أحلام مصطفى
أحلام مصطفى
1.3 k

لنُرَدِّدّ معاً.. الحبّ وحده لا يكفي

15/3/2018

كتبت في مدونة سابقة تحت عنوان "هل تعرف كيف تحب؟" حديثاً عن الطريقة التي أراها أكثر ملاءمة للتعامل مع فكرة طلب الحب، وقلت حينها أن الحبّ لا يأتي إلا بتركه. عندما نتوقف عن الهوس به وننشغل بصنعه من حولنا وبعطائه للغير، عندها يأتينا الحبّ من حيث لا نعرف ولا نحتسب. والحقّ أنني أرى في حديثنا عن الحب بالصورة التي أراها أمراً أصبح يثير الغثيان لا الإعجاب أو الراحة النفسية. أعربت كثيراً عن انزعاجي من رواج المنشورات التي تتحدث عن الحب وكيف يكون الحب حقيقياً وكيف ينبغي أن يظهر وتتابع القصص عن تضحيات هذا أو تلك والتي أشك أن يكون غالبيتها ملفقاً لغرض جذب الانتباه والاحساس بالأهمية لما تتلقاه من عدد إعجابات من أفراد يفتقرون بوضوح إلى العاطفة.

 

فقيل لي: ولكن ألا تؤمنين بأهمية الحبّ في العلاقة بين طرفين؟ ولا أعرف لماذا لا يمكننا أن نفكر في العلاقة بين طرفين في صورة أخرى، لا تتمحور حول مفهوم الحبّ الغرامي ولا ترتكز عليه لتقوم وتزدهر. إن الحديث عن إعادة النظر والتقييم لا تعني بأي حال إلغاء هذا الجانب، ولكن أعتقد أننا كما نفعل دائماً نعتبر أن أي حديث عن الجزئي يؤدي إلى رفض الكليّ. أي أننا إن طلبنا أن نعيد النظر في مركزية الحبّ فنحن بطبيعة الحال نقول بأنه غير مهم، وليس هذا أبداً الاستنتاج المنطقي في هذه الحالة. لذلك سأسترسل قليلاً في هذا الجانب.


نحن كبشر كائنات اجتماعية نبحث عن الاهتمام، لذلك كان الكبر رأس الذنوب، نحب أن نحس بوجودنا وكينونتنا وأن تسير الأمور كما نشتهي، فإن لم يحصل ذلك قلنا إن هناك مشكلة في الشخص أمامنا لأنه لا يمنحنا ما نريد، لا ما نستحق وهناك فرق كبير بين الاثنين. سبب انزعاجي من التركيز المبالغ فيه حول قضية الحب والهيام هو بعدها عن الواقع تماماً، فلا تبنى البيوت على الحب وحده ولا تتزاوج الأرواح بالحب فقط، والتفريق الثاني الذي نحتاج أن ننتبه إليه هو بين الحب والشهوة.. فليس كل انجذاب جسدي دليل محبة.. ولا تدوم المحبة على ذلك وحده كما يريد كثير من المتلاعبين بالدين أن يبينوا وكأن الزواج لاجم الشهوات وغرضه الأساسي هو كبت الرغبة..

 

الهدف من المزاوجة بين الأرواح ليس هدفاً دنيوياً بالأساس ولكنه هدف أخروي، الأسرة التي تبنى هي جزء من مجتمع كبير والمبدأ الذي تبنى عليه يجب أن يعتبر كونها طرفاً في هذا المجموع

أعرف وتعرفون الكثيرين ممن عاشوا قصص الحب العظيمة وبدت عليهم مظاهر العاطفة الجياشة، من كلام معسول، وتلاطف، وتعبير صريح ومبطن عن كل ما يكنه القلب وخلافه مما يلحظه الناس وتراه أعينهم. تمر الأيام فتجد الحال قد انقلبت وتغير الأمر وبات الحب بغضاً ونفوراً. البعض يقول لم يكن حباً، وآخرون يبررون ذلك بأن القلوب تتقلب بالإيمان فكيف بالحب.. وذلك حق. لا تدوم البيوت عامرة بالحب وحده.. القبول والحب والعاطفة والتوافق وخلاف ذلك مما يعد بذرة أي مشروع طويل الأمد لا تساوي شيئاً بلا ترتيب وتدبير وتربية نفس.. فكما قال أحدهم ليس الأمر قسمة ونصيب بل تدبير وترتيب.

 

المشكلة أن الحب تحول لمطلب في ذاته وغاية تحقق الرضى عن النفس نحن نريد أن نحس بأننا محبوبون مرغوبون، لذلك تجد كثيراً ممن يبدأ علاقة برغبة من هذا النوع فور أن يجد البديل الذي يمنحه إحساساً بالرضا أو الأنا المكتفية يتخلص فوراً من علاقات الحب ابتداءً بالصداقات وانتهاءً بالزواج. فأي حب هذا الذي يستمر وهو قائم في الأساس على مبدأ الأنانية.

 

إن الهدف من المزاوجة بين الأرواح ليس هدفاً دنيوياً بالأساس ولكنه هدف أخروي، الأسرة التي تبنى هي جزء من مجتمع كبير والمبدأ الذي تبنى عليه يجب أن يعتبر كونها طرفاً في هذا المجموع، وليست وحدة منفصلة عنه. عندما تبحث عن رفقة تقضي بصحبها وقتاً لطيفاً وتخرج وتعيش الحياة "بانبساط" فلا تتحدث عن زواج ولا تشتكي من ركود وخمول في علاقة. أي علاقة تشاركية يجب أن يكون لها هدف يتشاركه الأفراد يحسون به أن وحدتهم هذه ذات معنى وهذا ما يدفعهم لبذل المجهود وتربية النفس والسعي للحفاظ عليها لأنها عملية تراكمية طويلة المدى.

 

عندما قلت إن الناس انشغلوا بالحب عن خالق الحب قصدت بذلك أن الناس انشغلوا بالحب حتى أصبح هدفهاً وليس جزءاً من منظومة متكاملة، وخالق الحب هو الشاهد عليه الحافظ له فكيف تدوم علاقة لا تراعي الله ولا تحفظ عهده، وليس الأمر بالصلاة والصوم، ولكن بمراعاة حقوق الطرفين، والتراحم بينهم، والإخلاص في تأدية واجبات كل طرف، وتزكية النفس من كل غل أو ضغينة وغير ذلك الكثير مما لا يلتفلت إليه الناس.. فيقول كل منهما هذا أنا وهذا طبعي ولن أغيره. ويكون الحديث عن مزاج سيء أو عصبية بغيضة، أو إسراف غير مبرر، أو أولويات غير مرتبة. عندها ليس للأمر علاقة بالحب بل باتخاذ القرار. قرار أنني سأبذل المجهود اللازم حتى أوفي باستحقاقات الطرف الآخر من هذه العلاقة كما أطالب بما لي فيها.. ثم نتجمل معاً بغض الطرف والتراحم في التقصير الهامشي والزلل غير المتعمد.

 

تجاوز الأنا والوعي بحقيقة المشاركة وتحديد الهدف من العلاقة هو ما تفتقده غالباً العلاقات التي تفشل فشلاً ذريعاً

مواقع التواصل
 

كثيراً ما تمرّ بنا نماذج أزواج تسترعي الإعجاب، وخصوصاً مع انفتاح الناس على مشاركة تفاصيل حياتهم، أستمع إلى تعليقات البعض أو أقرأ ردود أفعالهم وكلها تتحدث وكأن هذه العلاقة التي أمامهم هي نتيجة سحر ساحر! أو وكأنهما استيقظا في يوم ما فتصادف أن التقيا ثم بدأ كل شيء هكذا مثل البينج بانج! وأكون أنا على علم بما مرّ به الطرفان من مصاعب ومن مشاكل ومن ظروف قاهرة، أغلب من يتمنون علاقتهم لم يكونوا ليصمدوا أمامها عشر دقائق دون أن يبدؤوا في تبادل الملام والإهانات.

 

وليست الفكرة أن الحب موجود هنا ومفقود هناك، ولكن الموجود هو الالتزام وتجاوز الأنا والوعي بحقيقة المشاركة وتحديد الهدف من العلاقة، وهو ما تفتقده غالباً العلاقات التي تفشل فشلاً ذريعاً بعد انطفاء جذوة الحب الأولى وانقضاء الشهوة. وليس الهدف المشترك هو تغيير العالم كما يعتقد البعض! بل هو ببساطة أن يتفقا على بناء شراكة حقيقية، عائلة سليمة، وتربية أبناء صالحين.

 

هناك معادلة اختل طرفاها.. وينبغي أن يعاد لها التوازن.. عندما نسمع: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ".. لا يتبادر إلى الذهن أن أولى الناس بتحقيق ذلك هم الأزواج أو الأحباء وكأن الحب والزواج لا تحتاج إلى مجهود ولا إلى عمل.. ولو كان الأمر كذلك لما كانت سنة الزواج الأولى هي الأصعب ولا كانت غالبية حالات الطلاق حصلت في الخمس سنوات الأولى من الزواج. وليس أفضل من أن نتذكر دائماً: "وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً"... وليس كل محب رحيماً.. ولا كل عاشق ودوداً.. بل من المحبين من يؤذي من يحب.. ومن العشاق من يضن بمحبته ولا يبديها لمن يحب لا قولاً ولا فعلاً.. فما جدواها؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة