آلاء نايف
آلاء نايف
333

الشغف.. مفهوم التعليم الحقيقي

14/3/2018

في بداية دخولنا لعالم الجامعة كان جل ما ركزنا عليه هو تحقيق التفوق الدراسي والأكاديمي كهدف تقليدي لهذه المرحلة!، ومع الوقت نتحول لماكينات استقبال وحفظ وترديد وبمعنى آخر "دحيحة"، تتحول عقولنا لحافظة معلومات تُفرغ يوم الاختبارات، تمتلئ كل بداية عام وتُفرغ في نهايته، هكذا نكون حققنا التفوق الذي يتحدثون عنه.

 

لكن لم أستطع كطالبة أن أتعايش مع هكذا وضع!، فرغم تفوقي الأكاديمي إلا أن تحصيلي التعليمي واستفادتي الحقيقية من الدراسة والمناهج قليلة جداً؛ فأسلوب التعليم لدينا لا يؤهلني مطلقاً للعمل لا للحياة التي سأواجهها لسنين تالية، لا من قريب ولا من بعيد!

 

أصبحت أؤمن أن التعليم الحقيقي هو ذاك الذي نجربه بأيدينا، هو ذلك الشغف الذي يجعلنا نفتح كل الكتب والمقالات والدروس لنتعلم علماً جاهزاً للتنفيذ وقابلاً للتطبيق، ذلك الشغف الذي من أجله نتحمل الجهد البدني والنفسي دون أن نتأفف لحظة، ذلك العمل الذي تبدأه في خيالك وبخطوات يصبح نجاحاً تشاهده بعين فخور بما أنجزته، وبعين تقدر كل الأخطاء الذي وقعت فيها.

 

لابد أن يعلم المشرفون على صناعتنا التعليمية ومهندسوا عملياتها التربوية أن هذا الجيل وأي جيل لن يكون نسخة من سابقيه، والقادم كذلك ليس مثلنا

أؤمن أيضا بأنه التجربة التي لا نخرج منها كما دخلنا، يؤثر في عقليتنا ومنطقنا في الحياة، يحول ما نقرأه ونسمعه إلى فعل، هذا هو التعلم الحقيقي من وجهه نظري، فمنذ تواجدي في العمل الطلابي وأنا أرى تطور الطلبة من حولي واضحاً تماماً في الأعمال والأنشطة، فمنهم من تطورت علاقته بالآخرين فتحول من شخص صدامي إلى قريب مألوف من قلوب من حوله، ومنهن اللتي كانت تخجل من التعبير عن أفكارها فتحولت لشخصية مجادلة ومناظرة وقوية الحجة.

 

صقلتنا هذه التجارب يوما بعد آخر، ونقلتنا لمستويات لم نكن نتوقع أن نكون فيها فمنا من أصبح يتقن كتابة السيناريو، وآخر تطور في مجال التصوير، وآخر يبدع في المونتاج، المضحك في الموضوع أن الكثير منهم يمتهن هذه المهن الآن بشكل احترافي ويترك مجال تخصصه الذي قضى به سنوات مضنية من التعليم، لأنه وببساطة؛ الحياة الأكاديمية لا توفر لأحد منا التطور الذي نسعى إليه، ولا تلبي شغف نفوسنا وتكتشفه.

 

عالم الأنشطة والتطوع هو عالم واسع جداً لا يقتصر على مجال معين، عالم به دوائر عديدة، كل دائرة لها حكايتها وموقفها ومشاكلها، ولها شخصيات قد تختلف أو تتشابه في الخلفيات والثقافات؛ حيث يعلمك العمل الطلابي ومناخه المتفاعل؛ تقبل اختلاف الأشخاص الذين تعمل معهم والتركيزعلى الهدف الواحد الذي يسعى الجميع لأجله، إنه عالم آخر يرسم فيه الطالب تجربته بطريقته ويحكي قصته عبر نسيج كلماته، هو عالم حر اختاره الشخص بكامل إرداته بمميزاته وعيوبه، وانطلاقا من هذه الحرية والإرادة يكون لديه القدرة الكاملة لتحمل أي جهد عقلي أو نفسي أو بدني مبالغ فيه.

 

لابد أن يعلم المشرفون على صناعتنا التعليمية ومهندسوا عملياتها التربوية أن هذا الجيل وأي جيل لن يكون نسخة من سابقيه، والقادم كذلك ليس مثلنا، أحلامنا.. أفكارنا.. تحدياتنا.. وواقعنا المقلق المضطرب، وإذا كان الأمر كذلك فما معنى جعل أسلوب التعليم وآلياته راكدا كما هو منذ عقود لم يتغير منه سوى أدواته لا مضمونه؛ من الطبشورة لشاشة العرض، وبقيت الروح والمضمون والآلية كما هي، في خداع للذات وادعاء زائف للتطور!

 

ما الذي يعنيه أن ننظر للساعة أثناء تواجدنا اليومي في جامعاتنا نعد الثانية واحدة وراء الأخرى بممل وحسرة وكأنها ببطئها تقتلنا، وعندما تنتهي الدقائق لا نجد أنفسنا إلا راكضين خارج المحاضرة نفك قيودنا وكأننا نخرج من عالمهم إلى عالمنا الذي سنصنع فيه كل شيء بشغفنا وطريقتنا.

 

هذا الجيل صنع ثورات وتحرك ضد مظالم من سبقوه، أنتج فيلما، أدار مشروعا، نشر علماً بالجوال!

رويترز
 

أتذكر هذا الأستاذ الذي طردني من محاضرته لأول مرة في حياتي لأني كنت منشغله بالجوال، كنت ساخطة جداً من نفسي، كيف أسمح لأحد أن يقلل مني، وكيف أضحيت غير منضبطة في المحاضرة. ولكن إذا كان اللوم علي مرة فاللوم على أستاذي مرات، فمحاضرته كانت أكثر الأوقات المملة والكابوسية فهو لا يقدم أي شرح للمادة و يتكلم في كل شيء في الحياة عدا المادة التي ندرسها، وفي كل محاضرة يهزأ من جيلنا، وكأن المحاضرة تمر كخمسين سنة لا خمسين دقيقة، لم أستفد من هذا الأستاذ بأي شيء سوى عنوان المادة.

 

المشكلة ليست إذن في جيلنا، المشكلة ليست من صنعنا، ولا يمكن إدانتنا بمجرد أننا جيل الآيفون والفيسبوك، هذا الجيل صنع ثورات وتحرك ضد مظالم من سبقوه، أنتج فيلما، أدار مشروعا، نشر علماً بالجوال! فليس خطأنا أن العالم تتطور، أو أنكم لا تستطيعون أن تتعاملوا إلا بطريقتكم لا بطريقتنا! هل يمكن أن نبني جامعة تعلمنا الحرية والتجربة والخطأ والثقة بأنفسنا واحترام طلابها قبل أن تقدم مناهج، تستخدم الأمثل لتعليم طلابها بدل من أن توبخها، هل يمكن أن نبني جامعة لأنشطة التطوع بدون تعليم؟!









#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة