حسام شاكر
حسام شاكر
1.2 k

طبقة المنظمات غير الحكومية

15/3/2018

منحَهم الانتماء الأحمر امتيازات سخية بمقاييس زمانهم. وزّعوا منحا دراسية على مقرّبيهم، استأثروا بمخصّصات جاوزت ببعضهم منسوب مجتمعاتهم، أصدروا جرائد ومجلات ملونة، ودفعت لهم "دار التقدم" بإصدارات أيديولوجية بالعربية من موسكو فباشروا تثقيف "الطلائع" عليها.

 

ذبلت التجربة وهوى نجمها الأحمر، وأزيحت تماثيل ماركس ولينين التي حجّ إليها الحالمون بـ"الدروجبا"؛ أي "الصداقة" الأممية الحمراء. جفّ الدعم عن آخره، وتعاقبت على العالقين العرب سنوات عجاف فولّى بعضهم وجهه من الشرق إلى الغرب. جاءتهم المنحة بهبوط منظمات غير حكومية في إنزال كثيف على المنطقة. اندفع أيديولوجيو الأمس العرب إلى أحضانها، وباشروا فتح مكاتب تعمل وفق خطاب الأمم المتحدة ومنظومة "بريتون وودز"؛ أي صندوق النقد والبنك الدوليين.

 

نجمة حمراء صارت خمساً

ارتدى "مناضلون" مُخضرَمون قمصاناً مكوية، ظهروا بربطات عنق مع ابتسامات عريضة، لوّحوا بأصابع الإبهام التي توحي بالإنجاز، تعلّموا الإنجليزية لاعتلاء المنصات، تكيّف بعضهم مع مقاعد الدرجة الأولى وفنادق لا تدنو عن نجوم خمس، حتى أُشرِبوا في قلوبهم الرأسمالية ونَسُوا حظا مما أفنوا شبابهم في التذكير به.

 

وجدت "مناضلات" الأمس ذواتهن في أيديولوجيا "جندرية" يحفظن مقولاتها عن ظهر قلب، فأنسَتهنّ المحفوظاتُ الجديدة مقولات "المانفيست" الشيوعي وخلاصات "رأس المال" لماركس. مضى الزمن الأحمر تاركا أتباعه نهباً للدول المانحة ومنظماتها غير الحكومية، التي تغدق الأموال على من يتحرّى أولوياتها ويلتزم بمحفوظاتها وينهض بوكالاتها.

 

ما عادت النخبة الشابة الملتحقة بالصنعة الأممية تتحدث عن "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، أو تهتف بـ"الشعب يريد"، فقد التزمت المصطلحات إياها؛ عن "الحكم الرشيد" و"التنمية المستدامة" و"تمكين المرأة"

ظلّ بعضهم يكابر حتى اللحظة الأخيرة، حينما عدّوا "البيرويستريكا والغلاسنوست"، أي إعادة الهيكلة والانفتاح الشفاف، إصلاحا ملتزما بالماركسية يقوده غورباتشيف و"المكتب السياسي"؛ وليس مارقا منها. تقيّدت الجوقة برواية موسكو على مضض، حسب ما جاءتهم في إرساليات مطبوعة ومبثوثة عبر الأثير، وبالفاكس أحياناً. ثم داهمتهم مشاهد الميدان المذهلة لجماهير تجذع أنوف الأصنام التي توسّطت الميادين عقوداً، فانتهى الحفل الأحمر وخارت آمال لم يكن ينقصها سوى ظهور غورباتشيف ذاته بعد سنوات في دعايات تجارية لشركات رأسمالية غربية.

 

كان النصف الأول من التسعينيات قاسياً على بعضهم. غاب العرب عن "الفنادق الحزبية" في برلين الشرقية وبراغ وصوفيا وبوخارست وموسكو ذاتها. وحدها هافانا التي احتفظت بطقوس ثائرة في زمن "وحيد القرن" الذي يحاصرها. لكنّ العاصمة الكوبية القاصية والفقيرة، لا تملك امتيازات غير السيجار الفاخر كي تمنحها لأتباع الطريقة الحمراء، رغم ما أنجزته بيديها في حقول التعليم والطب وجادت به على أمم فقيرة في الخاصرة اللاتينية. أما الصين فاحتجب عنها ماو وانقشعت "ثورته الثقافية"، فاستقطبت بكين تحت علمها الأحمر رجال أعمال أتخمتهم الرأسمالية حملوا إليها علامات تجارية غربية.

 

مَن صَمد من القوم على النهج، وظلّ وفياً لالتزامه المبدئي وخطه الثوري؛ كان عليه أن يشقى في عالم عربي بلا فرص، فتضاءل الإحساس به، أو انزوى عن مشهد يراقب تحولاته وانهياراته. نهاية حزينة تلك التي يتجرعها الحالمون عندما تتنكّر لهم العهود ولا تسعفهم مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات الحرة التي بزغت متأخرة عن هزيعهم الأخير.

 

أخلَت "الدروجبا" الاشتراكية الميدان لمانحين غربيين، وهم حشد من ممثلي دول وهيئات معونة وصناديق إنمائية ومؤسسات يسمونها "ثينك تانكس"؛ أي "حصون الفكر" أو "دروع الأفكار" بمنشئها الأمريكي. نشأت خطوط تشغيل ممتدة من توجهات العواصم الغربية إلى مكاتب متناثرة عبر المشرق والمغرب العربيين؛ فاجتذبت العالقين بين المراحل بحثا عن داعم جديد بعد أفول "الرفاق"، وامتصّت الكيانات الجديدة مع الوقت حشداً من أذكياء المجتمعات العربية ونخبها الشبابية الأوفر تعليماً ومهارات؛ فدارت بهم حول الكوكب الغربي.

 

متلازمات البناء والهدم

متلازمات مؤلمة شهدتها المرحلة الممتدة من أواسط التسعينيات، عندما صعدت طبقة "الإن جي أوز"، كما تُسمى هذه المنظمات غير الحكومية اختصاراً. نضجت طبقة اعتمادية في العالم العربي على المانحين الغربيين، وجرى في الوقت عينه سحق خبرات العمل الأهلي المتجذرة والمؤسسات الخيرية الناهضة في بلدان عدة.

شهد الإقليم الخليجي فصلا من الحكاية. حوصرت المنظمات الخيرية الناهضة فيه تدريجيا تحت وطأة قوائم التشهير الصادرة من عواصم غربية، وبعضها يعود إلى تحريض تمارسه القاعدة الحربية الضخمة في فلسطين. وما إن انهار برجان شاهقان في نيويورك حتى أُطيح بمؤسسات عبّرت في جملتها عن مساهمة أمة العرب والمسلمين في سوق المانحين ضمن ميدان الخير العالمي. أصبح العمل الخيري ذريعة اشتباه إن جاء من بلد خليجي تحديدا، فتم نزع حصالات المتبرعين من المرافق العامة والمساجد، بينما تمددت الخيريات الغربية في المنطقة بانسيابية وافتتحت فروعا محفوفة بالتصفيق والابتسامات. ومع الفروع الممتدة والتعاقدات المتزايدة مع وكلاء محليين؛ تفاقمت الاعتمادية على جهات مانحة غربية رسمية أو غير حكومية، كان بعضها مثابراً في أدائه وإن صعد على أنقاض تجارب أهلية سحقها الزمن الجديد.

 

لم يلحظ بعضهم أنّ المنظمات غير الحكومية لم تكترث عموما باستراتيجيات السحق والتهميش الدؤوبة التي أتت على تجارب العمل الأهلي في العالم العربي والإسلامي، ولم تُسمَع نبرة تضامنية منها مع المؤسسات المستهدفة، حتى ضمن المجتمع المحلي الواحد، فمن بوسعه التضحية بامتيازات يُلقي بها المانحون؟!

 

انتشلت المنظمات غير الحكومية وفرة من الشباب العربي بعدما اكتظت الميادين بشباب أعلن الغضب على أنظمة صادرت مستقبله

رويترز
 
المبشرون الجدد

يتزاحم المبشِّرون الجدد في طائرات تقلع من أوروبا إلى بلدان عربية وأفريقية وآسيوية أعياها الفقر والجهل والمرض. لا يهبط هؤلاء اليوم بالرغيف والصليب؛ بل ببرامج ومبادرات ومضامين تصبّ لدى وكلاء محليين. لم تعد الكنائس وحدها في الملعب، فالمزاحمات تتزايد. تجددت بعض الطقوس ولم تتبدّل كثيراً من "المبشرين" القدامى إلى "المبشرين الجدد" في كاتدرائيات المنظمات غير الحكومية وحصون الفكر. هم يحملون أشياء معهم إلى هذه البلدان، ولا يعودون منها سوى بحالات مبحوثة وتقارير إنجاز لا غنى عنها لضخ الأموال واستقطاب التبرعات لمعاودة الرحلات. طيبون هم وطيبات، كعادة التروس الدوّارة بدأب في المنظومات الوريثة للإمبراطوريات.

 

ورثت المنظمات غير الحكومية الغربية تقاليد "المبشرين" القدامى، الذين تقاطروا إلى المنطقة منذ نهاية القرن التاسع عشر ضمن ملابسات العهد الاستعماري، لكنّ محفوظات التلقين الجديد ليست مستلّة من "إنجيل متى" بل من "اتفاقية مكافحة كل أشكال التمييز ضد المرأة". تكاثرت مكاتب الوكلاء المحليين الذين يتحدثون بخطاب لا تفهمه مجتمعاتهم تقريبا، ويسيرون بأولويات لم تتصالح مع الإرادات الذاتية المتضافرة في أممهم. وإن ارتفع صوت في بلد ما فإنه تعبير عن سوط النظام الذي يسعى لاحتواء الحالة "غير الحكومية" والهيمنة عليها رَغَبا ورَهَبا.

 

ارتفعت معيشة الوكلاء المحليين فوق منسوب مجتمعاتهم، فنالوا مزيدا من البروتين، وحظي أطفالهم بأصناف أجود من الشوكولاتة. أخذت طبقة المنظمات غير الحكومية هذه تنفصم وجدانيا عن مجتمعاتها، وقد لا تجد نفسها مضطرة للاكتراث بالواقع المحيط بها. يتصرف الوكلاء المحليون مع مجتمعاتهم كما يفعل المانحون معهم، أو هكذا تقريبا. فما يهم في نهاية المطاف هو أن تستثير تقارير الإنجاز المصوّرة إعجاب إدارات عليا تتقاسمها ضفّتا الأطلسي وعواصم اسكندنافيا وأوروبا الغربية.


صارت المنظمات غير الحكومية إسفنجة تمتص الحاصلين على أعلى الدرجات والمتمكنين من اللغات والمهارات النوعية، وفي مكاتبها يلتزمون طقوسا تتقيّد بمحفوظات الزمن الجديد المنقوشة في الألواح. كان بعض رواد التجربة، حتى ربع قرن مضى، أعضاء في أسر شيوعية تتدارس "النظرية"، بينما باشر آخرون حلق ذقونهم واختزلوا الصلوات الخمس، فالزمن الجديد فرض عليهم إتقان "البريزنتيشن" الذي ينبغي عرضه لوفود المانحين الزائرة. إنها أولويات المرحلة التي تتحرّاها طبقة المنظمات غير الحكومية بعناية.

 

انتشلت هذه المنظمات وفرة من الشباب العربي من بؤس الواقع وعرجت به إلى منصات دولية. هذا ما حدث أيضا بعد أن اكتظت الميادين بشباب أعلن الغضب على أنظمة مترهلة حظرت حقوقه وأفرغت جيوبه وصادرت مستقبله. وما إن صفّق العالم لمشاهد مجيدة تلاحقت من شارع الحبيب بورقيبة وميدان التحرير وساحات التغيير؛ حتى انطلق المانحون الأوروبيون والأمريكيون في أوسع إنزال من نوعه على الجبهة العربية. ما إن زارت هيلاري كلينتون القاهرة مثلا بعد تنحية مبارك حتى التقت شبابها تحت الكاميرات، وأعقبها نظراؤها من وزراء الخارجية الأوروبيين الذين أعلنوا من فورهم عن أعطيات سخية لأجل "تمكين الشباب"، وكانت المنظمات غير الحكومية واسطة العلاقة بين مانح وتابع.

 

عجزت وفرة من المنظمات العاملة تحت عنوان "تمكين المرأة" عن مخاطبة "المانحين" إياهم بالتحرك لكبح تعسّف الاحتلال مع الأسيرات

كان شبابا ثائراً لكنه بلا عمل تقريبا، فاجتذبت بعضَه عروضٌ مغرية لإنجاز "تقارير عن الحالة" أو لمجرد الحديث عنها على منصة غربية؛ ومنها دافوس ومنتدى ميونيخ للأمن حيث يتزاحم أرباب الهيمنة وراسمو الاستراتيجيات وقادة التحالفات. حسب الشبان والشابات حقا أنّ استحضارهم يعني المشاركة حقا في صناعة "القرار الدولي"؛ لكنها بداية الاجتذاب إلى تعاقدات سخية استقطبت نخبة ثورية غضّة جرى إغداق الجوائز عليها تحت وقع التصفيق؛ ثم انتظمت في مكاتب الوكلاء المحليين بعد أن شاخ جيل مناضلي "الدروجبا".

 

خرج الثائر من خيمته إلى فندق بنجوم خمس، أغدقوا عليه الجوائز الرفيعة وصار وكيلا محليا لمنظمة غير حكومية، وشرع في ضبط خطابه حسب محفوظات الأمم المتحدة ومنظومة "بريتون وودز". ما عادت النخبة الشابة الملتحقة بالصنعة الأممية تتحدث عن "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، أو تهتف بـ"الشعب يريد"، فقد التزمت المصطلحات إياها؛ عن "الحكم الرشيد" و"التنمية المستدامة" و"تمكين المرأة". جميعها شعارات رائعة؛ لكنّ الثائرين انقطعوا وجدانيا عن الميدان والخيمة وثقافة شباب البلد والأحياء الشعبية، ونالوا مزيدا من البروتين بالطبع، مع نضارة الوجه من أثر النعمة.

 

مضى الربيع سريعا، وصعد الاستبداد العسكري مستندا إلى دعم المانحين أنفسهم، الذين ملّوا منح الجوائز لفرسان الميادين العربية، الذين تمسّك بعضهم بوظائف مضمونة في منظمات غير حكومية.

 

حالة فلسطين مثالا

في فلسطين حكاية شبيهة، لكنها أشد وطأة. فالشعب الرازح تحت الاحتلال نحَتَ تجارب الاكتفاء الذاتي، وابتكر أشكالا من العصيان المدني ومقاطعة اقتصاد المحتلين ومستوطناتهم. اندلعت في نهاية 1987 انتفاضة شعبية كبرى تأجّجت جذوتُها أعواما متلاحقة رغم ألوان البطش التي صبّها عليها ما عُدّ جيشاً لا يُقهَر. طوّر المجتمع الفلسطيني وقتها نموذجا في الصمود بآليات تنموية وتكافلية عززت مقاومته الشعبية التي انخرطت فيها فئات عريضة من النساء والرجال من أجيال شتى. نهضت الجمعيات الأهلية بأدوار مهمة، وتنامت لجان الزكاة في المدن التي شكلها المجتمع المحلي بمقوماته الذاتية وبداعميه من مجتمعات أمّته.

 

انهارت التجربة بعد اتفاق أوسلو (1993)، الذي باشرت مفاعليه تجريف المجتمع الأهلي الفلسطيني بالتضييق عليه وإفقاره تدريجيا، وصولا إلى خنقه بحظر مؤسساته العريقة ومداهمة مقارها وقطع سبل التمويل الخارجي عنها؛ أو بالسيطرة عليها من أجهزة السلطة التي تشكّلت برعاية أمريكية كي تباشر "التنسيق الأمني" مع الاحتلال. طالب البيت الأبيض علنا بمداهمة الجمعيات الفلسطينية وإغلاقها فعمّمت السلطة مشاهد التنفيذ القاسية بدءاً من سنة 1996. كان استحقاقا مطلوبا من سلطة موعودة بدولة، فمطاردة "أعداء السلام" تقتضي تدمير "البنية التحتية للإرهاب"، وفق إلحاح وزيرة الخارجية المتغطرسة مادلين أولبرايت؛ التي تصرّفت مع القيادة الفلسطينية الرسمية كناظرة مدرسة تستدعي تلميذا أهمل واجباته.

 

جمعية إنعاش الأسرة (مواقع التواصل)


أقحم عهدُ أوسلو المجتمعَ المدني الفلسطيني في علاقة اعتمادية على مانحين غربيين، وأهال التراب على مؤسسات أهلية فاعلة. ضمرت لجان الزكاة ذات الحضور الواسع، وما عادت أسماء عريقة مثل "جمعية إنعاش الأسرة" أو الاتحادات النسائية قادرة على مزاحمة المنظمات غير الحكومية عبر وكلائها المحليين. كانت الجمعيات الأهلية الفاعلة من الشعب وإليه، ثم ظهرت طبقة "إن جي أوز" الاعتمادية على المانحين والتي تتحرى أولوياتهم. على التوازي من ذلك نشأت طبقة "في آي بي"، أي "الشخصيات الأكثر أهمية"، وهم مسؤولو السلطة ومنتفعوها وقادتها الأمنيون وحاشيتهم من حاملي بطاقات التسهيلات الخاصة على معابر الاحتلال فيجتازونها دون شعبهم العالق، وتأتي رواتبهم من سلطة اعتمادية على المانحين أيضا.

 

اكتشف الوكلاء الفلسطينيون المحليون للمنظمات غير الحكومية الغربية أنّ هناك حدوداً للعمل المدني ضد الاحتلال تحت لافتاتهم. عجزت وفرة من المنظمات العاملة تحت عنوان "تمكين المرأة" مثلا عن مخاطبة "المانحين" إياهم بالتحرك لكبح تعسّف الاحتلال مع الأسيرات، حتى أنها لم تجرؤ على إصدار بلاغات تدين اختطاف وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية مريم صالح (2006). تدرك المحظيات في تصدّر هذه الطبقة أنّ مواقف كهذه تزعج المانحين الغربيين أو تغضبهم بما قد يحبس تدفقات الدعم، ومن قال أيضا إنّ أسيرات المقاومة مشمولات أساسا بامتيازات "تمكين المرأة"، حسب المحفوظات إياها؟!

 

هكذا تَلازَمَ هدم مقومات المجتمع الأهلي الفلسطيني مع بناء مجتمع مدني اعتمادي على الخارج، الغربي أساسا، الذي بات قادرا على التحكم الناعم بالأولويات وصرفها نحو الشؤون الاجتماعية لا السياسية، وصوب حقوق المرأة في الأسرة وليس حقوقها في التحرر والاستقلال، والتركيز على حرية الفرد في الانعتاق عن مجتمعه وليس حرية الشعب في التخلص من الاحتلال. والمفارقة أنّ من باشروا تثقيف المجتمع على المحفوظات الجديدة خاض بعضهم تجارب نضالية ضد الاحتلال من قبل، إلى جانب صاعدين جدد وصاعدات، من أذكياء المجتمع ومتعلمي اللغات الذين حجبتهم المنظمات غير الحكومية عن الانخراط في الانتفاضة والمقاومة بأشكالها المتعددة.


تمّ تصريف نخبة فلسطينية صاعدة وواعدة وتركيزها في طبقة اعتمادية على مانحين خارجيين، وحظيت هذه النخبة ببروتين أكثر وبنضارة وجه، وتمتّع أطفالها بألواح شوكولاتة لم يجدها بعض أقرانهم أساسا. سعى بعض المانحين إلى استعمال سلطتهم الناعمة بأساليب خشنة أحياناً، مثل هيئة المعونة الأمريكية "يو إس إيد" التي أخذت بعد "انتفاضة الأقصى" التي اندلعت سنة 2000 تضغط وفق معادلة نبذ المقاومة شرط الحصول على الدعم.

 

كل ما جرى لا يحجب نهوض هذه المنظمات بأدوار مهمة ومتعددة المستويات في دعم المجتمع الفلسطيني وتوثيق انتهاكات الاحتلال والترافع ضد جيشه ومؤسساته حول العالم؛ لكنها حوصرت بشروط الزمن الجديد دون منحها فرص الاعتماد على مجتمعها والاستناد إلى أمتها، مع تضييق منافذ التمويل الحرّ والمستقل.

 

التطور والاحتواء
مع اختلالات المفهوم المضطرب وإسقاطاته المتحيزة التي أضعفت التقدير للمجتمع الأهلي واستبطنت نزعات أيديولوجية؛ هيْمنت نماذج ثقافية غربية المنشأ ذات منحى نمطي في الأشكال والممارسات والتعبيرات

لم تنشأ الحالة من فراغ، فالمنظمات غير الحكومية عبر العالم شهدت تطورات كبرى أساسا منذ مطلع التسعينيات، على صعيد المفهوم والخطاب والأدوار. أصبحت عابرة للمكان ومتجاوزة للجغرافيا مع آفاق واعدة، حتى تحدث بعضهم عن "المجتمع المدني العالمي" وإن غاب التكافؤ عنه لصالح عناوين غربية. ثم أتاح الزمن التواصلي الجديد آفاق التشبيك وأطلق مخزونات تفاعلية مع الجمهور، رافقتها تطورات كمية وكيفية في الأشكال والمجالات والتخصصات والأداء.

 

ومع تنامي الاعتراف بدور المجتمع المدني ومنظماته هذه؛ وقع الإلحاح الدولي على الشراكة بين "القطاع الثالث" هذا والقطاعيْن الحكومي والخاص (الرأسمالي)، قيل إنّ الحكومات وحدها عاجزة عن الاستجابة لتحديات الواقع، وهي وصفة أتاحت تنصّل الأنظمة المتقاعسة من مسؤوليات أساسية نحو شعوبها؛ بذريعة أنّ "المجتمع المدني يقوم بأدوار رائعة".

 

عبر شراكات التمويل المقررة انفتحت بوابة الفرص الهائلة على المنظمات غير الحكومية؛ خاصة من جانب الدول الغربية عموما والأمم المتحدة ومنظومة "بريتون وودز". لكنها البوابة ذاتها التي فتحت شهية الاحتواء الناعم أيضاً، فالمانحون هَيْمنوا بقدراتهم التمويلية على أولويات "القطاع الثالث" الذي صار مرتهنا بأقدار متفاوتة لأولويات المانحين وتوجهاتهم. كما اتجهت الحكومات والأحزاب وأجهزة الاستخبارات عبر القارات إلى إنشاء روافد نشطة لها في المجتمع المدني تعمل بشكل "حرّ ومستقل" كما يأتي في بلاغاتها. أما شركات القطاع الخاص فأغدقت العطايا على المجتمع المدني بمقتضى "المسؤولية الاجتماعية"، فانتفخت منظمات تخدم أولويات الشركات والاهتمامات الرأسمالية عموما، وأصدر بعضها تقارير "محايدة" استهدفت الترويج الذكي لمصالح بعض الشركات؛ كما فعل لوبي التبغ الأمريكي ولوبي السيارات الأمريكية والألمانية، مثلا.

 

لم يكن "القطاع الثالث" مساحة حياد إذن، بل تناوشتْه تجاذباتٌ وتأثيراتٌ من القطاعيْن الحكومي والخاص، وبدت مساعي الاحتواء هذه أيسر منالا لمّا تنزّلت في دول نامية وفقيرة؛ بما فيها أرجاء من العالم العربي. بدأت معضلات الحالة مع المفهوم ذاته الذي شابته تحيّزات التنظير. فمفهوم هذا "المجتمع المدني" عموما والمنظمات غير الحكومية خصوصا أُخضِع لتلاعبات أيديولوجية مال بعضها إلى استبعاد الجمعيات الأهلية التقليدية والمنظمات ذات المشارب الدينية مثلا، واستنتج بعضهم أنّ المنظمة لا تكون غير حكومية إن لم تستند إلى مانح دولي، أو غربي بالأحرى، أو لم يتحدث مسؤولوها الإنجليزية أو الفرنسية بالطبع.

 

أوْرَثت النزعة الاعتمادية على المانحين الخارجيين ضعفاً في الالتصاق بالمجتمع، وجاء هذا إيذانا بنشوء طبقة المنظمات غير الحكومية

ليس خافياً أنّ بعض التصوّرات الرائجة في سوق "المجتمع المدني" العربي تستبعد الجمعيات الأهلية وتُقصي اللجان المحلية وقد تتنكّر لجهود المجتمع الذاتية، وجرى التذرّع بمفاهيم وتأويلات منصوص عليها أحيانا أو الانطلاق من تصوّرات انطباعية رائجة تنزع التقدير عن الخبرة المحلية العريقة التي اختطتها مجتمعات العرب والمسلمين والأفارقة والآسيويين عبر قرون؛ بما فيها تجارب الأوقاف المتنوعة والمذهلة مثلا التي ناهز بعضها مرافق الدولة الحديثة.

 

مع اختلالات المفهوم المضطرب وإسقاطاته المتحيزة التي أضعفت التقدير للمجتمع الأهلي واستبطنت نزعات أيديولوجية؛ هيْمنت نماذج ثقافية غربية المنشأ ذات منحى نمطي في الأشكال والممارسات والتعبيرات؛ بما تجاهل إرث الأمم وخبرات الشعوب وانطوى على نزعة مركزية غربية. شجّعت الحالة بزوغ نماذج نمطية من ناشطي المجتمع المدني الذين يتوجّهون إلى "مخاطبة العالم" ويزهدون بمجتمعاتهم، وصار بعضهم يتحدّث ويتصرّف ويعيش وفق نمط محدد، وتنازل آخرون عن أزيائهم المحلية لتقمّص نموذج معياري متكلّف؛ لم يكن مطلوبا منهم في الأساس. وبينما ضمر المجتمع المدني التقليدي في بعض البيئات تحت وطأة هذا التحوّل؛ فإنّ التشكيلات المحلية الاعتمادية على المانحين الغربيين انزلقت إلى التماثل مع أرباب الصنعة، فاعتمدت خطابا مُعَوْلما لم يكن مفهوما في مجتمعاتها أحياناً. وبرز تنازع الأولويات المتفاقم بين اهتمامات المانحين واحتياجات الشعوب الملحّة.

 

أوْرَثت النزعة الاعتمادية على المانحين الخارجيين ضعفاً في الالتصاق بالمجتمع، وجاء هذا إيذانا بنشوء طبقة المنظمات غير الحكومية. وإذ تباهت الدول المانحة بما تقدمه لشعوب "مستفيدة" تحت بنود مثل "التعاون الإنمائي"، فإنّ ما جرى على وجه الدقة هو دعم منظمات المجتمع المدني المرغوب بها فقط بديلاً عن مسؤولية دعم المجتمع "المستفيد" ككل. تم ذلك بينما استعرت مطاردات معولَمة لمنظمات مجتمع مدني غير مرغوب بها، بما أدخل وفرة من الجمعيات الخيرية والاجتماعية والثقافية العربية والإسلامية في تصنيفات حرجة وابتلاءات متلاحقة.

 

لم تتردد "الدبلوماسية الشعبية" لبعض الدول المانحة في استعمال صنابيرها المفتوحة بحسبان على منظمات غير حكومية معيّنة، صُنِعت على عينها، وكان هذا "العطاء" دعاية ملائمة للتعمية على ممارسات استغلالية ولإعفاء ذاتها من التزامات نحو أمم الأرض. انتفخت منظمات جيدة التمويل، بينما انهارت "الأهداف الإنمائية للألفية" التي قررها العالم في أول جمعية عامة للأمم المتحدة التأمت هذا القرن. فمع انتهاء أمد هذه الأهداف، المحدد سنة 2015، تحقّق الجميع أخيرا من أنّ العالم بدوله "المانحة" و"المستفيدة" لم يفلح في الوفاء بالتزاماته الإنمائية الكبرى، وتقاعس بشكل مذهل عن احتواء الفقر والجهل والمرض والظواهر المقيتة. لم تنته الحكاية بالطبع، فالتقارير المصوّرة ما زالت تتدفق، وهي تتحدث عن منظمات غير حكومية تعمل بشكل دؤوب في خدمة النسخة المعدلة من الأهداف الإنمائية؛ بانتظار عقد آخر من الإخفاقات المرتقبة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة