النظم القومية للسلطة في الشرق الأوسط، بدءا من خمسينيات القرن الماضي، وتعرضت للقمع القاسي الذي دفع أفرادها للهجرة سعيا للبقاء، بدءا من عام ١٩٥٤، عندما وجد الكثير من أعضاء الإخوان ملاذا لهم في السعودية، تبعتها هجرة عدد كبير من إخوان سوريا بعد وصول البعثيين للحكم عام ١٩٦٣، ثم إخوان العراق بعد وصول عبد الكريم قاسم للحكم، عام ١٩٥٨.

 

إلا أن الموجة الثانية الأكثر تأثيرا في كل من الجانبين كانت بعد وفاة عبد الناصر عام ١٩٧٠، وتسلم السادات السلطة من بعده، بعد أن أطلق سراح أغلب أعضائها من السجون عام ١٩٧١، فجاءت هذه الهجرة نتيجة لاعتبارات اقتصادية، أتيحت بعد الطفرة النفطية التي فتحت فرصا وظيفية استثنائية، بنى عليها الإخوان المسلمون الذين كانوا أقاموا شبكاتهم المتينة هناك.

 

شغل الإخوان من أيامهم الأولى في المملكة مناصب رفيعة على العموم، ومع تغير السياقات والظروف أضحوا جهة محورية فاعلة في الساحة السعودية، خصوصا في الحرب الباردة العربية التي وقعت بين الكتلة "التقدمية" التي تزعمها عبد الناصر بميله للاتحاد السوفييتي، والكتلة "الإسلامية" التي آثرت المصالح الأمريكية وتقدمتها السعودية، وتصدرت الساحة بتشكيل خطاب "التضامن الإسلامي"، الذي دعا له وأسسه الملك فيصل، واستخدم به الإخوان المسلمين في قلب جهازه الدعائي، لمواجهة الأيديولوجية الناصرية، التي كان بعضهم ضحايا جهازها القمعي.

 

وفي ظل عجز العلماء الوهابيين التقليديين عن الانخراط في جدل سياسي بهذا الحجم، مستخدما الموارد نفسها التي كان عبد الناصر يستخدمها في نشر رسالته: إذاعة "صوت الإسلام"، مقابل "صوت العرب"، و"الجامعة الإسلامية في المدينة" -التي سيعتمد الملك سعود في تشغيلها على الأفراد الذين أخرجوا من ديارهم بعد تعرضهم للسرقة والإساءة والتعذيب- مقابل "الأزهر"، و"رابطة العالم الإسلامي"، مقابل "جامعة الدول العربية"، التي تهيمن عليها مصر.

 

إلا أن المساحة الأكبر التي توسع بها الإخوان المسلمون في السعودية كانت مساحة التعليم، التي تميزت حقبتا الستينيات والسبعينيات ببرنامج واسع لتحديثها المؤسساتي، بالاعتماد على عائدات النفط، وفي غياب النخب القادرة على المشاركة في هذه العملية، مترافقا مع قلة اطلاع العلماء الوهابيين على القضايا الحديثة، فدخل الإخوان شيئا فشيئا بتأسيس النظام التعليمي السعودي، بلغ ذروته بحيازتهم الأغلبية في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، وفرعها الذي أصبح جامعة أم القرى، عام ١٩٨١، بحضور أسماء إخوانية كبرى أبرزها: محمد المبارك، وعلي الطنطاوي، وعبد الرحمن حبنكة، من سوريا، ومحمد قطب، وسيد سابق، ومحمد الغزالي من مصر، إضافة لعبد الله عزام، من فلسطين. [2]

 

صنفت السعودية وبشكل رسمي حركة الإخوان المسلمين على أنها حركة إرهابية عام ٢٠١٤، رغم عدم اتخاذ إجراءات مباشرة ضد أفراد الحركة المقيمين على أرضها

مواقع التواصل
 

استمرت العلاقة بوتيرة مستقرة، خصوصا في ظل ابتعاد الإخوان المسلمين عن المسرح السياسي السعودي بشكل مباشر، وهو ما سيكسر باتخاذهم موقفا رافضا للتدخل الأمريكي في السعودية، بما سيتوافق فكريا مع أقرانهم الذين مروا بتغيرات داخلية فكرية وعملية واسعة، أنتجت حراك "الصحوة"، وهو ما سيدعو وزير الداخلية السعودي، الذي واجه هذه الحملة المعارضة، نايف بن عبد العزيز، بقوله إن "الإخوان لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة فأخذوا يجندون الناس وينشئون التيارات وأصبحوا ضد المملكة"، عام ٢٠٠٢، في محاولة لنفي الاتهامات الأمريكية بدعم التطرف عن المملكة السعودية إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر. [3]

 

لكن هذه لم تكن المواجهة الأكبر، فبعد ١٢ عاما من تصريح وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز، وفيما يبدو تأثرا بسياق إقليمي أوسع ولحظة تاريخية فارقة، شهدت صعود الثورات المضادة التي دعمتها السعودية، خشية وصول آثارها إليها، أو خشية صعود قوى أخرى قد تنافسها الزعامة والصدارة للإسلام السني، صنفت السعودية وبشكل رسمي حركة الإخوان المسلمين على أنها حركة إرهابية عام ٢٠١٤، رغم عدم اتخاذ إجراءات مباشرة ضد أفراد الحركة المقيمين على أرضها، رغم أنها دعمت النظام المصري الذي اعتقلهم وقمعهم وارتكب بحقهم المجازر والانتهاكات، [4] في الفصل الراهن من انقلاب التحالف السعودي إلى عداوة، ضمن "اللاخطة" السعودية.

 

اللاخطة

رغم التناقض التام بين أسامة بن لادن وجمال عبد الناصر، أو بين صدام حسين والإخوان المسلمين، وبالمرور السريع بينهما بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح، الذي كان خصم السعودية في حربها بالوكالة ضده، ثم أصبح حليفها في حربها ضد الحوثيين، ثم عاد ليصبح خصمها مجددا في تحالفها مع "الإصلاح"، وانتهى به الحال أخيرا مقتولا بعد يوم واحد من محاولته العودة لجانب السعودية؛ تشترك جميع القوى الفاعلة في المنطقة، كيانات وأشخاصا، بأنها لا يمكن إلا أن تمر عبر بوابة السعودية، تحالفا أو عداوة أو كليهما دون شك.

 

وبقليل من التخيل، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية، متمثلة بحجر الملك، تلعب الشطرنج بشكل استثنائي، فهي بجانب كونها محمية بقلعة واسعة وكبيرة من الجغرافيا، التي تمنحها ما يكفي من المساحة لـ"تبييت" دائم في العمق الجغرافي والجيوسياسي للجزيرة العربية، وحماية مقدسة لاحتكارها الشرعية الدينية والرمزية المتمثلة بالحرمين الشريفين، لكنها لا تكتفي بقطعة واحدة من أقوى حجارتها، الوزير الذي ينتقل على كل الرقعة السياسية والعسكرية والجغرافية في العالم، عبر أنابيب النفط الذي تملك ما يكفيها وزيادة منه، وتشتري به ما تحتاج من خيول وفيلة وبيادق، ويمكنها أن تتخلى عنهم بكل سهولة، إذا انتهت مهمتهم.
 
كما يمكنها أن تغير عدوها بنفس هذه البساطة والسهولة، وكل ما ستفعله السعودية بمثلث القوة هذا (الشرعية والرمزية الدينية ممثلة بالحرمين الشريفين، والقوة الاقتصادية متمثلة بالنفط، والعمق الجيوسياسي والجغرافي متمثلا بعمق الجزيرة العربية) والذي سيتطور من كونه وسيلة للقوة إلى كونه غاية بحد ذاته، بأنها ستسعى -باستخدامه نفسه- لاحتكاره، لأنها ببساطة لا تعرف، إستراتيجيا، ما المشروع الأيديولوجي أو الجيوسياسي الذي تريده، ولكنها تعرف وبوضوح ما هو الذي لا تريده: أن لا ينازعها أحد. إن السعودية تلعب على "رقعة الشطرنج الكبرى" بكثير من القوة، ولكن بلا خطة.

 

ستمنع السعودية أي خصم على الجهة الأخرى من الانتصار أو حتى محاولة التصدر، بكل ما تمتلكه من بيادق وخيول، ساعية لاحتكار حصري لتمثيل العرب السنة في المنطقة

رويترز
 

فالمملكة التي بدأت تأسيسها الحديث، على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن سعود، في الواحات والمدن الحضرية، بالتحالف مع القبائل والعلماء الوهابيين، وبالتعاون بداية مع بريطانيا، قبل أن يظهر النفط عام ١٩٣١ وينحاز هذا التحالف شيئا فشيئا إلى الولايات المتحدة عن طريق شركة "أرامكو"، لا تعرف سوى نمط الحكم الاستثنائي القائم على التحالف السياسي/ الديني، حيث يمنح علماء الوهابية الشرعية الدينية والرمزية، التي يعززونها بـ"خدمة الحرمين الشريفين"، لآل سعود، الحكام المطلقين للمملكة، دون وجود مؤسساتي، ودون صيرورة تاريخية وممارسة سياسية سمحت بتحول شكل الحكم وتطوره التدريجي.

 

فبلا مشروع ذي معززات وأهداف طائفية، مثل إيران، أو جيوسياسية، مثل تركيا، أو اقتصادية، مثل الإمارات، أو حتى دينية، مثل داعش وإسرائيل؛ وبامتلاك حجز الوزير النفطي الذي يتحرك على الرقعة كيفما يشاء وقدر ما يشاء، وبالقلعة واسعة الجغرافية والرمزية، ستمنع السعودية أي خصم على الجهة الأخرى من الانتصار أو حتى محاولة التصدر، بكل ما تمتلكه من بيادق وخيول، ساعية لاحتكار حصري لتمثيل العرب السنة في المنطقة، كما يقول الباحث همام يحيى [5]، ومانعة أي قوة من الصعود في تحالفات تكتيكية قائمة على تحديد العدو الثاني ثم التحالف معه ضد العدو الأول، ثم إنهائه، بما يجعل اللعب في صف السعودية خطيرا وبلا مستقبل، بينما يجعل اللعب ضدها صعبا  جدا لأنها ترتجل بكثير من الموارد بلا خطة، أو سهلا جدا، إذ إن الملك الذي لا خطة له قد يصبح بيدقا في يد آخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

[1] ستيفين لاكروا، زمن الصحوة: الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية

[2] المصدر السابق

[3] الأمير نايف والإخوان المسلمون

[4] السعودية والإخوان.. علاقة تأرجحت بين التحالف والتخاصم

[5] https://www.facebook.com/hammamyahya/posts/10209377138013788

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة