جمال أكاديري
جمال أكاديري
174

مرونة العقود وأزمة الشغل بالمغرب

13/3/2018
بعد تنصيبه رئيسا للحكومة المغربية، عقد السيد سعد الدين العثماني اجتماعا مع رئيسة نقابة الباطرونا السيدة مريم بنصالح، الذي خصص للنظر في الوضع الاقتصادي وإمكانيات تنشيط النمو، والإجراءات المشتركة المقترح اتخاذها كتدابير، تسمح للشركات الكبرى، بخلق المزيد من القيمة المضافة وفرص الشغل. كما أكدت رئيسة نقابة الباطرونا -كعادتها وكما فعلت سلفا أمام أعضاء الحكومة السابقة- مرة أخرى، على أهمية شراكة قوية بين القطاعين العام والخاص، ستسفر عن نتائج ملموسة من خلال منصة العمل التي وضعت بين الاتحاد والحكومة.
 

الذي يهمنا من حصيلة هذا الاجتماع، هو معرفة أين وصلت اقتراحات أرباب العمل السابقة، فيما يخص خلق مزيد من مناصب الشغل، ومواجهة كابوس البطالة - التي تم تمريرها عبر بوابة النقابة الرسمية تحت غطاء أنها نتيجة لدراسة ميدانية غير مسبوقة! فارتفاع معدل البطالة في المغرب وعجز الاقتصاد الداخلي، عن تقديم حلول ملموسة لأزمته التي تطال فئات كثيرة، أعطى المبادرة لأرباب العمل ورجال الأعمال (الباطرونا) لتقديم رؤية اقتراحية، لإصلاح منظومة الشغل، ضمنتها دراسة تحليلية صدرت في عهد حكومة بنكيران، أشرفت على تأطيرها، لجنة التشغيل التابعة لنقابتها المعتمدة، تتمحور أساسا حول فكرة عملية برغماتية، في التصور الليبيرالي الرأسمالي الحديث اليوم، ألا وهي تبني المرونة في كل التعاملات.

 

فهل فعلا نسبة البطالة قابلة للتراجع والتقلص بضخ مزيد من المرونة في سوق العمل، كما يقترحون في الورقة المقدمة للرأي العام؟ ثم من جهة أخرى هل سيقوم حُماة منظومة العمل بالمنافحة عن حقوقها المكتسبة (وهنا النقابيون نموذجا) إذا اطلعوا على مضامينها.

 

المغرب ما زال بلدا تتواجد فيه مناطق قريبة من الحواضر، حيث المقولة القانونية الشهيرة "التعاقد شريعة المتعاقدين" غير ملزمة حتى في العلاقات الزوجية غير الثبوتية لدى الشريحة الاجتماعية الأمية الهشة

إن عقد العزم على المغامرة، بالقفز في دوامة الرهان والرضوخ لمقترحات مثل هذه، تبشر بخلق مزيد من فرص التشغيل، وتحاول نزع القداسة عن عقد العمل التقليدي المعروف، من خلال إدخال تعديلات على قانونه لجعله أكثر مرونة، ومسايرة لوتيرة التحولات الاقتصادية الخارجية المفروضة؛ التي يصرحون أنها تجبر كل مرة، الشركات المغربية الكبرى على تفعيل برنامج إعادة الهيكلة، خاصة في الفترات التي تشتد فيها المنافسة في الأسواق؟ فهم طبعا، أعني نقابة الباطرونا، يعتقدون بصلابة في دعوى القيام بإجراء "تسييل" حركية سوق العمل، عوض تركه في قوالب الجمود التي يوجد عليها، والتي يُؤَشَّرُ لها في تقاريرهم بأنها من أكبر المعيقات الموجودة في هذه الظرفية. أولا من خلال التخلص من المساطر القانونية، التي تؤرق بشكل خاص الشركات المخضرمة المندمجة والمؤقتة، وما تتضمنه من جزاءات في حالة اتخاذ قرارات الطرد، التي ستُتابع عن قرب من طرف المحاكم الإدارية؛ ثم ثانيا تنزيل استراتيجية جريئة لتعديل أفق العلاقات التعاقدية بين المستخدمين وأرباب العمل (الباطرونا)، حتى تلائم ما سيأتي به الزمن الاقتصادي المتسارع، الذي لا يريدونه أن يشبه، زمن تلك الإصلاحات السياسية الهرمية التي تنزل متأخرة دوما في قراراتها، و بطيئة في الإجراءات وغير متأقلمة.

 

أرى أنه منطقي جدا، إذا تم نقاش هذا الموضوع في منتديات الدول الأوروبية القريبة منا جغرافيا، حيث الاقتصاديون الليبراليون يصرحون علنا، وليس في الكواليس، بوجود معيقات فعلية، سببها التغيرات التي تفرضها البيئة التنافسية العالمية التي تشهدها الأسواق حاليا، والتي تحتم عليهم، بالضرورة، التخلي عن العلاقة التعاقدية في عقود العمل غير المحددة الأجل، واستبداله بعقود عمل أكثر مرونة، ومُتَضَمَّنَة لمدد محددة وغير متجددة، فماذا عن وضعية عقود الشغل في المغرب؟

 

للإشارة العابرة فقط، وبخصوص ثقافة التعاقد كتابة، فالمغرب ما زال بلدا تتواجد فيه مناطق قريبة من الحواضر، حيث المقولة القانونية الشهيرة "التعاقد شريعة المتعاقدين" غير ملزمة حتى في العلاقات الزوجية غير الثبوتية لدى الشريحة الاجتماعية الأمية الهشة. ولذلك نتساءل: ما الوضع الذي سيفرزه بالضبط إدخال المزيد من المرونة، كما ينادي به الاتحاد العام لمقاولات المغرب وشركات أرباب العمل، ومنذ فترة قريبة؟ وبخصوص أي فئة؟

   

  

فسوق العمل في المغرب، كما يتضح من الأرقام الرسمية التي تعرضها الاحصائيات المسجلة من طرف المندوبية السامية للتخطيط، تُهيمن عليها إلى حد كبير العلاقات التعاقدية غير المكتوبة. فنسب كبيرة من المستخدمين يعملون بدون عقود، ونسبة قليلة لديهم عقود مع صاحب العمل مبنية فقط على الثقة الشفوية المتبادلة! وبعبارة أخرى، فإن أكثر من ثلثي العاملين الذين تم توظيفهم، لم تكن لديهم عقود عمل قانونية لها أثرها الفعلي، وإذا أضفنا إليهم أولئك الذين يشتغلون بموجب عقود محددة المدة، والذين يشكلون نسبة معينة من المستخدمين، فبإمكاننا أن نؤكد بالملموس أن هناك هشاشة في علاقات التعاقد المرتبطة بالعمل، وبالتالي، ويا لسخرية الأقدار، فإن مرونة فعلية واقعة في أوضاع سوق الشغل دون حاجة للتنظير لها من طرف عباقرة ممثلي الباطرونا لدينا.

 

لا بد من التدقيق مزيدا والقول، إن مجمل هذه الإحصاءات، تتعلق بعدد السكان النشيطين، وهو ما يمثل نصف مجموع العاملين. ولا حاجة للحديث عن حشود مقدمي الرعاية الاجتماعية أو المتدربين تحت التكوين، فأغلبهم مستخدمون بدون أجر أو أحيانا بأجور هزيلة لا ذكر لها، وهم يجسدون في نظري، الهشاشة القصوى الضاربة طولا وعرضا، في أجور العمل وبياناته، الأمر الذي يجعلهم نماذج خالصة، تستجيب بسهولة لمنطق مرونة سوق الشغل ومحدداته من عرض وطلب، وما يخترقه ويتوفر عليه من بضاعة اليد العاملة.

 

مع هذه الاعتبارات إذن، وعندما نعلم أن نسبة ضخمة من العمال المُياومين والموسميين، لا يتوفرون على الحماية الاجتماعية، ونصفهم لا تتوفر فيهم المؤهلات المطلوبة، وأن قطاعات الفلاحة والصيد لا تزال المصدر الأول للتشغيل، فهل يبدو أن سوق العمل في المغرب، سينجح في عرض حركيته إلى المزيد من المرونة، وبالتالي تجاوز مشكل البطالة المزمن كما يتوقعون؟ أم أنه كسوق ناشئة وفي قلب اقتصاد بلد ما زال يتسلق درجات السلم التنموي، في حاجة بالأحرى إلى الحماية والرعاية التأهيلية، على عكس الدول المتقدمة، حيث أسواق العمل ناضجة ومؤهلة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة