أسامة الشجراوي
أسامة الشجراوي
736

أخبرته قبل أن ينتحر

12/4/2018
ما إن فرغت من قراءة شَريط الأخبار على إحدى الفضائيات بغرفة انتظار، وقرأت خبراً عن ظاهرة الانتحار حتى امتعضت، وما إن انتهيت من قراءة منشور مُطول لأحد الأشخاص، يُناقش المسألة ذاتها على مواقع التواصل حتى وجمت، بيد أن قَلبي كان يتحدث، وإن كان لساني تريث قليلاً فلزم الصَمت.

 
عناوين الانتحار باتت منشورة على إذاعات أرواحٍ بائسة، بترددات شوشت استقبال موجات الحياة لديهم، وباتت مُراودة نفوسهم للانتحار في تزايد، وغزو اليأس لأرواحهم في تصاعد، لم أكن أعلم مَتى سيزول ضباب صمتي، عن سماء العابرين في صحراء الموت، قَبل أن يُقبل علي شاب، واضعاً رأسه المُثقل على كَتفي، وملامحه تشي بأن أبواب الحياة في وجهه قَد سُدت، والحيل من جيوبه قد نفدت، فراح يراود نفسه بالانتحار بِعباراتٍ بات الكثيرون يكررونها، وكان قد كررها على مسامعي من قَبل، إن لم يكن قد حاول فعل ذلك خلسة ولم يُفلح، شَعرت حينها بأنه أتى الوقت لأقف على منصة الحديث، التي انتصبت عليها مشانق الكثيرين.
 
لم أدع له فُرصة ليستهل الحديث، وبادرته بحديث الروح المغازل للحياة، قَبل أن يُبادرني بحديث الموت الناعي للقلوب، فقلت: كُن ممن يضيق بالخَيبة حين يرتديها، وأبدل ثوب الحداد بزي مراقصة الحياة، المنسوج من صبر الحالم بداخلك، وافسخ خطوبة الانجزاع التي عقدت عليها قِران الانكسار.
 

كم هو مؤسف أن ينُشر على إذاعات قَلبك بعد هروبك في نهاية الحكاية: ثورة بالنفس اجتاحته وطالبت بالقضاء على روحه، وهددت استقرار عرش قلبه، وعلى إثرها رفع راية الاستسلام ورحل

وبدلاً من تَجرعك لعقار قاتل، تَجرع عقاقير حقيقة ما خُلقت من أجله، وحُبوب مَنع الشعور بعبثية الأشياء، وبدلاً مِن فِكرة إطلاق "رصاصة الرحمة" على رأسك أليس أولى أن تكون تلك الطَلقة على يأسك لا على رأسك !وبدلاً من قطع شرايينك بِطريقة سينمائية، اقطع شَرايين نقلت لك دماء اليائسين من موارد الظَلام، وبدلاً من الترنح على شظايا الحرب بداخلك، اسمح للأمل أن يُعانق قلبك الكسير، واصنع جِسرا يوصلك لمُدن الحُب بداخلك، بَدلاً من رِحلة البحث عن جِسر تهوي من فوقه، وبدلاً من أن تتجرع سُماً، دُسه خِلسة في موائد اللئام، الذين صوروا لك الحياة حِداداً، ومشانق الانهزام التي انتصبت عليها أحلامك، انصب عليها حَسراتك، ولست أدري يا صديقي كيف تطوق نفسك بحبل اليأس وتدع حَبل الله الذي به نجاتك!
  
صافح الحياة وازرع قُبل حِلمك في خدودها، ولا تسمح لأثار الخيبة أن تستوطن في ثنايا روحك، وأن تجثم بقيودها على صدرك، ولا تكن ممن خُيل له استحالة الشفاء، فراوده شبح الموت قَبل موعده. كثيرون يمرون في هذه الحياة بمراحل سوداء، تنكسر فيها الروح وتتخبط فيها المقاصد، وكثيرون ممن نحسبهم سعداء ربما يُخططون للانتحار في وقت ما، لا أحد يدري، فجميع القلوب مثقلة بخيباتها، وان أردت الحقيقة تأمل معي "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" ففيها حَلاوة كُل مُر.
 
أما حَال القانطين ؛ فهو حال من لم يفتح نوافذ الصبر على قصور قلبه، ومن أطفاً شموع صَبره ورحب بالظَلام، وراح يترنح وكأنه خاسر في جلسة قمار مشؤومة، قَلبت بَعدها الدنيا الطاولة ساخرة مِنه، وراح يبيع أراضي قلبه لجشع الانكسار، وهذا حال من راقت له الغربة عن روحه، وبَعد أن سئم الاغتراب ضَل الطريق، وراح يستوطن مُدن الأسى والاغتمام، فأزمع على الانتحار موهماً نفسه أنه السلام.

 

كم هو مؤسف أن ينُشر على إذاعات قَلبك بعد هروبك في نهاية الحكاية: ثورة بالنفس اجتاحته وطالبت بالقضاء على روحه، وهددت استقرار عرش قلبه، وعلى إثرها رفع راية الاستسلام ورحل، أيرضيك ذلك َ! يا للشفقة! صمت لوهلة، وشَعرت بعدها بأن دموع الرَجل قد أخذت تَجري في مجرى قد حفرته بخدوده، فابتسمت، وقلت في نَفسي، خُلق الدمع ليتوضأ القلب به، فسبحان من أجراه على الخدود المَحزونة، كَتبت كَل ما قلت له بحبر أحمر يرتدي معاطف الحُب لا عباءات الدَم، وكتبت في مطلعها بَعد أن طالعتني عيناه، حاولت أن أعيد لرجلٍ الحياة، وأخبرته قَبل أن ينتحر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة