الحياة مملة.. وكذلك الموت أيضاً!

20/3/2018

لا هروب من الملل، فهو قدر الإنسان الأبدي، السرمدي الذي لا نهاية له وأي شيء يفعله الإنسان أو خطة يرسمها أو طريق يسلكه، هو فقط من أجل مواجهة الملل والتغلب عليه سواء كان هذا بشكل واعٍ أو غير واعٍ. قديما كنت أظن أن سلوك الإنسان دافعه هو البحث عن السعادة، لكن نظرة فاحصة لما حولك أو داخلك ستكشف لك أن البحث عن مخرج من ملل الحياة هي غريزة أكبر من البحث عن السعادة.

 

فكثيرون يقدمون على أشياء قد تسبب لهم الشقاء أو الموت، ورغم ذلك تجد في سلوكهم إصرار عليها، لماذا؟ غالبا أنهم يريدون كسر حالة الملل والجمود من نمط حياة يعيشونها، حتى بعض من رأيتهم يتحولون ناحية إيمان أو توبة، جزء منهم تجده يهرب من حالة ملل لناحية نمط آخر من الحياة، حتى التي تمتلئ حياتهم بكافة أسباب الرفاهية والترفيه، ينتحرون هربا من الملل، أو يهاجرون لبلدان أو أماكن أخرى أقل رفاهية وأكثر اضطرابا أو مشكلات، هربا من الملل.

 

إذن فكيف يكون الموت ممل أيضا؟!

الموت ملل لأنك ما تعلمه عنه تعلمه بحواسك ومهما قيل لك أن ما بعد الموت "كمؤمن" هو شيء له حواسه الخاصة، فأنت لا تستطيع أن تهرب كثيرا من التفكير بحواسك الآنية، ومن هذا المنطلق، فإنك تجد نفسك أمام حياة أبدية، بنمط واحد لا يتغير ولا متوقع فيها أي نوع من التنوع أو الاختلاف أو النهاية أو التغيير، سواء كانت نعيم أم عذاب، ففي النهاية أنت أمام حياة سرمدية أبدية، لا نهاية لها، وهو أمر بالغ الملل، بمعيار تفكير وحواس الحاضر التي لا تستطيع تجاهلها كثيرا.

 

غالبا من الممكن أن تبدأ الحياة بالحب لكن لا يمكن لها أن تستمر دون "العشرة"، العشرة هي من تجعلك تتحمل تكاليف الملل، العشرة هي الاعتياد على مواجهة المشاكل مع شريك حياتك

أما إن كنت "غير مؤمن" فأنت لم تهرب من الملل، فالموت يعني الفناء بلا جدوى أو سبب للوجود أصلا، فشعورك بأنك "لا شيء" وأن تحملك للملل في الدنيا أو عدم قدرتك على مواجهته في مقابل "اللامعنى" بعد ذلك هو "شعور ممل" في حد ذاته، وأنك ستذهب بلا ثمن يجعل وجودك في الحياة نفسها ممل أيضا. الملل ليس مرتبط بالراحة أو الشقاء أو الإيمان من عدمه، الملل هو قدر الإنسان الأبدي وعذابه الذي يهرب منه دائما.

 

عذاب الملل!

ولو سألتني عن السر في عذاب السجن أو الحبس الانفرادي داخله، سأقول لك "الملل" سر هذا العذاب، فسلبك لحريتك يعني أن فرصك في تغيير ما أنت عليه أو مواجهة الرتابة والروتين شبه معدومة، وبالتالي التغلب على الملل فرصه أضعف بكثير، وهذا أكبر الأشياء تدميرا للنفس.

 

لهذا ففيلم " الخلاص من شاونشنك - The Shawshank Redemption" هو فيلمي المفضل على الإطلاق، لأن محوره هو الأمل في الهروب من السجن والتخلص من "الملل" ومواجهته خلال المدة التي قضاها بطل الفيلم بين دخوله وتخطيطه للهروب، الأمل والصبر في مواجهة الملل، وهما اللذان فقدهما الرجل العجوز الذي غادر السجن فلم يتحمل أن يخرج من "السيستم/النظام" الذي أنشأ سجنا خاص به داخله يحمله معه أينما ذهب، فأنتحر لأن الحياة بالنسبة له باتت هي الجحيم، لأنه اعتاد الملل.

 

هكذا حال موظفي الحكومة والبيروقراطية المصرية، اعتادوا الملل، فحبسهم داخله وباتوا يهربون من أي تغيير كعجوز الفيلم لأن التغيير بالنسبة لهم هو "الجحيم"، فإذا كان الإنسان بشكل عام حتى المتحرر من قيد الوظيفة قدره الملل، فما بالك بموظف في غابة البيروقراطية المصرية، كيف سيكون حاله، شخصيا أعتقد أن كثير منهم باتوا موتى منذ زمن بعيد ويتعاملون كأشباح مع بقية المواطنين ويرغبون في أن يذوقوا مثلهم عذاب الملل.

 

أنت تتزوج للهروب من الملل، ثم تنجب ليكون في حياتك "أولاد يملوا عليك حياتك" هربا من الملل وتواجه التحديات والمشكلات اليومية لتعطي لحياتك "نكهة"

مواقع التواصل
 

حتى في الحياة الاجتماعية، فحين يقول أحدهم لحبيبته أو خطيبته "مش حشبع منك طول العمر"، فإنه بلا شك يجاملها أو يغازلها، فمن أين تأتي مشكلات "أزمة منتصف العمر"، لا شيء سوى الملل، هذا هو جوهر هذه الأزمة التي تواجه الكافة، وأعتقد أنه لولا تفاصيل الحياة وعدم قدرة الإنسان على مواجهة بؤسها بمفرده لما استمر غالبية من رددوا الجملة - أعلاه - في حياتهم، غالبا من الممكن أن تبدأ الحياة بالحب لكن لا يمكن لها أن تستمر دون "العشرة"، العشرة هي من تجعلك تتحمل تكاليف الملل، العشرة هي الاعتياد على مواجهة المشاكل مع شريك يتحمل معك "التكاليف الباهظة لاستمرار الحياة ومواجهة بؤسها".

 

فأنت تتزوج للهروب من الملل، ثم تنجب ليكون في حياتك "أولاد يملوا عليك حياتك" هربا من الملل، ثم يكون مواجهة التحديات والمشكلات اليومية هي من يعطي لحياتك "نكهة" لمواجهة الملل، ثم تمل، فترغب في التغيير فتأتي على أفعال وتصرفات تدفع الناس ليصبوا عليك الغضب صبا، فإما أن تواجههم ويكون هذا جزء من كسر حالة الملل، وإما أن تتجول إلى "زومبي" كموظفي الحكومة المصرية، وتبدأ التفنن في محاصرتهم بالتعليمات والتعليقات "وتقرفهم في عيشتهم" حتى يتجرعوا ما تشعر به من ملل. لذا فخلاصة القول، الحياة مملة وكذلك الموت، والملل هو قدر الإنسان الذي يهرب منه إليه، فتعايشوا واعتادوا على ذلك، فالملل قدرنا لحين تملكنا حواس أخرى نحكم بها على ما بعد الموت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة