ماجدة بطار
ماجدة بطار
866

الحب.. كذبتنا الصادقة!

28/3/2018

بين شبيه يدل عليه وآخر يشبهه، يتأرجح ممتطيا صهوة التملك، مجانبا الحب في تجلياته، موقنا من سحر أثره على القلوب المنتشية حيرة بين يديه.. بين تعلق سافر في تفاصيل تلقائية نادرة وشوق متطلع إلى اكتشاف كنهه ومنتهاه، يتفنن "جنتلمان" المشاعر الإنسانية في استمالة أحاسيس متضاربة، تغرق الحواس في دوامة الشك في استحالة الوقوع في شركه، أو الغرق حد الثمالة في تيه غموضه المؤول بألف احتمال وتفسير..

 

عشق بكر أم تعود في مراحله المتقدمة؟ إدمان متواطئ مع الحب أم هيام متمرد على قواعد المنطق والمعقول؟ بين مد وجزر هواجس الأحاسيس، يمتلئ المتفرد بلذة الانتشاء بجنونه متبعا حدسه أو فراسته التي لم تخذله يوما، مستدلا في ذلك على مؤشرات يعتبرها ثابتة، جازما بقدرتها على إعطاء جواب شاف لتساؤلاته المحيرة عن حقيقة ما يكنه للطرف الآخر، وما يعتري أعماقه من إصرار على عدم الاعتراف بالسقوط المدوي في نديم بات أقرب إليه من نفسه، و أقدر على احتواء تقلبات مزاجه وحزنه الباذخ المفرط في الانتماء إلى سلام يؤمه، يلملم دمعات بوح طفولي يستنجد به كميناء آمن ترسو فيه الروح المبعثرة تنهداتها مستعيدة أنفاسها بلفحة نسائم الاهتمام والإصغاء عنوانهما: "أنا هنا من أجلك"!

 

يتخبط المتطلع لوقع نقر المحبة في قلبه، متشوقا لاحتضانها بين أضلعه، متلهفا للنضج المتمهل على يدي الاعتراف الطويل الأمد حتى آخر نفس في الكبرياء.. بين أرق وقلق متعاليين عن البوح بحقيقة الشعور، غصة الصمت تستجدي القرب ممن نكون بوجودهم على سجيتنا، نعترف لهم بما لا نستطيع تصديقه، ونخاف أن يضمر لنا ألما بحجم صدمة عشنا في وهمها واستهوتنا بعفويتها المفتقدة فينا، عاشت فينا لبرهة من الزمن، وغادرتنا دون سابق إعلام، فقط لأننا اكتفينا بتضميد الجراح وتجميلها دون التفكير في مصادقتها وتفهم عذر الأنين، ذاك الذي ينخر عباب بحار الصمت المدوية عبثا مغتالا لروح الفرح في فجر الأمل..

 

في عمق عتمة النسيان تنقشع شرارة الحب معلنة بداية محنة لا تضاهي سابقاتها، لكننا نريدها بمحض الإرادة والصدف نقبل عليها فقط لأنها خطيئتنا التائبة دوما، الطامعة أبدا في مصالحتنا رغم طعنات الخيبات وسرائر الإخفاقات..

لفرط الخذلان، غدت أحاسيسنا لحظية، لا حياة فيها، لا نشوة تغرينا بالمغامرة في خوض غمارها، ولا حاجة أبدا الى كسب رهان تحد محسوبة نتائجه منذ البداية لصالح خسارة الذات بامتياز.. أوجه الحب كثيرة، متقاربة في أعراض حماها، قد تشبهه في بعضه، وقد لا تحمل أيا من جيناته .كثيرا ما تنتزع الألفة صفاته، كلها أو جزءا منها، هي سليلته الناطقة باسمه، المنحدرة منه، المتنكرة له، الراغبة في وصله، الناشدة قربه، قد تصيب مهجته وتستقر بخاطره، أو تخطئ الوجهة وتنتهي رمادا متطايرا في ليلة اعتراف ماطرة، دما، دموعا وانكسارات..

 

صحيح أنها وصيفته الملازمة له، المزينة إياه في عيني المحب، لكنه متطلب ومزاجي، متمنع عن الانهزام، متوله بالمستحيل، عاشق للغموض، لا يغريه السهل البسيط، نرجسي حد التعالي عن المشاعر، يتنكر لها، فيرديها شهيدة الغربة، تماما كحب خارج التغطية ..! حين تضيع قسمات الحب، يغدو كل شيء قاسيا، مفرطا في الإهانة، لكأنه درع الوهم الخفي، إغراء الاحتياج إلى تجريب الإحساس به باستعجال القبض على جمره في غفلة منه، فنفتح الباب دون السؤال عن ماهية الطارق، نتلهف لملاقاته دونما التفكير فيما إذا كان كريما أم لصا خائنا في هيئة ملاك..!

 

الأجدر بنا أن نترك الباب مواربا والشاطر من يستأذن الدخول بالتماس العذر لتراكمات الماضي الجاثمة على أنفاس الانعتاق من براثن الامتناع عن تكرار التجربة كيفما كانت نتائجها. في كل مرة يخذلنا الحب، نقسم جهد أيماننا أن لا نصادقه البتة، نلدغ من الجحر ألف مرة ولا نتوان عن الانسياب وراء موسيقاه العذبة الساحرة، نصدقه رغما عن أنف الخذلان لأننا نحتاج تصديقه، نعشق ضياعنا في متاهاته ولا نمل لعبة الفقدان..

 

في عمق عتمة النسيان تنقشع شرارته معلنة بداية محنة لا تضاهي سابقاتها، لكننا نريدها بمحض الإرادة والصدف نقبل عليها فقط لأنها خطيئتنا التائبة دوما، الطامعة أبدا في مصالحتنا رغم طعنات الخيبات وسرائر الإخفاقات..

 

الحب شبهة الوهم الحقيقية، "كذبتنا الصادقة" كما قال "درويش"، يصدقنا القول ولا يصادقنا، يتلبس بنا كظل ظليل وينعطف مغيرا المسار بظهور أولى بوادر الشفق الملهم شعراءه الحالمين بمصافحته، الذائبين في حمرة خجله الملهمة قلوب العذارى في ليلة مكتملة البدر، تدق فيها ساعة الحسم، يهرول الحب إلى وكره خوفا من الانكشاف بنا، تاركا فجواته فينا، ضاربا لنا موعده المعهود إلى أجل غير مسمى..

في كل مرة يأتينا على عادتنا نصدقه، لأنه كما قال درويش "كذبتنا الصادقة..!"

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة