حنان اليوسفي
حنان اليوسفي
461

"حسدوني..!"

6/2/2018

الحسد وتمنّي زوال النعمة عن الآخرين!

النظرة الحاسدة الماقتة؛ ليست شيئا مقتصرا على ثقافة دون أخرى، وإنما هي من تلك الأشياء التي اجتمعت حولها جذور كثير من الاعتقادات والسياقات، وأعني بالسياقات ذلك الهيكل التصوري العام الذي تتفاعل وتتنازع في طيهِ قوى وأنساق ذلك الحراك أو الصراع، الذي يختلط في أحشائه بالاجتماعي والنفسي، وهذا "الهيكل التصوري" هو الذي به نفسر ذلك التفاعل، وهذا سيعني أننا عندما نختلف حول تلك الأحداث، فإن خلافنا، كما يبدو لي، لا يخرج عن هذين العنصرين: إما في صحة المعلومات ودقتها، أو في الهيكل التصوري الذي ينظم تلك المعلومات.

 

ومن ثمَّ فإن المعلومات والهياكل قد تتضارب، الأمر الذي أضفى عليها فضولا وإثارة جعلاها حرية أن نتعقبها ونناقشها بالتأريخ والتبيان من جميع جوانبها الممكنة، ورد الحسد في اصطلاح الفقهاء والأكاديميين على أنه: نظرة يترافق معها شعور عاطفي بتمني زوال قوة أو إنجاز أو ملك أو ميزة من شخص آخر والحصول عليها للذات، أو يكتفي الحاسد بالرغبة في زوالها من الآخرين. ذلك الشعور السلبي تجاهنا أو تجاه الغير كثيرا ما يتداخل في اعتقاد كثيرين مع سير الأحداث ليسبب الأذى والضر وما لا يحمد عقباه.

 

وقف الإسلام من أمر الحسد موقفا مؤمنا ومعتقدا به، حيث وصف الحاسدين بالأشرار الذين يقتاتون على ضر غيرهم ويسعدون بحزنهم

"وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ" سورة الفلق. لطالما كان الاعتقاد متوفرا أن الحسد مرتبط بأناس بعينهم، أناس تمتلئ نفوسهم بنوايا سيئة وشرور، أدواتهم الفاعلة في أمر الحسد تتركز في النفس السيئة الأمارة بالسوء بقصد، وبالعين التي ما إن هبطت على شيء بنظرة متفحصة ثابتة، إلا وأذاقته من الضر ومن سوء الحظ ما له فيه نصيب، لذلك لم يقف الإنسان القديم في الحضارات المندثرة أمام تلك الظاهرة موقف المتفرج، وإنما توغل في عمق أدواته ووسائله جالبا علاجا ما يقي ويساهم في درء تلك الحالة.

 

فتنوعت تلك العلاجات واختلفت من مكان لآخر، وامتدت حتى وصلت إلى زماننا الحاضر لتشمله، ومن تلك العلاجات والتعويذات البدائية نرى الخرزة الزرقاء ورسوم العين، وكذلك الأضاحي والدماء، ناهيك عن عادات من قبيل التخميس وهو الإشارة بالأصابع الخمسة في وجه من نعتقد منه الحسد، كنوع من صده وحجب طاقته السلبية أن تصل إلينا.

 

قال تعالي: "إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ" آل عمران. وقف الإسلام من أمر الحسد موقفا مؤمنا ومعتقدا به، حيث وصف الحاسدين بالأشرار الذين يقتاتون على ضر غيرهم ويسعدون بحزنهم، ومن طبيعة الإسلام أنه ما جاء إلا ليسطر الفضيلة وحسن الخلق وينقي النوايا ويدثرها بالخير، وهو الأمر الذي يتعارض مع مرمى الحسد بالكلية؛ ما جعل الإسلام يتخذ منه موقفا حاسما محذرا منه وواضعا العلاج له، حيث برزت مقولة "ماشاء الله" تالية لكل عُجْب لنا بشيء، كترنيمة قولية تذكرنا وتحدنا عن الاسترسال في الإعجاب إلى ذلك الحد الذي نتمنى معه زوال النعم عن الغير ومنحها لنا، إنه أسلوب نبوي فريد يراعي النفس البشرية ويعلم نقصها ويحاول درء أي سيئ يمكن له أن يتكون فيها.

 

في حياتنا، نرى أناسا كثيرين مختلفين حول أمر الحسد، حيث منهم من يؤمن به بضراوة تجعله ينفر بكل جميل فيه أو له أو فيمن يحبهم إلى الخفاء والاستتار من الغير، بحيث تتحول حياته إلى وسواس قهري يحضه على الانفصال عن المجتمع والظهور على الناس وفيما بينهم كطلسم منغلق لا يمكن فهمه، وبالتالي تقل درجات تفاعله ويخسر الكثير، ويصير الحسد ألما نفسيا يتحول إلى بدني يؤذي صاحبه.

 

إحساسنا الحاد بالتعاسة والضجر وتزاحم المشاكل قد يؤدي بنا لتوهم أن الكون كله يقف ضدنا ويتربص بنا، فنقرأ رسائل التهديد والوعيد في كل شيء، ونظن أن الآخرين دوما يضمرون لنا الشر والعداوة

مواقع التواصل
 

ومن الناس من يتفادى أمر الحسد كليا، ويسير في حياته مندفعا غير هياب من أي شيء، في العلن يفصح عن جميع ما له من خيران ومنن من الله عليه، حتى أنه وكنوع من اللامبالاة وتأكيد عدم جزمه بالحسد يبالغ في إظهار نفسه وما له للعلن دون أدنى مواربة، لتكون النتيجة في الأخير خسران لما يمتلكه من سعادة أو خير، ثم يأتي متسائلا لم أصابني هذا أو ذاك؟!

 

"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ" (النساء،54_55). إننا مطالبون أن ننقي سرائرنا تجاه الغير ونتمنى لهم الخير، ومطالبون كذلك أن نذكر اسم الله على كل شيء نهم به أو نفعله، وذلك حتى ينفلت عنه كل سوء ويصد منه كل ضر، نأخذ بالأسباب ونمضي، نحفظ لذواتنا مساحات الخصوصية المنضبطة، وفي نفس الوقت لا ننغلق، كل هذا في إطار وصل من الله وحب له وعمل على منهاجه، أشيعوا الحب فيما بينكم وهذا بطبيعة الحال سيفي بكل شيء.

 

الحسد كمرض مجتمعي نفسي.. دوامة الشك!

أوضاعنا، وأحيانا إحساسنا الحاد بالتعاسة والضجر وتزاحم المشاكل قد يؤدي بنا لتوهم أن الكون كله يقف ضدنا ويتربص بنا، فنقرأ رسائل التهديد والوعيد في كل شيء، ونظن أن الآخرين دوما يضمرون لنا الشر والعداوة، ويسعون جاهدين وبلا كلل لإلحاق الأذى بنا، أو للانتقاص منا، أو أنهم يكرهون لنا الخير فهم أبدا يجتهدون في صرف الخير عنا، إنهم -كما يعتقد- ما بين مقرّبين حسَدَة مستخْفُون، أو بعداء ماثلون يبارزوننا بالعداوة، وهذا ربما ما يجعلنا سنعتقد -كما حدث للمتنبي وغيره- أن الأصل في الناس أنهم أشرار، وأن الخيرية فيهم خلاف الأصل، فالمرء -في نظره- شرير حتى يثبت خلاف ذلك، وقلما يثبت ذلك، فتغلبُ عليه النظرة المتوجسة من كل شيء وشخص، فهو يتهمُ ويرى الشر في ما حوله من أشياء وأشخاص، وربما تجاوز ذلك إلى إساءة الظن بأمسِّ الناس بنا رحما كالوالدين، أو الأبناء، أو الإخوة.


هم حقا ربما أخطؤوا في حقنا أو ظلمونا، فليس هذا بعيدا ولا مستحيلا في الحقيقة، لكن المشكلة أنّا نقرأ في مثل تلك الوقائع ما لا يمكنُ أن يكون صحيحا ولا واقعيا، وهنا تكمن الإشكالية، التي لا أقول إنها في طبيعة تفسيرِهِ لتصرفات الغير، بل فيما يجعله يفسرها على هذا النحو، أي إن أساس الإشكال هو في خلفيات ومباعث ذلك النوع من التفسير المغلوط.

العلة التي قد تفسر كل هذا ليس الحسد ولا العين، لكني أظن أنه يعود "على الأقل في قدر غير قليل منه" إلى عدم توفر ما يكفي من الثقة بالنفس، فإذا اختلّتْ نظرةُ الإنسان إلى ذاته؛ اختلّت -تبعا لذلك- نظرته إلى كل شيء حوله، وهذا ما سيجعله يتشكك كثيرا، كما أن الدوار عندما يصيبنا ويُفقدنا توازننا فإننا نرى الأشياء من حولنا تموجُ وتضطرب، في حين أنها -كما كانت- في أمكنتها لم تتحرك حركة غير طبيعية، ونحن الذين نتخبّط، وعند التأمل في هذا المثال فإننا كنّا نظن أن سقوطنا كان كـ"الاستجابة الطبيعية" كما لو كان زلزالا ضربَ الأرض التي نقف عليها، في حين أن الزلزال قد ضربَ وعينا وإحساسنا الحقيقي بأنفسنا والناس وليس شيئا آخر، وبالضبط فعندما نفقد الثقة الكافية في أنفسنا يضطرب تقييمنا للأشخاص والمواقف، فنفهم منها ما ليس حقيقيا ولا واقعيا، وتكون ردود أفعالنا خاطئة.

إن استعادة الثقة ليست عسيرة، فهي تبدأ -فيما أظن- بإنجاز الأعمال التي من المفترض قيامنا بها، ونجتهد في ذلك ما أمكننا ذلك، فنجاحنا في ذلك سيدعّم موقفنا في معركة استعادة الثقة، كما أنه من الضروري أن نتجنّب الصدام مع الآخرين مهما بدا لنا أنه الخيار الأنسب، فلنجعلْ ذلك كالقاعدة الثابتة، فإن هذا سيساعدنا في تأمين وسط مسالم نحنُ في حاجة ماسة إليه، ثم لنقم بما فرضه الله تعالى علينا من حسن الخلق والقيام بحق ذوي الحق علينا، ونستعين الله على ذلك، ولنكثر من الدعاء والذكر، فإن ذلك مما يبعثُ الطمأنينة والسكينة، وهي من أكثر ما نفتقر إليه..

 

تنوعت علاجات الحسد واختلفت من مكان لآخر، وامتدت حتى وصلت إلى زماننا الحاضر لتشمله، ومن تلك العلاجات والتعويذات البدائية نرى الخرزة الزرقاء ورسوم العين، وكذلك الأضاحي والدماء

رويترز
 

إن النظرة المتعقلة للأمور هي ما نودها ونرغبها تجاه كل شيء، القرآن بآياته المحكمة التي لا تنطق عن الهوى لم ينكر الحسد بل أصل له وحذر منه، ووضع من الذكر القرآني ما يمكن لنا به دفعه ونهره، فكيف لنا إذا أن نأتي لننكره ونبالغ في إنكاره بعدم التريث وإعلان كافة خصوصياتنا إلى العلن! وعلى الجانب الآخر، كيف لنا أن ننكر مساحات الأمان والرحمة التي منحنا الله إياها بالمداومة على ذكره وطلب مساعدته في كف كل شر عنا! كيف لنا أن ننكرها وينسحب إنكارها فينا إلى ذلك الحد الذي نغلق أبواب الحياة علينا وننطوي على أنفسنا خوفا من أن نحسد أو يصيبنا مكروه؟!

 

خلاصة: العين حقّ والحسد أيضا، لكني أؤمن أننا إن توقفنا وراء الحائط وبدأنا نتوهم ونبكي على خيباتنا دون حراك فلن نستفيد شيئا غير ضياعنا وضياع كل القيم التي حرصنا على إلزام أنفسنا بها. وعليه، فحذاري أن تفقد إحساسك بقيمتك وقدرك، وتذكّر أن الإنسان النبيل لن يسلم من عدوان أو أذى، لا لعيب ولا لنقص فيه أبدا، ثم لنبدأ بشكر الله على النعم التي فيها وننتخب من يشاركنا هذه الفرحة من رفاق، مع أنني أجزم أن الجزيل من الرجال قليل بل نادر، ولهذا فلا تأتي الأصحاب بكلك، وأبقِ من نفسك لنفسك، وعوض مراقبة الناس وفرض التهيئة وإثارة الشكاوي وحصر النفس في دائرة العين والحسد، لنفكر قليلا خارج الصندوق ولنشغل أنفسَنا  بما نراه نافعا ممتعا كقراءة، أو كتابة مثمرة، أو تعلّم مهارة، أو الاشتغال بالتجارة، أو الانخراط في النشاطات الخيرية وما أكثرها.. ونحو ذلك مما هو كثير ومفيد.

 

فإن تزجية الوقت في الصداقات والتسكع في دوائر الصفحات والشبكات العنكبوتية ليس من شيم الجادّين، ولن يجد أهلها فيها متعة أو أنسا حقيقيا، وربما كان تفاقم هذا الشكل من "الصداقات الفارغة" عائدا إلى توفر قدر كبير من "وقت الفراغ"، ومثل هذا "الزمان الشاغر" إن لم تملأه بالعمل والاجتهاد ملأك خواء، ولهذا فإن استثماره فيما أُشيرَ إليه سابقا هو الأفضل، وإن خابت خطانا في ميادين الحياة وتعثرنا فتذكر أن هؤلاء قلّة ولن تعدم في ميادين الجد رجالَ صدق ومروءة، وأظن أن الحكمة تكمن في عمق الاستفادة من هذه الدروس القاسية، وأظن أن حياتنا حافلة بها، وهل الحكمة إلا التجارب، فالسكون إنما هو في القبور، وأفضلنا هو من يجيد استخلاص الدروس والعِبَر والإفادة منها، ثم ينفع غيرَه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فـ"خيرُ الناس أنفعهم للناس".. كما قاله الرسول العظيم -بأبي هو وأمي- عليه الصلاة والسلام.

المختصر المفيد

"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة