سفيان البراق
سفيان البراق
417

نيتشه ضدَّ المَسيحية

14/4/2018
لقد أنجَبت ألمانيا على مرِّ التاريخ أسماءً وازِنة، تركت بصمتها في تاريخِ الفكر، وكانَ قلمُها الفلسفي سيّالاً، إذْ أنتجت أفكاراً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وأكادُ أقولُ جازِماً أنَّ تاريخ الفلسفة الألمانية برمّتِها هو تاريخُ النَّقد والتجاوز، والنَّقد هنا ليس مفهوماً سلبياً، بل هو الدراسة والتحليل من أجلِ التجاوز والانتقال إلى فكرة جديدة.
 
من منَّا لا يَعرِفُ الفلاسفة الألمان، ولعلَّ أبرزهم "فريدريك نيتشه" (1900 - 1844). نيتشه دشَّنَ عهداً جديداً في الفلسفة، حَمَلَ مطرقتهُ وهَوى بها على القيّم، انتقد كل شيء بدءً من سقراط إلى حدود هيغل. كما وجَّه نقداً خطيراً لعصر الأنوار، هذا العصر هو الذي أخرجَ أوروبا من قوقعةِ الكنيسة ورجال الدين. "إيمانويل كانط" (1804 - 1724)، عرَّفَ الأنوار قائلاً: "هو خروجُ الإنسانِ من القصور". كانط هنا يقصد بالقُصور هو العجز، أمَّا نيتشه فاعتبر الأنوار هي مرض الحضارة الغربية لأنَّه حوَّلَ حياة الإنسان الأوروبي إلى مأساة حقيقية.
 
كتبَ نيتشه سنة 1888 كتاب مهم تحت عنوان "نقيضُ المسيح"، ترجمة التونسي "علي مصباح". في نفس الفترة أيضا كتبَ كِتاب "إرادة القوة". في خضمِّ كتاب "نقيضُ المسيح" وجَّه نيتشه لعنة على الديانة المسيحية وانتقدها انتقاداً يندى له الجبين، حيث أكَّد في بداية هذا الكتاب على أنَّ المسيحيّة هي ديانةُ الشفقة بكلِّ ما تحملُ الكلمة من معنى ودلالة، وعندما تكونُ ديانةٌ ما تتميّزُ بالشفقة فإنَّ المرء يستنزِفُ طاقته كثيراً في أشياء لا تستحق؛ وعن طريق الإشفاق يَنمو ويتضاعف تبديدُ الطاقة التي يكونُ الألم قد ضَخها داخلَ الحياة. يتضحُ لنا أن نيتشه منذ البداية كَشَّرَ عن أنيابهِ محاولا نخر جسد المسيحية بكلِّ ما أوتي من قوة.

أنتج نيتشه مفهوم "الجينيالوجيا" ويقصدُ بها: أصل القيمة وقيمة الأصل، بمعنى آخر: تحويل السؤال من ماهي الحقيقة؟ إلى من يُنتح الحقيقة؟ لأنَّ الإنسان أصبح في مركز الكون وهو مصدرُ الحقيقة وليست الكنيسة
إنَّ تاريخ المسيحية على مرِّ العصور -بدء من الموتِ فوق الصليب - فهو تاريخ تطور سوء فهمٍ أكثر فأكثر. هناك من يطرحُ سؤالاً شائكاً لم ينجح كبارُ المفكرين في الإجابةِ عليه: لماذا نيتشه يكرهُ الديانة المسيحية والإله المسيحي؟ رغم أنَّ نيتشه كان يحفظُ عن ظهرِ قلب آيات من الإنجيل وكان يعلمُ أشياء كثيرة عن الديانة المسيحية. يكرهها لسببٍ وحيد، عندما جاء "لوثر" بفكرة الإصلاح الديني، فتساءل نيتشه ما الفائدة من هذا الإصلاح؟ مع العِلم أنَّ جلَّ التعاليم المسيحية هي لاهوتيةٌ بالأساس؛ فعندما نرى عقيدة تحول جوهر المسيح يتحول إلى خبز أو لحم أو دم، فهذا ضربٌ من الجنون ولا يمكنُ لأيّ شخص الوثوق بهذه الترهات التي لا أساس لها من الصحة. الفكر اللاّهوتي هيمنَ على الديانة المسيحية، هذا ما جعل نيتشه يستشيطُ غضباً وثارَ ثورةً لا مثيلَ لها ضدَّ المسيحية.
 
ذلك المسيحي الذي ظلَّ لألفيّ سنة وما يزيدُ عنها يتباهى لكونه مسيحياً، فهذا مجرَّد سوء فهم بسيكولوجي للذات، مما جعلهُ يؤمنُ بأفكار لا يقبلُها العقل الإنسانيّ بتاتاً. الغرائزُ وحدها هي التي تسيطرُ على كلِّ مسيحيٍّ أينما حلَّ وارتحل، بمعنى آخر، الغرائز احتلّت مكان الإيمان في المسيحية، فعندما يصبحُ المسيحيّ خاضِعاً لغرائزهِ فإنَّ معتقدهُ قد تاهَ في سراديب النِّسيان. كان نيتشه يمتلكَ جرأةً كبيرة لم تتوفر في أيّ فيلسوفٍ غيره، كان عدواً للمسيحية واليهودية معا، ويقول في هذا الصدد جملة تُتعبُ كلَّ مسيحيٍّ يسمعها: "إنَّ المسيحي ليسَ شيئاً آخر سوى يهودي بعقيدةٍ أكثرُ انفتاحاً". نقيضُ المسيح، ص 100.

في فترةٍ من حياتهِ أكَّد نيتشه وشرارةُ الحقد تشتعلُ في قلبه، أنَّه لا يمكنُ لأيّ مرء أنْ يكون فيلولوجياً أو طبيباً دون أنْ يكون نقيضاً للمسيح، لأنَّ الفيلولوجي يقرأُ ما وراء الكُتب المُقدَّسة، أي يغوصُ في أغوارها للبحثِ عن ثغرات وفجوات من أجل أن يضربها بمعولهِ النَّقدي. نيتشه يصفُ نفسه عالِماً فيلولوجيا أكثر من مرة، لكن بطريقة غير مباشرة.

الإعلاءُ من شأنِ الكذب في مقابل الحقيقة أمرٌ لا مفرَّ منه عند نيتشه، لأنَّ الحياة والكذب توأمان. نيتشه لم يؤمن قط بالحقيقة كمفهوم وكمنطلق للفلسفة، بل اعتبرها وهمٌ تاريخيّ انطلى على الفلاسفة منذ سقراط إلى هيغل. وإذا كانت الكنيسة تؤمنُ بحقائق المسيح فهي إذن نموذجُ الانحطاط بامتياز. "الكنيسة هي مجالٌ للانحطاط". نقيضُ المسيح، ص 114.
  
 
أكبر كارثة خرَّبَت التاريخ والمجتمع الأوروبي هي المسيحيّة، كيف لا، وهي تقِفُ (أي المسيحية) موقِفَ النَّقيض من كل عقلٍ سليم التكوين، فالعقلُ مريضُ التكوين وحدهُ الذي يصلحُ في عينيها أنْ يكونَ عقلاً مسيحياً، يناصرُ التفاهة والوضاعة.
 
في نهاية هذا الكتاب (نقيضُ المسيح) يبينُ نيتشه على أن المسيحية قد حرمتهُ كثيراً من جني ثمار الحضارات القديمة والعَتيقة، لأنَّها استحوذت على فترة طفولته وسيطرت عليه أيضا في عنفوان شبابهِ، كما يشيرُ إلى أنَّ المسيحية حرمتهُ أيضاً من جني ثمار الحضارة الإسلامية.
 
أنتج نيتشه مفهوم "الجينيالوجيا" ويقصدُ بها: أصل القيمة وقيمة الأصل، بمعنى آخر: تحويل السؤال من ماهي الحقيقة؟ إلى من يُنتح الحقيقة؟ لأنَّ الإنسان أصبح في مركز الكون وهو مصدرُ الحقيقة وليست الكنيسة.
 
ظلَّ أرسطو مهيمناً بفكره لمدة 2000 سنة وما يزيدُ عنها، إلى أنْ جاء ديكارت وأنتجَ الكوجيطو فارتدَّ به ضدَّ أرسطو، إلى أن أتى نيتشه وقلبَ جميع المفاهيم وهدَّم جميع القيّم والأخلاق. وكانت النقطة المركزية في فكر نيتشه هي القوة.

كانت لـ نيتشه مشاكل فكرية عانَ منها كثيرا في فترة حياته، وطرح هذه المشاكل في كتبه، كتبها بلغة شذرية لا تفهم ولا تستوعبُ بسهولة، وكتاباتهُ تستهوي القارئ وتجعلهُ يتلذَّذُ بالحس الفلسفي العميق.
________________________________________________________________
- هوامش:
كتاب: نقيض المسيح، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة