صنّاع التصنّع في ميزان العفوية

7/3/2018
حدثَ في يومٍ من الأيام، هذا الموقف الروتيني والمتكرر دائماً، فهو لا يُعدُّ موقفاً جديداً، فهو أحدْ ضرورات هذا الزمان، ولمْ يلتفتْ إليه أحد، فهو كما قلتْ موقف لا يُنظرُ إليه بعينِ النقد، وإنّما هو شيء عادي، وعادي جدّاً، تراه النّاس وتعايشه وقدْ صار جزءاً لا يتجزّءُ منها!
 

حينما بدأتُ عملي في هذه الشركة -بعيداً عن ذكرِ اسمها- عايشتُ هذا الموقف، والذي كانَ غريباً جدّاً من جهة! وعجيباً أيضاً من جهةٍ أخرى! لمْ أكنْ على درايةٍ بالمرّة، أنّ التسويق للتصنّع موجود! وقدْ ذكرتُ أنّ هذا الموقف عجيب، وذلك لأنّ التصنّع -على حدّ علمي- اقتصرَ على التصرّفات، ولكنْ دونَ التسويق له من خلال هذه التصرّفات، وسألتُ نفسي مراراً وتكراراً، إلى أنْ تعبتُ من سؤالها، ولمَ التسويق له؟ وما الغايةُ من ذلك؟

 

أذكرُ أنني وقفتُ مشدوهاً في أوّل مرّةٍ رأيتُ فيها أحداث هذا التسويق! ولطالما كنتُ من أصحاب الملامح ذات الاستغراب الشديد والتأمّل، ولكنْ هذه المرّة كانت تحملُ ألماً واندهاشاً في نفسِ الوقت! ولمْ أستطعْ اختزال ذاك الواقع في فكرةٍ مثلاً، أو في إطار لأحدد ما جرى حينذاك، كانَ الخطبُ جللْ بالنسبةِ لي، فحينَ رأيتُ وسمعتُ هذا الرجل، وهو يتحدّثْ، أصابني شعوران، أولهما: الاشمئزاز، وثانيهما: حسرةٌ وألم! كانَ يتحدّث بأسلوبٍ فيه من التكلّف ما فيه، ولم يقتصر الموقف على انتقاء المصطلحات، وإنّما كان في الأسلوب وطريقة الكلام! دائماً ما كانَ يبدأ حديثه بوضع كلمة "مهندس" قبيل ذكر اسم أيّ شخص -إنْ كان مهندساً طبعاً- وفي بداياتي معه، كنتُ أظنّ أنّ هذا ما يُعرف بالاستهلال لحين توطيد العلاقات بين البشر، ولكنني كنتُ مخطئاً تماماً، ولينتهي بي الأمر أكتبُ في هذا المقال!

 

أرى العظمة في شخصِ كلِّ عفوي، وأقدّس منْ يسير على هذا النهج، مهما كانتْ القذارة واضحة، فهي لنْ تنالَ منه مهما فعلتْ، هو الإنسان الذي تملّكته البساطة، ويراها في عيون الجميع

كانَ حريصاً أشدَّ الحرِصِ على إضفاء التصنّع في أيِّ حديثٍ يجري على لسانِه، أذكرُ يوماً أنّه طلب منّي إرسالَ بريدٍ إلكترونيٍّ لشخصٍ معيّن، لينتهي به الأمرُ قائلاً: وضعْ اسمك في نهايته مسبوقاً بكلمة مهندس! حينها جُنَّ جنوني، ولمْ تسعني الأرضُ بما رحُبتْ، وقلتُ لنفسي: ومنْ قال لك أنني أريد تصنّعك هذا؟ إنّه اسمي، وأفعل به ما يحلو لي! خطر لي ما قاله دوستويفسكي ذاتَ مرةٍ: إنّ قوّة الإدراك مرضٌ شديد أيّها السادة! فلعلّي مريضٌ بإدراكي هذا! وهو مريضٌ بتصنّعه.

 

منْ بعدِ هذا الموقف، أيقنتُ تماماً أنني أمام نارٍ من التصنّع، وما بيدي حيلةٌ أمامها، ولكنني حرصتُ أنْ أستمرّ في رشِّ قليلٍ من الماء بين فترةٍ وأخرى ، كي لا تشتدًّ هذه النار وتُحرقني في يومٍ ما، فقدْ كانَ في كلِّ يومٍ جديد، تُشرق علينا شمسُه، يبتكر أساليباً جديدة لتعزيز فلسفته، لقدْ حوّلني لمجنون يُكلّمُ نفسه أحياناً، ولا يجدُ ما يُشفي غليله جرّاء ما يحصلُ أمامه وعلى مرأى منه من جنونٍ أيضاً، فهو جنونٌ لكثرةِ الإدراك يُقابله جنونٌ في مرضٍ يُدعى التصنّع، أو كما نقولها بلغتنا الفلسطينية العاميّة (الجعصة).

 

كلُّنا عيوب في عيوب، وكما قال إمامنا الشافعي: وللناس ألسنُ، ولكنْ، التكبّر والتصنّع صفتان ستُجبرانك بالضرورة على التقيؤ! ويا ليت الأمر وقفَ عند هذا الحدّ! فقدْ شاءت الأقدار أنْ تُريني منْ يُبدع بالتسويق لهما! فما بالُ العفويّةِ أيّها القوم؟ وهل إنْ كنتَ عفويّاً، فأنت آثمٌ مثلاً؟ وإنْ تصرّفتَ على سجيّتك وكما يُقال (اللي بقلبك على لسانك) ستخرجُ عن ملّة ديننا الحنيف؟ من خلال خبرتي البسيطة جدّاً، وما لمسته في مجتمعاتنا، فإنّ التصرّف على هذا النحو، صارَ نوعاً من التشرنق، غايته الحماية من الغير! فكلُّ ما تراه من كبرياء يُحلّق في الفراغ، ما هو إلّا تصوّر أعمى لحماية النفس ضدّ الأوباش البشر وفي كافة مجالات الحياة، وكلُّ واحدٍ منّا يظنّ بغيره بالمثل! وعلى هذا فقسْ!

 

إنّ العفويّة صارتْ شيئاً أخرقاً، وإنْ صادفتَ شخصاً ما يُقدّس العفويّة، فسيكون محطّاً للأنظار وللكلام والطعن، فهو الخارج عن السرب، ولمْ يحظى للأسف بفرصة الانضمام لقطيع الكبرياء والتصنّع! وكأنّ احترامك المزعوم لنْ تكتسبه إلّا في هذا الغلو في المعاملة، وإيصال رسائل محشوّة وفارغة في ذات الوقت، فهي محشوّة بتصنّعك، وفارغة من المعنى والعُمق في التصرّف، والعفوي لن يأبه بما يُقال عنه، فهو العفوي الذي يُعطي المعنى لهذه الكلمة، ولنْ تكون أيّ إشارات يُرمى بها محطّ للنظر والدراسة في رأيه! فهو يتصرّف ببساطة وتواضع مع الجميع وعلى الدوام، دونَ حسابات مُسبقة وأجندات مكتوبة في تصرّفاته.

 

 

إنني أرى العظمة في شخصِ كلِّ عفوي، وأقدّس منْ يسير على هذا النهج، مهما كانتْ القذارة واضحة، فهي لنْ تنالَ منه مهما فعلتْ، هو الإنسان الذي تملّكته البساطة، ويراها في عيون الجميع، يتحدّث بعفويّة واسترسال بغضّ النظر عن أيّ مقامات تُعطى لهذا أو لذاك، وضارباً إيّاها بعرض الحائط، فلا مكان لها في عقله، ولا يُلقِِ لها بالاً، فقدْ علا عليها منذُ زمنْ، وطار وارتفع بعيداً عن قاعها، ولهذا يرى أمثال هؤلاء حاملي الكبرياء والتصنّع الأجوف، مدعاةً للقرف والشفقة دائماً وأبداً.

 

يقول إمامنا الشافعي: 

إذا المرءُ لا يرعاكَ إلّا تكلّفا *** فدعهُ ولا تُكثر عليه التأسفا 


وإنْ كان كلامي هنا لم يلمس شعور البعض، فلعلّ كلام الإمام الشافعي -الذي لم يرَ مثلَ نفسه، ولم ترََ عينٌ مثله- يُحرّك شيئاً في دواخلهم، ويكون لشعره تأثيراً في نفوسهم، ليكون على شكل مراجعات وحسابات للنفس إنْ كان من صنّاع التصنّع هذا، أو يكونَ على شكل ثباتٍ يمشي به وسط هذا الزحام المُرعب والمُضني.

 

إيّاك يا سيدي أنْ تكون من هؤلاء القوم! وإنْ كنتَ منهم، فقفْ قليلاً، واصمتْ، واسرح بخيالك، ومنْ ثمَّ اسأل نفسك: هل ما أنا عليه فيه صلاحي؟ وهل ما أنا عليه، فيه تصالحي مع ذاتي؟ وهل صلاتي كلَّ يوم ستنجيني إنْ كنتُ متصنّعاً مغروراً؟ وإنْ لم تُجبْ، فالجواب هنا: لا يا سيدي الكريم، هذا فيه هلاكك مهما فعلت من عبادات توقيفية! هذا فيه انحدارك في عيون من حولك، ودعني أنْ أُشير لك، أنّ هذا سيحدث دون أنْ تعلم، فسقوطك هذا سيكون بعيداً عن مسامعك ومرآك في معظم الأحيان، إنها تلك الرصاصة التي ستأتيك بين عينيك بعد فوات الأوان، والتي من المستحيل أنْ تراها، أو أنْ تسمعها حتّى، فقدْ أُطلقَتْ من مكانٍ بعيد، لا سبيل لك إليه، لأنّ كبريائك هذا قدْ أخذ بكَ بعيداً عن كلّ من عايشوك واحترقوا بنار غرورك!

 

سيكون سقوطاً مدويّاً من جبلٍ رسمتَه في خيالك ظنّاً منك أنّك في عليين، لتقع منه فجأة في قاعٍ قذرٍ وعفن، لم تكنْ تعلم بوجوده يا سيدي، ولتعلمَ وقتها أنّ ما اقترفته يداك كان شيئاً من الجحيم الأبدي، إنْ لمْ تعدلْ عنه، فهو أبدي بإمكانك جعله نعيماً بعفويّة بسيطة لا بأسَ إنْ تعلمتها من غيرك، وإذا لم تستطع، فعلى الأقل ابتعد عمّا أنتَ فيه، فلسوف يدمّرك عاجلاً أم آجلاً.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة