كيف استنسخ عمرو خالد أنماط القساوسة البروتستانت؟

6/3/2018
كان من رأي المصلح البروتستاتني مارتن لوثر أن كل مسيحي هو داعية ومبشر، الدعوة ليست حكرا أو وظيفة كهنوتية. نزل المبشرون التكنوقراط في ربوع الدولة العثمانية، مع نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن سلاحهم الكلمة فقط، بل الجمعيات الخيرية والبرامج التعليمية الراقية.
 
راقب حسن البنا كما يقول في مذكراته تلك الحركات الجديدة، سواء في بلدته أم في الإسماعيلية التي كانت مقرا لشركة قناة السويس ونشاطا بارزا للإرساليات. تحرك بنفس أساليب الحركات التبشيرية، خصوصا على صعيد مفهوم الخدمة، على الأغلب دون قصد، أعاد إحياء مفهوم الداعية وقذف به ليكون بديلا مدنيا لعالم الدين الأزهري، إنهم الوعاظ الأفندية. والإسلام بطبعه لا يعرف الكهنوت وكل فرد هو كاهن أو داعية، وبلغوا عني ولو آية.
 

اللافت في الأمر أن مفهوم الداعية كان له أبعاد تاريخية تعبوية، خصوصا في الحركات الشيعية الثورية، دعاة الدولة العباسية، ودعاة الدولة الفاطمية، كانت مهمة الدعاة التبشير والتجنيد في إطار الإعداد للدولة المرتقبة. وإذا كان في العشرينات تزامن ظهور الخطاب الحركي الإسلامي مع التبشير البروتستاتني وما يمتلكه من أساليب حديثة، فإنه في التسعينات من القرن الماضي لفت نظري تشابها بين واعظين مشهورين القس البروتستانتي سامح موريس واعظ كنيسة قصر الدبارة، والداعية عمرو خالد.

  

أذكر أنني واجهت الطبيب سامح موريس عن رأيي هذا.. فوافقني على الفور قائلا "أناس كثيرون أكدوا لي هذا الأمر، وأن أسلوب عمرو خالد قريب من أسلوبنا (البروتستاتنت).. وبالذات أسلوبي أنا، تشابها وصل إلى استخدام نفس المصطلحات التي أستخدمها وأكررها كثيراً، مثل الحديث عن علاقة المحبة مع الله، وأن ربنا يحبك، "وعاوزك" ويشجعك، إلى غيرها من المصطلحات التي أعتقد أنها ليست مشهورة في الخطاب الديني الوعظي الإسلامي". بادرني القس سامح متسائلا: هل هذه الأفكار موجودة في الإسلام؟ وأضاف: "حقيقة الكثير من أفكاره تتشابه مع أفكارنا وهو أمر يمثل لي علامة استفهام".

 

إذا حاولنا أن نقترب أكثر من أوجه التشابه بين موريس وخالد، سنجد أنها تبدأ من الانحياز لنفس البداية واختيار الحديث إلى شباب من ذوي الثقافة الغربية، كانت حاجة هذه الطبقة المرفهة للأمن والسلام كبيرة

ظهر سامح موريس مع فوران الإحياء الديني الإسلامي والمسيحي في الثمانينات، وهي المرحلة التي انطلقت فيها الحركة الروحية البروتستانتية عبر المعسكرات والمؤتمرات الشبابية التي كانت تقيمها الكنيسة الإنجيلية، وكانت طقسا معروفا عند التيارات الإسلامية، وقد استفاد منها عمرو خالد بعد ذلك وطبقها في تجاربه الدعوية، والمعسكر يقوم على تقديم التدين في أجواء شبابية، لعب وصلاة.

 
أخبرني سامح موريس بقوله: "كنا نأتي بشباب بعيد عن ربنا ومنغمس في المعصية وفي المخدرات أو حتى التدخين وبطريقة جميلة نقدم له محبة الله.. ربنا بيحبك ويبحث عنك وتقدر تستمتع بالحياة معه وتفرح وتحيا وأنت غير قلق فبمحبته تحب، وبرحمته ترحم. ونجح هذا الأسلوب والتف حوله الشباب وفي جو من المرح والاستمتاع يجد نفسه داخل رسالة مفادها حياتك أحلى وأظرف مع ربنا".

  
خطاب سامح موريس مبني على النصوص المقدسة التي يزاوجها بالقصص الحياتية ولكن الأبطال.. أنا وأنت.. قد يكون لعب كرة أو عامل في ورشة، المهم أنه لا يركز على القدسيين فقط. حديثه دائماً مرتبط بالله بالمفهوم المسيحي، يعتبره مركز الكلام وليس الإنسان، ويرى أنه نقطة البداية والنهاية ومصدر الحياة والراحة والإعانة والتشجيع، وعندما سألته: عن سبب ذلك؟ أجاب: "لأنني عندما أتكلم عن الله سأعرفه، والمعرفة تعطيني السعادة، لأني مش سامع عنه وهذه العلاقة تجعلني استمتع بربنا والاستمتاع به يعطيني الشبع ويجعلني أحبه وأحب الحياة).

  
وإذا حاولنا أن نقترب أكثر من أوجه التشابه بين موريس وخالد، سنجد أنها تبدأ من الانحياز لنفس البداية واختيار الحديث إلى شباب من ذوي الثقافة الغربية، كانت حاجة هذه الطبقة المرفهة للأمن والسلام كبيرة، فالصفوات بطبيعتهم ينفرون من أساليب التخويف، والتبكيت لأن حياتهم ممتلئة بالقلق والتوتر، لذا نجحا في تقديم مثل أعلى يقدم لهم الحل الروحي التطهري، بما لا يتنافى مع الطموح في الحياة (ما جئنا لنذبح الطموح في الحياة) فهما يتحدثان للأغنياء التعساء (من أعطوا أوراقاً نقدية وسلبوا السعادة).

 

وتتشابه معاني الخلاص والغفران لدى كل منهما، فالخلاص يقدمه سامح في ضرورة إعادة نمط الحياة والسلوك تبعاً للإيمان بالمخلص، وفي نفس الوقت بطريقة لا تتنافي مع أسس الحياة الحديثة، بين الإيمان والكسب، والتطهر والثروة، وتوجيه الطاقة الروحية في اتجاه إيجابي بدلاً من الوجهة التقشفية (أن نستخدم ما يعطينا الرب من الطموح والأشياء لخدمته وإعلان مجده وأن تكون أدوات يستخدمها الله في حياتنا).

  

 عمرو خالد (مواقع التواصل)

 
أما عمرو خالد فيعبر عن ذلك ولكن باستدعاء مقولات ونصوص دينية (نعم المال الصالح في يد العبد الصالح) أو على نحو ما يقول (أريد أن أكون غنياً كي ينظر إلى الناس ويقولون هذا رجل غني ومتدين حيث سيحبون ربنا من خلال هذا الثراء) فالثروة معبر لدخول الملكوت.

 
لذلك جاءت عظاتهما لإعادة تنظيم يوم الغني المزدحم، بدءاً من خروجه من بيته، إلى لحظة دخول شركته، بل وكيف يقضي الـ "ويك اند" .. كل هذا بمنتج وعظي روحي، سهل الهضم، خفيف التلقي، ينساب إلى الذهن وهو مكتس بكل عناصر البروتوكول، من الصوت الخفيض المبحوح، إلى الوجه الضاحك، والهندام المتأنق، والديكور المبهج، لتبدوا الموعظة واعظاً وجمهوراً، أقرب لحفلة شاي أو "بارتي". وبجلسة واحدة تشعر بالشبع وتكتشف قدراتك العاطفية والروحية ولا مجال للخسارة.. فكل ما يقدم هو من عناصر الجمال.

 

وينتمي كلاً منهما موريس وخالد لأسرة ثرية، وكلاهما جاء من حركة شباب، وليس من مؤسسة دينية، والاثنان كانا بمثابة نقلة نوعية، لما سبقهما، سوءا في حركة المؤتمرات الروحية لسامح أم في حركة الإخوان المسلمين التي خرج منها عمرو خالد. وكلاهما أقام نهضته الروحية على أنقاض مدرسة قديمة، تقوم على الترهيب والتخويف، الرافض لخلاص الأغنياء المتمثل في مدرسة خلاص النفوس البروتستانتية (الأغنياء لا يعبرون الملكوت)، وهي المدرسة التي نشأت في أربعينات القرن الماضي ذات النزعة الصوفية التقشفية التخويفية.

 

أما عمرو خالد فقد سبقته حركات ودعاه انتفضوا من الأحياء الفقيرة، وكانت تعادى الصفوات والنخب والتغريب، واعتمدت على أساليب التخويف والترهيب، مثل وعظات وخطب كشك والمحلاوي. كانت تلك التجربة الدينية، تميل لتقسيم المجتمع إلى طموحين، وغير طموحين أو حاقدين، وليس وفق التقسيمات الطبقية المعتادة، وهي رؤية قريبة من الفكر الرأسمالي الغربي، فضلا أن أنماط التغريب التي كانت محلا لانتقاد الحركات الدينية، تم التعامل معها بإيجابية شديدة من الواعظين.

 

 سامح موريس (مواقع التواصل)


أما العلاقة مع الغرب، فقد ذكر لي القس سامح موريس، أنه شاهد عمرو خالد لأول مرة في حياته، عندما كان يتحدث في إحدى العواصم الغربية، عن الرسوم المسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان يدعو للتقارب. وهذا طبيعي فانحياز عمرو خالد الطبقي الرأسمالي سيقود إلى علاقة جيدة مع المراكز الرأسمالية الغربية، لكن اللافت أن هذه العلاقة تدور في إطار نقد الأفكار الراديكالية الإسلامية، وتقديم البديل المنفتح، دون نقد الراديكالية الغربية، لاسيما تصريحات اليمين الأوروبي ومواقف الرئيس الأمريكي ترمب من الأقليات. كما أنه قدم قراءة معلمنة للمشروع الرأسمالي، فهو يفصل بين التنمية السياسية، والتنمية الاقتصادية، والديمقراطية والإيمان، في حين يدمج التدين بالثروة، أي أن عمرو خالد يعلمن المعلمن، بمعنى آخر أن التدين الذي يطرحه عمرو خالد لا يزعج مستبدا ولا يقاوم محتلا، ولا يقلق محتكرا.

 

كما أن سامح موريس اتجه مبكراً نحو ربط وعظه بأفكار التنمية البشرية بالمفهوم الغربي، وبرامج التأهيل الوظيفي الاجتماعي والرياضي، وعلاج الإدمان والشذوذ الجنسي، وأقام جماعات نشاط، ضمت عشرات الشباب كان لهم دوراً بارز في الدورة الأفريقية عام 92 كان محل تكريم أجهزة الدولة. وهو ما فعله عمرو خالد في برامج صناع الحياة ومجموعات الصناعات التي تشكلت حوله وحققت نتائج جيدة حيث نزعت وعظاته أيضا للربط بين الإيمان والتنمية، واعتبار الدين صاحب دور في تنمية الثروات والتراكم مع التأكيد على المبادرات الفردية.

 
ورأيي أن تشابه الظواهر الدينية وأنماطها، لا يعني أن هناك أصيلا وآخر مقلدا، الأدق برأيي أن عمرو خالد والقس سامح جاءا في لحظة تاريخية متشابهة، وبالتالي جاءت استجابتهما متشابهة. الواقع يشير إلى أنها كانت حركة تدين جديدة تفاعلت مع ظروف اجتماعية وطبقية، وعبرت عن نفسها في إطار روحي اجتماعي، يحاول أن يصنع حلاً اجتماعيا بديلاً يسعد الفرد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة