جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
468

الكتابة الما بعد الحداثية في القصّة القصيرة

10/3/2018

يقول الأديب الكبير يوسف إدريس في معرض حديثه عن القصّة القصيرة: الأقصوصة أو القصّة القصيرة هي كالرصاصة يجب أن تتّجه نحو هدفها مباشرة. إنّ مختلف المدارس النقدية ولعلّ أشهرها مدرسة فرانكفورت النقدية قد أوضحت في أكثر من مناسبة أنّ الكتابة وفعل الكتابة غير مستقرّ على حال، وقد أوضحت هذا عبر الانزياحات النقدية التي بدأت بالبنيوية ثمّ التفكيكية وصولا إلى التوليدية فالتشريحية. ولهذا لا يمكن الاقتصار على مدرسة واحدة في نتاج ما.

 

والقصّة القصيرة لا تعيش معضلة تجنيس كما في الشعر بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، بل تعيش معضلة من نوع آخر هي أخطر في رأينا المتواضع من أيّ معضلة ثانية على مستقبل القصّة القصيرة التي بدأت منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي في افتكاك موقع متقدّم لها في المشهد الأدبي. هذه المعضلة هي سقوط عدد كبير من النقّاد وحتّى كتّاب القصّة القصيرة في ما يشبه التعصّب للمدرسة الكلاسيكية التي أكل عليها الدهر وشرب حتّى الثمالة.

 

لو ولّينا وجهنا شطر العالم الغربي في نتاجاتهم الأدبية لاكتشفنا أنّه لم يخل أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا خاصة من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد والكتابة المابعد حداثية

اليوم وبعبارة آدموف الآن وهنا وحتّى هنا تحديدا، اغرقت الكتابة المابعد حداثية أو الحداثة السيّالة النتاجات الأدبية في بحر جديد، هو مزيج من التجريب والعصرنة، فصارت القصّة القصيرة تقطع مع الموروث المترهّل التي وسم الأقصوصة لعدّة عقود. من الجانب البيداغوجي إن صحّ التعبير، تقوم المادّة السردية داخل الكتابة الما بعد الحداثية على مهمة لوجستية هي تدمير تقاليد وأوليات الاستعراض الخطي القائم على الوحدة والترابط المنطقي والتقابل والعقدة والخاتمة التي تكتنفها الدهشة أو الصدمة على نحو ما وصفه جيرالد غراف.

 

أي أنّ الكتابة المابعد حداثية تتجاوز الموروث الذي أضحى بمرتبة الفلكلور والذي يقتصر على إيلاء البعد الفنّي الاهتمام الأكبر. هذا الاهتمام في عرف الحداثة السيّالة وجب استبداله بنظام عرض سردي مخالف يقوم على تمجيد الخبرات النقدية من خلال متابعة نتاجات العالم الأدبي في موضوع الكتابة المابعد حداثية، حيث يقول جابر عصفور: ما لا يعلمه كثير من الناس أن الناقد في النهاية هو مواطن قبل أن يكون مثقّفا وما يحصل على المواطن يحصل عليه قبل أن يكون ناقدا أو كاتبا. أي انّ جابر عصفور يشير صراحة إلى ضرورة الانفتاح على المفهوم الأشمل للأدب وهو الركة المواطنية داخل فعل الكتابة.

 

فما سقط فيه اليوم عدد كبير من النقّاد والكتّاب في رفض أو إقصاء الأقصوصات أو المجاميع القصصية التي تقطع مع الشائع وتدو لثورة تجريبية داخل عوالم القصّة القصيرة، يدقّ ناقوس خطر كبير، لأنّ المدرسة الكلاسيكية في القصّة القصيرة قد أعلن جاك داريدا وفاتها في محاضرته الشهيرة سنة 1963. فالمدرسة التفكيكية قد أوضحت ضرورة التوجّه نحو معالم جديدة للكتابة ومنها كتابة الأقصوصة دون العودة إلى المترهل من الكتابات الكلاسيكية إذ يعد التفكيك أهم حركة ما بعد بنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل.

  
 
وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي قد أثارت موجات من الإعجاب وخلقت حالة من النفور في نفس الوقت مثلما فعل التفكيك في السنوات الأخيرة. فمن ناحية نجد أن بعض أعمدة النقد وقامات النقد الأسلوبي مثل بول دي مان وجيفري هارتمن وهارولد بلوم.. وغيرهم هم رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي على الرغم من تباين أسلوبهم وحماسهم وانتصارهم للكتابة الحداثية آنذاك، ومن جانب آخر نجد أن الكثير من النقاد الذين ينضوون في خانة النقد التقليدي الكلاسيكي هم بدورهم يشيرون غلى ضرورة تجاوز البعد الكلاسيكي لأنّ زمن الكتابة اليوم هو زمن الصناعات والتكنلوجيا والثورات المعلوماتية.

 

إنّ من يبدون سخطهم على التفكيك أو التوليدية في نقد الأقصوصة قد حبسوا أنفسهم في قمقم الركود الأدبي وعدم التجديد. ولو ولّينا وجهنا شطر العالم الغربي في نتاجاتهم الأدبية لاكتشفنا أنّه لم يخل أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا خاصة من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد والكتابة المابعد حداثية، ناهيك عن الانصراف عن الاعتيادات المجتمعية، فيما يسميه جاكوبسن بالأسلبة.

 

إنّ الجزم بإمكانية القول بأنّ الكتابة الما بعد حداثية بحاجة إلى الكثير من التحليلات النقدية الجديدة وأنّ أي محاولة تجريبية في أرضها لا تحتاج إلى التعريف بها أو التعرّف عليها فهي بالضرورة مثل عديد النظريات المعقدة والمربكة تستعصي على التعريف. فقط هي لحظة كتابة لا غير..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة