ديما مصطفى سكران
ديما مصطفى سكران
2.7 k

تعدد الزوجات من وجهة نظر امرأة (2)

13/3/2018
استكمالا لموضوع تعدد الزوجات الذي بقي معلقا في التدوينة السابقة يجب أولا التعريج على هذا السلوك في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-، والذي يُستخدم شيوعه آنذاك كحجةٍ لاعتبار التعدد مظهرا أصيلا من مظاهر المجتمع الإسلامي.
 
التعدد في القرآن الكريم وفي عهد النبي
نعم لقد كان التعدد شائعا في عهد النبي وبين صحابته، لكنه كان شائعا في الجاهلية قبل الإسلام أيضا كما كان الرق كذلك شائعا، وهذه المظاهر الاجتماعية كانت من سمات ذلك المجتمع. وكما أن الرق لم يُحرَّم في النصوص الدينية بشكل صريح ومباشر وإنما تم تقييده التدريجي، فإن آيات التعدد جاءت أيضا لتقييده في مجتمع يتزوج فيه الرجل عددا غير محدود من النساء، فكان الحد الأدنى الذي يحفظ بنية المجتمع من الانهيار في ذلك الوقت هو الاحتفاظ بأربع زوجات فقط.

ولكن القرآن لم يشجع على التعدد أبدا، بل كان مقرونا في موضع ذكره بالتخويف من عدم العدل، بينما وردت في آيات عديدة أخرى أحكام متعلقة بالعلاقة الزوجية من خطوبة وزواج وطلاق وغيرها دون ذكر التعدد أو التلميح له حتى. وهذه ليست دعوة إلى التحريم، فالتعدد مباح، ولكنها دعوة إلى عدم الادعاء بأن التعدد سلوك شجع عليه القرآن، بل هو واقع كان موجودا في ذلك المجتمع وقام القرآن بتقنينه. التعدد مباح نعم، ولكن ليس كل مباح مأتي، بل يجب وزنه بميزان المصالح والمفاسد وإلا تحول الحلال إلى حرام إذا غلبت مفاسده على مصالحه.
 
سورة يوسف والحب لغير الزوج في القرآن
النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يعدد في شبابه على محبوبته خديجة التي تكبره بخمسة عشر عاما، لم يرض لها ولنفسه بذلك، بل عدد بعد وفاتها تعدد قائد الدولة والنبي
حين ورد التعدد في موضعه الوحيد في القرآن الكريم كان مقرونا بحفظ حقوق اليتامى وبطمع الرجال في المال، ولم يكن مقرونا بتلك السياقات التي يتم تداولها على أنها حِكَم إلهية للتعدد، كالوقوع في حب امرأة ثانية أو الشهوة الجنسية الجامحة. في المقابل وردت رغبة المتزوج بغير زوجه في القرآن الكريم في سورة كاملة بطلتها امرأة!
 
يعلمنا القرآن في سورة يوسف أن الميل إلى الجنس الآخر أمر وارد يشترك فيه الجنسان، لذا لا يصح أن يكون مبررا للتعدد، بل تجب مجاهدته عند كل من الرجل والمرأة، ولعل الأمر عند الرجل أسهل وأيسر، فميله غالبا ميل جنسي قابل للكبح والفرملة خاصة مع وجود قنوات مشروعة لتصريفه، ولكن الأمر عند المرأة أصعب بسبب طبيعتها العاطفية المتحكمة، فميلها غالبا ميل عاطفي وصفه القرآن في سورة يوسف وصفا لطيفا "قد شغفها حبا"، والقلب عند المرأة، على عكس الجسد عند الرجل، لا يرضى إذا مال إلا بالمحبوب.
 
كيف يطاوعك قلبك أن تعدد على شريكتك؟
نعم كان التعدد شائعا في وقت مضى، وكان أمرا مقبولا لا تستنكره النساء، تعلم الواحدة منهن يقينا إذا تزوجت أنها لن تكون الزوجة الوحيدة لزوجها. وكان له غايات كثيرة غير الرغبة الجنسية كالتأليف في حالات النزاع ورعاية اليتامى وخطب ود الزعماء والطمع بالمال وغير ذلك، ولكنه الآن أصبح مقصودا بذاته لغاية تمتع الرجل بامرأة أخرى دون زوجته. وهو في وقتنا ومجتمعاتنا هذه لم يعد مقبولا لدى النساء، بل يعد إهانة عظيمة للمرأة وسفحا لكرامتها وانتقاصا لقدرها بين أهلها وأقرانها، وهو مدعاة لشماتة أعدائها بها ولشفقة القريب والبعيد عليها، وهو فاطر لقلبها وكاسر لخاطرها ومورثها لأمراض النفس والجسد، فأي ظلم عظيم هذا الذي قد يقترفه الرجل بحق زوجته حين يعدد عليها دون رضاها؟ أي ظلم عظيم تسكت عنه هذه المرأة مقهورةً عليه بسيف الدين ورضا الزوج وبسيف الطلاق والأولاد؟!
 
ألا يناقض ذلك القواعد الثابتة التي تحكم العلاقة الزوجية في الإسلام كالشورى والإحسان والمودة والعشرة بالمعروف؟ إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعدد في شبابه على محبوبته خديجة التي تكبره بخمسة عشر عاما؟ لم يرض لها ولنفسه بذلك، بل عدد بعد وفاتها تعدد قائد الدولة والنبي. وإن الإقدام على هذا الأمر دون موافقة الزوجة في وقتنا هذا ينفي صفة المروءة عن الرجل وينم عن أنانية وقسوة في القلب تسمح له بالغدر بشريكة حياته التي آمنته على نفسها وقلبها وعمرها وتزوجته على عهود الوفاء للحب الأبدي.
 
 
وحين يخطو الرجل هذه الخطوة وهو في عز قوته، ولا سبيل لزوجته إلى حياة كريمة إذا انفصلت عنه، أفلا يحسب حساب أيام ضعفه وشيخوخته حين تنقلب الأدوار ويكون بأمس الحاجة إلى حب زوجته الخالص ورعايتها؟ وهل سيصفو له قلب زوجته بعدما انفطر حزنا في أول ليلة تنامها وحدها باكية على سرير الزوجية بينما هو نائم في حضن أخرى؟! إن ما ينكسر من القلوب لا يعود أبدا كما كان، وإن الله لم يُعبد بما هو أحسن من جبر القلوب.
 
الله يا عزيزتي لا يرضى لك بالحزن
تأملوا معي هذه الآيات القرآنية: "ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ"، "فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي"، "وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي"، "فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ". لقد ورد فيها جميعها عدم رضاه سبحانه وتعالى عن حزن النساء في مواضع عديدة في القرآن لم يرد لها مثيل ، وكأنه يريد سبحانه أن يخبرنا أن حزن المرأة شيء عظيم عنده جل جلاله، لأن قلبها الرقيق إذا فطره الحزن تستحيل حياتها كلها بنهاراتها ولياليها سوادا وكآبة لرقة مشاعرها ورهافة حسها، ولأنها إذا حزنت حزن معها البيت كله فلا ترى له بهجة أبدا. وهو سبحانه أرحم بها من نفسها، أبى لها الحزن وأراد لها دوما الرضا والسرور. 
 
لم يعد الحديث عن مسائل المرأة ترفا فكريا يؤخذ ويرد فيه في المنتديات والملتقيات، ثم يأوي المختلفون إلى بيوتهم كلٌّ على ما آمن به، بل أصبح أمراً يستوجب البت والتقنين العاجل
وكان آخر كلام النبي "استوصوا بالنساء خيرا" وكانت آخر تحذيراته الخشية على الرجال من فتنة النساء، لا من فتنة جمالهن فقط، بل من أن يُفتن الرجال بقوتهم وبأسهم وتفوقهم على النساء وأن يَفتنهم ضعفهنّ وعجزهنّ واحتياجهنّ لهم، فيظلمونهنّ ويكسرون قلوبهنّ ويأكلون حقوقهنّ كما نرى في أيامنا هذه.
 
فهل تصدقين عزيزتي أن الله سبحانه يرضى بأي ظلم يقع عليك كما يريد البعض إفهامك؟ وهل تصدقين أن الله سبحانه قد يعطي للرجل الرخصة بأن يفطر فؤادك حزنا بالزواج عليك؟ وكيف إذا كره سبحانه حزن النساء تأتي أنت أيها الرجل لترضاه لها فتفطر قلبها بما تكره؟! وهل تستنكر مشاهد التعذيب الجسدي في السجون ثم تستهين بالتعذيب النفسي الذي يورث آلاما عظيمة في شعور المرأة، قد تكون أقوى من الآلام الجسدية، لمجرد أنك لا تستطيع رؤية هذه الجروح بأم عينيك؟ فأين المودة وأين الرحمة؟ ولكنه ربي الرحمن الرحيم جبار الخواطر والقلوب.
  
لا تفتنوا النساء في دينهن!
التشجيع على تعدد الزوجات بحجج واهية، وتشويه هذه الرخصة الإلهية التي أقرها القرآن لعلاج بعض الحالات الإسعافية في المجتمع، أصبح بالفهم الذي يروَّج له الآن فتنةً للمسلمات في دينهن، بالذات الشابات منهن، وبوابةً واسعة للتشكيك والخروج من الملة، خاصة بعد الانفتاح المعلوماتي وظروف الهجرة والاحتكاك بالثقافات الأخرى.
 
نعم، تعتقد كثير من النساء في قرارتهن أن الله متحيز للرجال، وحاشاه سبحانه وتعالى عما يصفون، وذلك بسبب الانحياز في تفسير النصوص لصالح الرجل. ولذا لم يعد الحديث عن مسائل المرأة ترفا فكريا يؤخذ ويرد فيه في المنتديات والملتقيات، ثم يأوي المختلفون إلى بيوتهم كلٌّ على ما آمن به، بل أصبح أمراً يستوجب البت والتقنين العاجل وفق مقاصد الشريعة وروحها السمحة العادلة بما يرفع الظلم عن النساء ويضع التشريع في سياقه السليم وينقيه من تفسيرات وتعليلات خاطئة لم ترد لا في القرآن ولا في السنة.
 
فهل يرضى أي رجل مسلم صادق أن يفتن امرأة مسلمة عن دينها حين يريد التحيز لهذه الفكرة أو لتلك بعيدا عن هديه سبحانه الرحمن الرحيم العادل الودود؟ هل يرضى أن يحمل أمام الله مسؤولية هذه الصورة المغلوطة التي يصدرها للنساء، مسلماتٍ وغير مسلمات، عن إلهنا الرحيم العادل ودينه الحق؟ ألا يستحق استشعارُ هذه المسؤولية العظيمة وقفة جديدة لتجديد الخطاب وإعادة النظر في الأحكام الفقهية وشروحات النصوص، ومحاولة فهمها وفق روح الإسلام الحقيقية؟
 
نعم، أظن ذلك، ولكن السؤال برسم المختصين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة