رمضان أحمد بريمة
رمضان أحمد بريمة
448

فنيات الترجمة الفورية (3)

9/3/2018

تكلمنا في الحلقة الثانية عن بعض الفنيات التي تمكّن المترجم الفوري من مواصلة عملية الترجمة دون تعتعة أو جر الكلام، وقد شملت الفجوة الذهنية وقراءة ذهن المتحدث وإزالة هيبة الجمهور ثم تحديد نقطة التركيز. سنتناول في هذه الحلقة بعض الجوانب الفنية الأخلاقية في مهنة الترجمة الفورية.

 

أولاً: الحفاظ على سرية المداولات

لا شك أن مهنة الترجمة عموماً لا تختلف عن المهن القانونية من حيث إطلاع المترجم على كم هائل من المعلومات السرية، سواءً أكانت سرية في انتظار النشر أو سرية للحفظ. لذلك فإن المترجم مؤتمن دائماً على المعلومات ولا يجوز له أن يصرح بأي معلومة مصنفة على أنها سرية يحصل عليها بموجب عمله. قد يتفوه المتداولون أحياناُ بمعلومات ليست متاحة للجمهور، وقد يحصل تلاسن أثناء الاجتماع عند احتدام النقاش، فلا يجوز للمترجم أن يمرر أي معلومة للإعلام عن هذا التلاسن. أما المناسبات العامة التي يناقش فيها قضايا مسموح أو محبذ فيها النشر، فلا بأس أن يكتب عنها المترجم في أي منبر متاح له.

 

ثانياً: المساهمة في تخفيف التوتر
شخصية المترجم تعتبر في كل الحالات غائبة أثناء عملية الترجمة. فكل كلمة يتلفظ بها يجب أن تكون مطابقة لما يقوله المتحدث في المنصة

يسود التوتر في بعض المناسبات مثل المفاوضات التجارية أو مفاوضات خصوم الحروب أو الخصوم السياسيين ونحو ذلك. قد يصل مستوى التوتر أن يبدأ الناس بإطلاق الألفاظ النابية ضد بعضهم البعض. في هذه الحالة يكون المترجم حصيفاً ويحرص على ألا يترجم الشتائم بل يكفي أن يقول "تلفظ بكلام نابٍ" أو "قال كلاماً لا يمكن ترجته"، أو يمكن غض الطرف عنه. يمكن التحكم أكثر في هذه الحالات النادرة أثناء الترجمة التتابعية أكثير منها في الترجمة الفورية. ذلك لأن الترجمة التتابعية تتيح الفرصة لاستيضاح المتحدث. قد يختلف الناس في كيفية معالجة مثل هذه المواقف ولكن خلاصة الأمر ألا يكون المترجم سبباً في تأزم الموقف.

 

ثالثاً: حيادية المترجم

شخصية المترجم تعتبر في كل الحالات غائبة أثناء عملية الترجمة. فكل كلمة يتلفظ بها يجب أن تكون مطابقة لما يقوله المتحدث في المنصة. بمعنى أن ما يقوله المتحدث يسمعه الجمهور بلغة أخرى. فلا يجوز للمترجم أن يقول "قال كذا" أو أن يدخل في الكلام ما يفهم منه دخوله هو في الحلبة. هناك حالات معينة يتعين على المترجم إظهار نفسه، مثل:

 

- إذا كان الصوت خافتاً أو مشوشاً يقول المترجم "عفواً! الصوت غير متاح للمترجم". لأن عدم وضوح الصوت بعني بالضرورة أن الترجمة لن تكون سليمة وفي نهاية المطاف سيكون اللوم على المترجم.

- إذا كان المتحدث يخلط بين اللغات: يتحدث بالإنجليزية ثم يقفز ليتحدث بالعربية. هنا يقول المترجم "يرجى تنبيه المتحدث بالالتزام بلغة واحدة لوجود ترجمة فورية". ذلك لأن الجمهور لا يستطيع متابعة الحديث عندما ينتقل المتحدث إلى لغة أخرى.

- إذا كان المتحدث سريعاً لدرجة أن السامعين لا يستطيعون متابعته. هنا يقول المترجم "يرجى تنبيه المتحدث بأن يبطئ قليلاً، هناك ترجمة فورية". هنا سيسرع الجمهور المتابع للترجمة بتنبيه المتحدث لأن ذلك في صالحهم.

- إذا ورد في حديث المتحدث ما يخالف السياق الثقافي للجمهور المستمع للترجمة. هنا يكون الأمر بمثابة تنبيه من المترجم. يقول المترجم في هذه الحالة "المتحدث يقصد كذا وكذا". مرة أخرى، ينطبق ذلك على الترجمة التتابعية أكثر من الترجمة الفورية نظراً لعامل السرعة.

 

أذكر أنني كنت مترجماً تتابعياً لأحد ضباط الجيوش في دولة عربية، وكان يجتمع بصورة منتظمة مع مسئول شركة أوروبية اشترت منها القوات المسلحة معدات عسكرية وكانوا في طور التجريب. ما حصل أن الضابط كان يصل مرحلة يشتم فيها المسؤول الأوروبي أثناء التفاوض وكنت أتحاشى ترجمة ألفاظه، وكان كثيراً ما يسألني هذا الضابط أليس كذلك يا رمضان؟ فكنت أقول له يا سعادتك أنا مجرد مترجم لا أستطيع أن أقول أنت أو هو غلطان!

 

يجب على المترجم مجاراة المتحدث بنبرة الصوت بقدر الإمكان حتى يمكّن المتابعين بأن يعيشوا بالجو النفسي الذي يبتغي المتحدث أن يضعهم به

مواقع التواصل
 
رابعاً: متابعة نبرة المتحدث

عندما يتحدث الناس تعلو نبرتهم وتنخفض بناءً على سياق الموضوع أو الجو العاطفي السائد. فالخطيب مثلاً الذي يتحدث من فوق المنبر تختلف نبرته عن نبرة المحاضر الذي يقدم محاضرة علمية في قاعة درس. والشخص الذي يقدم شرحاً لما توصلت له لجنة فرعية في مؤتمر يختلف عن الشخص الذي يقدم حجته أمام لجنة تحقيق في نزاع. إذن نبرة الصوت تتحدد بناءً على هذه المواقف والسياقات. يجب على المترجم مجاراة المتحدث في نبرة الصوت بقدر الإمكان حتى يمكّن المتابعين في أن يعيشوا في الجو النفسي الذي يبتغي المتحدث أن يضعهم في فيه. عندما يكون الحديث بنبرة حادة بينما الترجمة بنبرة باردة يشعر الجمهور بوجود فجوة ما دون أن يحددوا موقعه، وبالتالي لن يكون تفاعلهم مع الحديث وفق ما يريده المتحدث. إذن، انفعال المترجم وسعيه لنقل مشاعر المتحدث أمر محمود في الترجمة الفورية. هذا لا يعني بالضرورة أن يصرخ المترجم في آذان الجمهور!

 

خامساً: مستوى الخطاب واللغة التخصصية

المقصود بمستوى الخطاب هنا مستوى اللغة المستخدمة. فاللغة العلمية أو الاحترافية مثلاً تختلف عن اللغة العامة، حيث ينزع المتحدثون إلى استخدام المصطلحات والمفردات الحمالة للمفاهيم بدلاً من المفردات الحمالة للمعاني البسيطة. بمعنى أن اللغة المستخدمة هنا هي لغة تخصصية. فلو أن قاعة الاجتماعات مكتظة بالعلماء والباحثين سيكون مستوى الخطاب مختلفاً عما لو كانوا رجال أعمال وسياسيين. ولو كانوا صناع سياسات ومفكرين يختلف الخطاب عما لو كانوا موظفين في منظمات إنسانية أو معلمين وهكذا. إذن، الجمهور هو الذي يحدد مستوى الخطاب، وبالتالي إذا لم يكن المترجم على مستوى معين من المعرفة والثقافة العامة سيجد صعوبة في تغطية الفعاليات المتخصصة. لمعالجة إشكاليات مستوى اللغة يجب على المترجم الاطلاع واكتساب مهارات الخطابة ليتعود على مختلف مستويات الخطاب.

 

مجمل القول في مسألة فنيات الترجمة أن المترجم مهمته نقل المعنى إلى اللغة المستهدفة. ولكلي يستطيع أن يقوم بمهمة نقل المعنى على مستوى من الكفاءة لابد أن يكون المترجم كاتباً وخطيباً. لابد من قدرة المترجم على ترتيب أفكاره هو في لغته الأولى قبل أن يكون قادراً على ترتيب أفكار غيره في اللغة الأجنبية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة