د. سيف عبد الفتاح
د. سيف عبد الفتاح
495

قائمة الفاشية.. يتحاكم لا يحكم (6)

24/3/2018
كما أكدنا مرارا وتكرارا فإن القوائم الأخرى التي تتعلق بالفاشية والفساد والفشل إنما تشكل مع تراكمها جرائم جنائية في حق العباد والبلاد، المواطن والوطن، فمن المهم أن نرصد كل ذلك لنؤكد على هذه الحقيقة؛ أن منظومة الانقلاب وعلى رأسها عبد الفتاح السيسي المنقلب تقوم بعملية تخريب منظم لكل مقدرات الوطن، وهي كلمة وردت على لسان المنقلب ربما بشكل عفوي حينما قال معلقا على مطالبة الشباب بالتغيير وعلى أشواق الشباب لثورة جديدة مستأنفة "أنها لن تنفع لهم ولن تنفع لغيرهم".
 
وربما هذا يشير إلى تلك الخطة الممنهجة التي تضاف إلى خطط الفرقة والفوضى فينضم إلى ذلك خطة التخريب المتعمد لمقدرات الوطن حتى يقيم جبلا من الأزمات المستقبلية التي تتراكم، على فرض أن نظاما جديدا قد يحكم وأن تغييرا كبيرا قد يحدث، ومن ثم فإن أخطر ما في الأمر هو ما يقوم به النظام في مصادرة أي عملية لتغيير أو إصلاح قادم، بحيث مع تراكم هذه الأزمات الهيكلية المزمنة يزهد هؤلاء الذين يطالبون بالتغيير أو يطمحون إلى قيادته فيؤدي ذلك إلى شلهم عن الحركة وإلى النظر إلى الثورة كعملية مستحيلة ينتج عنها نظام يترجم شعارات هذه الثورة ومطالبها وأهدافها.
 

ومن أهم تلك القوائم التي يجب أن نتوقف عندها ويقوم بها هذا النظام على نحو ممنهج لصناعة جمهورية الخوف وصناعة مؤسسات الظلم وتمكين كل سياسات الفاشية والمسالك البوليسية في إدارة البلاد، تحت عناوين كبرى أهمها الحفاظ على الدولة وتمكين الأمن والاستقرار، ومن المهم منذ البداية أن نؤكد أن هؤلاء الفاشيين المتسلطين لا يبتغون هذه الأشياء على الحقيقية " الدولة الأمن الاستقرار"، بل يجعلونها شعارات وغطاءات لإحكام منظومة الظلم والفاشية في المؤسسات والسياسات والعلاقات، بحيث تخرب المجتمع بأسره وبنياته وجملة علاقاته وشبكته الاجتماعية والمجتمعية.

 

صناعة الإرهاب "في مصر" إنما تتم وفق آلية تشريعية داخل تلك الدول المستبدة فتقدم ترسانة من القوانين تسهل عملية الاعتقال بالشبهة وتقدم كل ما يتعلق بسطوة الأجهزة الأمنية في التحقيق وإن شئت الدقة في عملية التلفيق

ليس عجيبا أن نرى ذلك العنوان عند ابن خلدون يصدع به ويجعله عنوانا لفصل في مقدمته العظيمة "الظلم مؤذن بخراب العمران"، ذلك أن سياسات الظلم والاستبداد تقوم على تخريب مجمل العمران معنى وقيم، مبنى ومؤسسات، كيانا وانسانا، تخرب ذلك جميعا مع سبق الإصرار والترصد وبدون هوادة حتى تجعل المجتمع والدولة في حالة عدم صلاحية لعمليات تغيير كبرى في المستقبل، كما أنها حينما تصنع مجتمع الكراهية مضافا إليه مجتمعات الخوف فإن ذلك يحدث جدارا سميكا لا يمكن أهل التغيير من القيام بأدوارهم، أو على الأقل إن لم تكن في مساحات الاستحالة تكون في إطار من الصعوبة التي تجعل عملية التغيير مكلفة زمانا ومكانا وموارد وإنسانا.

 

أول عناصر تلك القائمة التي تعد في هذا المقام إنما تتعلق بسلسلة التشريعات المصنعة للخوف والمطلقة ليد الاستبداد في ذات الوقت لكل بطش وطغيان، يبرر ذلك بهذه الثلاثية التي ذكرناها آنفا (الدولة - الأمن - الاستقرار)، مضافا إليها مسلكا آخر اجتمعت عليه دول المعمورة لصناعة الخوف في أرجائها رغم أنهم أول المساهمين في ذلك الصرح المتعلق بالإرهاب، فيجعلون من الإرهاب عدوا غير محدد يقومون بمواجهته في إطار مطالب من دول كبرى، وتقوم تلك النظم من خلال هذا الدعم الدولي بمقايضة خطيرة، متفق عليها، إنها أي الدول الغربية لا تلق بالا لحريات الشعوب ولا إرادتها ولا آمالها ومستقبلها، ولكنها فقط تهتم بتلك النظم القادرة على مواجهة ما تحدده هي من أنها أشكال الإرهاب ومصادر له.

 

صناعة الإرهاب إنما تتم وفق آلية تشريعية داخل تلك الدول المستبدة فتقدم ترسانة من القوانين تسهل عملية الاعتقال بالشبهة وتقدم كل ما يتعلق بسطوة الأجهزة الأمنية في التحقيق وإن شئت الدقة في عملية التلفيق، كذلك تمرر تلك القوانين المقيدة للحريات والمستهدفة للمعارضة، ولا بأس في هذا أن تقوم النظم الفاشية بالحديث والترويج لإضفاء صفة الإرهاب على تكوينات وحركات اجتماعية من صميم نسيج المجتمعات وتقدم من التشريعات ما يتعلق بقوائم الإرهاب وما تسميه بالكيانات الإرهابية كل ذلك يشك عربونا وبوابة مرور لتأمين نظم حكمهم وسياساتهم الفاشية.

 

أما العنصر الثاني: ملأ السجون بهؤلاء الذين ينكل بهم في سياق عمليات اعتقال واسعة، تهدف هذه الأفعال والسياسات في ذلك إلى تأمين هذه العصابة التي تقوم باختطاف الدولة الوطن لمصلحتها ومصلحة فئة قليلة تحاول أن تجعل من مصالحها مصالح عامة التي تشكل جوهر ما تسميه الحفاظ على الدولة وما هي كذلك، ولا شك أن ذلك من جملة صناعة الخوف في إطار سياسات للمطاردة الواسعة لكل من يقول "لا" للنظام أو لسياساته، ومن هنا فإن هذا النظام يجعل من خططه التوسع في بناء السجون وتوسيع رقعة مساحات الاحتجاز خارجها، وكذلك التخلص من بعض الخصوم بالتصفية الجسدية حتى لا يشغل مساحة في السجون، أي أن الأمر الذي يتعلق بالمطاردة والاعتقال ليس إلا عتبة لتلك السياسات للقيام بإعدامات خارج إطار القانون وداخل إطار القانون المصطنع والتلفيقات الكبرى التي تشكك وتنقض صروح مرفق العدالة وتجعله رهن إشارة المستبد.

 

لنا في إدارة انتخابات الرئاسة الهزلية مؤشرا وعبرة، تعكس صورة من هذه المجتمعات الفاشية ونظم الحكم البوليسية في إطار عملية تزوير كبرى

رويترز
 

العنصر الثالث: هو ما يتعلق بتشييد حالة العسكرة الشاملة في إطار تكريس لنظام عسكري فاشي ودولة بوليسية تدعي القيام بوظيفة أمنية وما هي كذلك، إن هم إلا حراس للمستبد وأدوات لبطشه طغيانه، ومن هنا يمكن النظر إلى التشريعات وإلى القضاء العسكري وإلى انفلات الأجهزة الشرطية وإطلاق يدها في التعامل مع المواطن عسفا وظلما بدءا من الترويع وحتى القتل والتصفية الجسدية من دون أي حساب وأي مسؤولية، وهو ما أكدته الدولة الفاشية ممثلة في منقلبها الأكبر حينما أكد أنه لن يحاسب أي من هؤلاء الذين يرتكبون من الأفعال التعسفية مع عموم الناس سواء من الجيش أو الشرطة، وبعد ذلك من اعتماد هذه السياسة في الإفراط في البطش فإنه يتحدث أن من يتقول على الجيش والشرطة يعد خائنا، إنها محاولة لترهيب كل المجتمع بكل مكوناته والتمكين لصناعة دولة فاشية تقوم على قاعدة علاقات السادة ( الجيش والشرطة ) والعبيد (الشعب والمجتمع).

 

العنصر الرابع: ذلك الأمر الذي يتعلق باغتصاب السياسية ومصادرة كل ما يتعلق بفضاءات المجال العام والمشاركة المجتمعية والسياسية، ومصادرة كل ذلك ليس فقط في أشكال التأمين السابقة التي كانت تقووم بها أنظمة وقيادات سابقة منذ الحكم العسكري ولكن انتقل ذلك إلى مساحات التجريم فصودر كل عمل يتعلق بفاعلية السياسة، ولنا في إدارة انتخابات الرئاسة الهزلية التي ستجرى بعد أيام مؤشرا وعبرة، تعكس صورة من هذه المجتمعات الفاشية ونظم الحكم البوليسية في إطار عملية تزوير كبرى من المنبع لتخرج في النهاية عملية انتخابية هزلية، يٌختار فيها من يترشح ضد المستبد الفاشي، بل أكثر من ذلك يقوم بالدعاية له، وأكثر منه يقوم باعتقال وتحديد إقامة كل المرشحين الفاعلين مهما كانت مكانتهم، فهو لا ينظر إلا إلى كرسي السلطة، معلنا وبشكل صريح وبدون مواربة "أن من يقترب من الكرسي سيطيح به من على وجه الأرض"، ثم تأتي بعد ذلك الإكراهات التي تتعلق بالدعاية الانتخابية والإلزام لكل الموظفين والعاملين فيها وكل أصحاب الأعمال أن ينوب عن المستبد الفاشي في الدعاية له، بل يقومون الآن بعمل خطط لشحن المصوتين إلى اللجان للتصويت الحشدي وكأنهم يساقون كالقطيع.

 

وعلى ذلك تكون هذه القائمة التي تتعلق بالفاشية والتي أشرنا فيها إلى مساحات أربع ليست إلا بعض المؤشرات في هذا المقام، وهي غيض من فيض فيما يتعلق بمنظومة فاشية بوليسية وعصابة اختطفت الوطن والمواطن، وقامت بكل ما من شأنه صناعة جمهورية الخوف، ثم بعد ذلك يقول المستبد وإعلام إفكه لكم مطلق الحرية فاختاروا ما شئتم، إنها الفاشية حينما تحكم وتتحكم والمستبد الفاشي حينما يقدم نفسه لولاية رئاسية ثانية في انتخابات عبثية ويطلب من خلال بطشه وطغيانه الاستمرار في سدة الحكم، وفي حقيقة الأمر إنه يقوم بتخريب المجتمعات والسياسات وتلك جرائم كبرى في حقوق الوطن المواطن.. "يتحاكم لا يحكم".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة