حسام الدين السنوسي
حسام الدين السنوسي
987

تحت ظل آية (6)

21/3/2018



"وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" 

"منعُ العون والماعون هو منع الخير والمعروف والبّر عن الناس"

- التفسير الوسيط للطنطاوي

 

من النّاس أقوامٌ يحسبونَ أنّهم أحبّاء الله وخاصّته وشعبه المختار والفرقة النّقية النّاجية التي خُصَّت بالهدايةِ والنجاة، وأنّ الدين والإيمانَ أحجارٌ كريمةٌ قُذِفت في صدورِهم دونَ غيرِهم ثمّ كان عليهم الانعزالُ والتقوقع على أنفسهم لحفظها من الاختلاط والاحتكاك خشية الصدأ أو الضياع، ثمّ الثبات على ذلك حتى تقومَ الساعة. ويكأنّ الدينَ لم ينزل لقيادةِ سفينة الحياة، ولم يأت رحمةً للعالمينَ جميعا، ولم يكن شريعةً قامت على أسسها حضارةٌ أسرَ إشعاعُها البشريةَ جمعاء، وأنّ الله لم يأمر أنبياءَه بالجهر والقيام والسعي الحثيث - "قُمْ فَأَنذِرْ".. "اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ" -، وأنّ الإيمانَ قولٌ فحسب وليسَ عقداً يبرمه القلب ويعلنه العمل.

 

فكانوا بفهمهم العليل ذاك كهوفاً منعزلةً عن حياةِ الناس تلبّسَت أجساداً بشرية تمشي بينهم، يبخلون على مجتمعاتهم بالنزول إلى خندقِ الحفر ومدِّ يد العون وبذلِ الماعون والمساهمةِ في الإنتاج، يحسبون جاهلين بأنّهم قد نهضوا بكل ما أمرُوا به، أن يكونوا مؤمنين..!

 

انظُر كيف يستدل الله بالشّح والبخل والمنع على وجودِ التكذيب، فإذا لم يكن تكذيبَ جحودٍ بحقائقِ الدّين، كان تكذيبَ جهلٍ به وعجزٍ عن إدراكِ رسالتِه ومقاصدهِ الحقيقية

وما ذلك والله بالإيمان الذي يريده الدين، فليسَ الدين كلمةً تقال لا تتبعها خطوات قلبية تترجَم إلى أعمال، وليسَ ركعاتٍ وسجدات لا تدعو للطهارةِ والانضباط والاستقامة، وليس انقطاعاً عن الأكلِ والشرب لا يُورث صاحبه تسليماً ورفقاً وشفقةً على المحتاج، وليس سفراً بعيداً لا يُعلم الصبرَ وبذل الجهد واقتحامَ العقبات، وأنّ أكرمَ الناس عند الله أتقاهم، عُلوي الانتسابِ والانتماء لا شرقيُه ولا غربيُه، يفضُل غيرَه بأعمالهِ وما وقرَ في صدره لا بأموالِه وما حواهُ رصيده.

 

فالعبادة في ديننا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإضافة والإنتاج، يفرزها إيمانٌ معادٍ للبطالةِ والفراغ متغلغل في جميع مناحي حياة المؤمن، يعتمل بداخلهِ حافزا وباعثا على الحركة والبذل ودافعا نحو التشييد ورفع الأسس، فالإسلام عندما طلعَ بدره على يثرِب لم يكتف بتأسيس المسجد وحدَه، بل جعلها مدينةً وصاغَ لها ميثاقَ مواطَنَةٍ يبيّنُ الحقوق والواجبات، وأسّسَ فيها سوقَا للتجارة والاقتصاد، وآخى بين المؤمنين في نظامٍ اجتماعي تكافلي مُحكَم يتشارك الهّم ويوزّع المهام، يجمعُ في انسجامٍ بديع بينَ "أرحنا بِها يا بلال" و "دُلّني على السّوق".

 

ليسَ غريبا إذن أن تبدأ السورة ببيان خصالِ المكذّبين بالدين وتنتهي بمانعي الماعون، فانظُر كيف يستدل الله بالشّح والبخل والمنع على وجودِ التكذيب، فإذا لم يكن تكذيبَ جحودٍ بحقائقِ الدّين، كان تكذيبَ جهلٍ به وعجزٍ عن إدراكِ رسالتِه ومقاصدهِ الحقيقية، ما يؤدي إلى الدعّ، وعدمِ الحضّ على الإطعام، ومنعِ المنفعة والماعونِ عن الناس.

 

والماعون عند جمهور المفسّرين ينطلقُ مما يتعاطاه الناس بينهم عادةً، مِن الفأس والقِدر والدلو والماء والنار والملح، التي يقابلها في عصرنا الآلة والتوصيلَة والقلم ووحدات الاتّصال وغير ذلك، وصولاً إلى مغزاه الشامل المتمثل في المعونةِ بشتّى أشكالِها، خاصةً تلك التي لا يضرّ بالواحد بذلُها والنزولُ عنها، فإذا بخل بها كيفَ يجودُ بأكثرَ منها، فمنعُ هذا اليسير الهيّنِ على النفسِ بذلُه دليلٌ على رسوخِ الشّح في نفسِه، وكيفَ يكونُ الشحّ بالقليلِ من الجهدِ أو المال أو الوقت خصلةً فيمن يزعم الانتسابَ لدينٍ أساسه (إنّا لله) يبيعُ فيه المؤمن نفسه ووقته وماله كلّه لله!، فمِن هذا الباب كان منعُ الماعون صفةً من صفاتِ الذين غابت عنهم حقيقة الدين.

 

فكما أنّ أحسنَ النّاس في الدين أنفعهم للناس، فشرّهم أضرّهم بهم وأكثرهم شحّاً عليهم بالعطاء ومنعا للمعونة ومدِّ يد المساعدة "وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، وقد ترى أنّ هذا المقياس المهم جداً إنما يُلاحَظُ ويُراقَبُ في تعاملِ الناس مع بعضهِم البعض، ولولا قيمة ذلك التعاملِ ومحوريتِه في منظومةِ الإيمان لما سُلِّط عليه كلّ هذا التركيز والربط المباشر بعَصَبِ الدين، حتى أنّ التقصيرَ فيه رُبِطَ في ذاتِ السياق مع السهو في الصلاة وهي عِمادُ الدين.

 

والبرهانُ على ذلك بالتراجُع، أنّ مانعَ الماعون المُعطّلَ للشقِّ الاجتماعي الموكَلِ إليه، القاعدَ عن القيام بواجبه نحوَ البشرية من عطاءٍ ومنفعة وبِناء، إنّما هو ساهٍ عن حقيقَة الصلاة، لم يُقِمها أبدا وإن قامَ بأدائها طيلَة حياتِه. فلو كان يصلي الصلاة على حقيقتِها لكانَ من آثارِها المباشرة على نفسِه أن ينهضَ من فورِه للقيام بالواجب الاجتماعي والحضاري لهذا الدين، فسهوهُ عنها في كونِه لم يُقِمها، ولو أنّه أقامَها لقوّمته، ولو قوّمتهُ لأدركَ الصّورة الكبرى للدّين ثم استقامَ على مرادِ الله منه، "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ".

 

حتى أنّ الويلَ الذي يقع على الكسالى عند قيامهم إلى الصلاة، والمرائين إذا قاموا فيها، يشملُ أولئك الذين لم يدركوا عبرها طبيعَةَ هذا الدين وشموليتَه، وربطه بينَ التزام الفرد بعبادات الشعائر، وبينَ التزامِه بعبادَات التعمير والبناء بمعيّة الجماعة. ربطٌ لا يقتصرُ على الصلاة وحدها بل يتجاوزها إلى باقي أركانِ الإسلام، فانظُر إلى الزكاة مثلا، لا تكادُ تذكر الصلاة في كتاب الله إلا وذُكِرَت معها لصيقةً بها متممّة لمعناها، الذي يدفع دائما إلى العملية والفاعلية وأن يتحوّل الإيمان إلى طاقَةٍ إيجابية تنعكسُ على المجتمَع، رغبةً في السمّو به وتحقيق نهضَتِه.

 

فحتى لو لاحظتَ الزكاة بمنظورٍ محايدٍ غير إسلامي وعاملتَها كأسلوبٍ من أساليب الدين التي تعود عليه بالنفع في آخر المطاف، ستصطدم بأعظم وأهم آياتها التي يعدّد فيها الله تعالى طبيعةَ مُستحقيها، قال تعالى "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ".

 

فلو أنّك أخذتَ قلماً ودوّنتَ قائمة المستحقينَ الثمانية في ترتيبٍ عمودي، ثم عمدتَ إليه لتصنّفَ ما يمكن أن يعودَ بالنفع والفائدة والخدمة على الدين، فأشرتَ له بإشارة مميّزة، ثم أتيتَ على ما تبقّى ووضعتَ أمامهُ إشارةً أخرى، ثم رأيتَ نتيجةَ ذلك، لوجدتَ أن ثلاثةً فقط من هؤلاء يُحتمَل أن يعودَ الإحسان إليهم بالفائدة المباشرة على الدين كمؤسسة.

 

تستطيعُ بيسرِ شديد أن تعدّد انعكاسات الصيام الكثيرة على المجتمع وسعيه في تنظيم سلوكه وتقويمه، والدفع به نحو الجماعية والوحدة والتكافل

رويترز
 

فالعاملُ عليها موظّف خاضع للمنظومة تراد كفايته حتى لا تدفعه الحاجة للتنازل ونيل الهدايا والرشى أو التصرف فيما تحتَ يده من أموال الزكاة، والمؤلفة قلوبهم قوم حديثوا عهد بالإسلام يراد تثبيتهم عليه وإعانتهم على البقاء فيه، وما يصرَف في الجهاد قد يدرّ على الخزينة غنائم كثيرة تغطّي ما تم صرفُه قبل ذلك. ولكن الخمسةَ الأخرى وهي الغالب الأعمّ، إنما يؤمَرُ بالنظر في شؤونها والاعتناء بها وإعانتها لما يعود بذلك من منفعة على المجتمع بأكمله بشتّى أطيافه، حتى تلك التي لا تنتمي للدين، تشريعٌ لا يرادُ به جزاء ولا شكور ولا عوض قليل أو كثير من هؤلاء المستحقين، فلا الفقير ولا المسكين بالركن الشديد الذي يستقوي به كيان الدين ولا العبيد والرقاب التي يقوم بفكّها وتحريرها لتذهبَ في حال سبيلِها يشترطُ عليها تعويضٌ أو مقابِل، ولا الغارم المفلسُ الذي أرهقه الدّين فسدّدته المؤسسة عنه مطموعٌ فيه وفي نفعِه، ولا ابنُ السبيلِ الغريب الآتي من البلاد البعيدَة بالذي يمكنه السداد وردّ المنفعة، فذلك كلّه مأمورٌ به لذاته، فالمجتمع وتحصينه وتحقيق غاياته وتلبيته حاجياته، وإشاعة الفضيلة والإحسان فيه، وتمتين الروابط بين أفرادِه، رُكنٌ من أركان الدين. حتى أنّ الغارمَ الذي يستدينُ لعقدِ الصلح بين المتخاصمين يُعدّ من المُستحقين للزكاة، فيشجّع الدين بذلكَ أصحابَ المروءة على السعي في الإصلاح، وجمعِ ذات البين وعدم التردّد في ذلك أو العجز عنه لسببٍ مادي.

 

وليست عبادة الصّوم أو شعيرة الحج بالحِلّ عن هذا المقصدِ، وذلك الربطِ الدقيق بين العبادات والمجتمع، فتستطيعُ بيسرِ شديد أن تعدّد انعكاسات الصيام الكثيرة على المجتمع وسعيه في تنظيم سلوكه وتقويمه، والدفع به نحو الجماعية والوحدة والتكافل، وكذاك وأكثر تجده دقيقا في تفاصيل الحج، الذي ينعش التجارة ويعتبر من أنشط مواسمها عند المسلمين منذ القدم، فضلا عمّا رافقه عبر التاريخ من سفارات سياسية وتجديد للتحالفات وعقدٍ لأخرى، مع ما فيه من حركة وسيولةٍ تشغّل جميع فئات المجتمع. لكن ذلك كلّه يبقى أقلّ دلالةً على البعد الاجتماعي للعبادات، مِن الكفّارات في الصيام والنذور والإحرام وغير ذلك، عندما يشرّع الإسلام للمقصّر في هذه العبادة أو تلك كتعويضٍ لتقصيره أن يُطعم مسكينا أو يفكّ رقبةً أو يكسو فقيرا، حتى تصل أحيانا إلى إطعام ستين مسكينا.

 

مرورا بكفارة اليمين، "كَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ". فانظر كيفَ جُعِل الصيام آخر الاحتمالات، بينما سبقت الأخرى التي تعود بالنفع على الآخرين، فيتعدّى خيرها الفرد إلى غيره، بحيث يستفيد المجتمع وأفراده حتى من أخطاء بعضهم البعض. إذن فديننا شامل تبالغ تشريعاته في ربط الفرد بالجماعة، وحثّه على البذل والعطاء في سبيل المنفعة العامة، والصالح العام، وبالمحصّلة في سبيل تحقيق الاستخلاف والعمران، والأمةِ التي يتسرّب الدين إلى جميع أركانها قائدا لها في شتى اتجاهاتها، حتى يصبح تسبيحُ الذّكر والعبادةِ عندها شاملاً لصريرِ الأقلام في الإبداع، وصوتِ مُسنّنات الآلاتِ في التصنيع، ووقعِ الخُطى في سبل الإسراء وإقامة الحضارة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة