عبدالرحمن الجندي
عبدالرحمن الجندي
2 k

فلسفة الحب!

28/3/2018

المُعقدُ في الحبِ أنهُ بسيط، بسيطٌ للدرجةِ لا يُعقلُ معها.. أحبُ إحداهُنَ هكذا بلا سبب، بلا أيةِ مقدماتٍ أو إغراءات، هبَّ قلبي فأحبها، لم تعد هناكَ جدوى للاستمالةِ أو المراوغة، دق قلبي خافتًا أو اشتدت نبضاته، ليس ثمة فارق؛ حسمتُ الأمرَ أنني أحبها.


الحبُ سعادةٌ مفرطة، غريبة.. تتقافزُ إلى العقولِ وتملأ الصدور، كأنه لم يذق حلاوةً قط، أو أن تلك الحلاوة المسجاة أضفت أمرًا عبقريًا هذه المرة، أمرٌ لم يكن هناكَ بدٌ من البوحِ به، تتملكُ الروح روحًا أخرى، لا مناصَ ولا مفرَ من الذودِ إليها، وكأنَ الخيوطَ التي تتجاذبُ أو تتنافرُ في أمرٍ كذا تتداخلُ فيصبحُ الوصالُ أطوعُ للروحِ مسببًا للسعادةِ بها دونَ أي تكلف، وهو خدرٌ بغيرِ دواء وداءٌ لا يلزمهُ استشفاء، هو سكرةٌ ومُسكرٌ وحياةٌ وموتٌ وبلاء. هو سجنٌ براح وبراحٌ مُقاد وهو أعظمُ النقيدين إن حلَّ.

بحتُ يومًا لإحداهن أنني أحبها فبكت، كانت تعلم أنهُ لا تستقيمُ حياتنا سويًا، كانت أولُ من صب قلبي إليها كامل حبه، وارتمى عقلي إليها فخذلته، أدركتُ حينها أن الأمورَ البسيطة جدًا، تتعقدُ بتفاصيلَ غاية في البساطة. من يومِها، أخفي حبي وإن باحت به أركاني كُلها، لم أعد أومن بالتفاصيلِ جُلها.. لا ببساطتها ولا تعقيدها، من تستطيعُ بنظري أن تحتوي جملةً من الأفكارِ المُعقدةِ البسيطة في شخصٍ واحد، أنا أهابُ تكرارَ الأخطاء، لذلك لم أقدم على هذا الفعلِ أبدًا بعد المرةِ الأولى.


ربما كان الأمرُ ليصبح بسيطًا لو ابتسمت تلكَ الجميلة يومها وبادلتني الكلمة بدلًا من أن تبكي، ربما لم أعد أشعرُ بالغصةِ ذاتها كلما ذكرتُها، لكنهُ القدر، وهو أصلُ العقدةِ هنا. لذلك أن تنتهي تلكَ العقدُ فهذا يعني استسلامكَ لكافةِ المُعقداتِ التي تبسطت، السعادةُ المطلقةُ بغير سبب، الشعورُ دائمًا بأنهُ ثمةَ ساترٌ تستترُ بهِ وتستندُ إليه، تركنُ إليه في هزائمك وتهرول إليهِ في انتصاراتك، تنفرجُ أساريركَ لنظرة، وتملكُ العالمَ لبسمة.. تتحلى بانتصارٍ لم يحزهُ أحدٌ من العالمين، لأن من تعلقَ به فؤادك قد جادَ بكلمة، أو تفضلَ بنظرةٍ فملكت من الروحِ ما لم تدركهُ ممالكٌ، ولم يقدر على أن يلجهُ قوي، فتنسدُ كلُ ما بلغَت الروحُ من المهالكِ وما أصابها من الكدر.

 تلكَ التي تملكت قلبي يومًا إذا سألني أحدهم بعد سنتين أو أكثر من فراقنا فسأجيبهُ بأنني أحببتها لا لشيءٍ فيها، لكنني أحببتها لأمرٍ خفي غزا روحي فملكني 

مواقع التواصل
 

الأمرُ بسيطٌ إذًا عجيبُ في بساطتهِ.. معقدٌ فيها، لم ينجح أحدٌ من إتمامِ جمالِ وصفهِ على كثرة ما كتب فيه، بكافةِ اللغاتِ وبسائرِ اللكنات، تبقى العقدةُ بسيطةً مهما تكلفَ أحدهم في سردها، كلمةٌ تحلُ محلَ كلِ شيء، تقفُ للقلبِ مقامَ الذليلِ إليها فينبسطُ لها، أو ينقبضُ لكتمانها، ولا سلطانَ لها على أن يبوحَ بها اللسانُ ما دامَ القلبُ مُصرًا على البوحِ أو الكتمان، أرأيت؟ أخبرتك أن الأمرَ بسيطٌ جدًا، بسيطٌ غايةَ العقدة، ومعقدٌ غاية الانبساط، لا تُعرفُ معهُ عقدةٌ ولا يُعلمُ انبساطه.

وهو في ذاتهِ كثيرُ العقد، إذ أن تلكَ التي تملكت قلبي يومًا إذا سألني أحدهم بعد سنتين أو أكثر من فراقنا فسأجيبهُ بأنني أحببتها لا لشيءٍ فيها، لكنني أحببتها لأمرٍ خفي غزا روحي فملكني وأصبحتُ أحبُها لكلِ ما فيها، بل أحبُ الأشياءَ لأنها خُلقت بها، وأحبُ الأماكِنَ للقائنا بها، والطعامَ لأنها كانت تحبه، ورائحةٌ بعينها لأنها تذكرني بها، الخوفُ والتعلقُ والحبُ والفقدُ كل ذلكَ ببساطتهِ بعقدهِ كان بيني وبينها فأصبحَ الأمرُ مشوبًا بين البسيطِ والمعقد والجميلِ والمؤلم.

لو ردني الزمنُ أعوامًا أخرى، أو لو عشتُ حياةً كالتي عشتها ما كنتُ لأختارَ أن ألتقيها فنفترق، ولكني حينها عُميت علي تلكَ الأشياء جُلها، ما حسبتُ أن الأمرَ بهذا التعقيد، أخذتُ منهُ ما بُسِّطَ وانطلقت، فكانت تلك هي القصةُ التي حييتُ بها وأدركتُ منها، لكنني لو كنتُ أعرفُ بعينِ اللبيبِ أن في الأمرِ عقدٌ قد تنطلي علىّ وتملكني إلى ما شاء الله ما كنتُ لأبوحَ ولو كان ما كان، لكنهُ القدرُ الذي يسبقُ كلَ شيءٍ إذا حان ولا مناص، فتكتبُ القصةِ وفقَ ما رُتبَ لها أن تكتبَ في سياقِه.


كلٌ لهُ قصته، وهي تحوي من البساطةِ أو التعقيدِ ما تحويه، بالقدر الذي يصحُ فيهِ أن يجتمعَا معًا، لا يعرفُ لهُ معلمٌ ولا يصحُ أن تتطابق قصتانِ فيه، تتشابهان نعم! لكنهما يبقيان بعيدتين عن التطابُقِ، يؤديانِ للمسلكِ ذاته، وإن اختلفَ القدر وتنوع الكم، واختلفت الأذواقُ وعلت المشاعر، تبقى القصةُ كما هي.. بحلوها ومرها ملكًا لأصحابها، هم فقط من يعرفونَ مداخلَ تعقيدها وبساطتها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة