حتى نجعل من أبنائنا قادة

15/4/2018

إن البلدان والشعوب التي تزخر بكل ما هو جميل من مناخ وطبيعة خلابة، ومن مساحات خضراء جذابة، ومن مواد أولية مثل البترول والمعادن، والطاقة الشمسية، تكون من أولوياتها التوق للازدهار والتفوق والاستقرار في مجال الطب والتربية والتعليم، والصناعة والزراعة والاقتصاد والثقافة إلى غير ذلك مما تحتاجه البلاد والعباد..
 
لكننا وللأسف نجد أن تلك البلدان التي تتوفر لها الثروات ولديها الكثير من الإمكانيات، لم تتقدم قيد أنملة، وهي لازالت إلى اليوم ترسف في قيود التخلف والتبعية للغير، وإذا بحثنا عن السبب، وجدناه يكمن في افتقارها للقيادة الرشيدة، ذلك لأن النهضة الحضارية والتقدم والازدهار، لا يكفي فيه توفر الأدوات المادية، والوفرة المالية وحدها، بل هي تتولد عن عمل مجتمعي منظم تحددت مقاصده، وتو ضحت غاياته، وذلك يتطلب وجود قيادة قادرة على تحديد الأهداف، وتحقيق التوافق والائتلاف، لتتظافر الجهود على خدمة الهدف المنشود..

 

والرسول -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة الصالحة في هذا المجال، حيث استطاع أن يتحول بالمجتمع العربي من مجتمع بدوي إلى مجتمع حضري، واستطاع هذا المجتمع الجديد في أقل من خمسة عقود أن يمد سلطانه من الخليج إلى المحيط، ذلك لأن قيادة الرسول كانت ملهمة لسواه، وموجهة لهم، لذلك ما أن انتقل إلى جوار ربه الكريم، حتى استطاع صحابته القيام بالأمر من بعده، وتمكنوا من مواصلة عمله في التمكين للإسلام وتوطيد أركانه، ورفع صرحه وبنيانه، فالقيادة الرشيدة هي وحدها القادرة على أن تجعل من الضعف قوة، ومن القلة كثرة، ومن الفقر غنى، وذلك بما أوتيته من قدرة على التخطيط السليم، والحشد والتنظيم، والإصرار على المضي نحو الهدف العظيم..

 

المناخ الفكري والنفسي الذي نحيط به الأبناء والبنات، هو الذي يؤثر سلبا أو إيجابا على ما يتوفر لديهم من استعدادات للريادة والقيادة، فهو الذي يقمع تلك الاستعدادات ويحول بينها وبين التعبير عن نفسها

والقيادة الرشيدة هي التي تدرك أن أجلها محدود، ووقتها محسوب معدود، فتحرص على أن تعد من يخلفها في القيادة، ويتولى من بعدها الريادة، فتصنع من الشباب رجالا، لا يتهيبون من جليل الأعمال، وطلب الغيات وإن كانت بعيدة المنال.. وكذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي اجتهد في تكوين صحابته َ رضي الله، عنهم ولم يكتف في تربيته لهم بالأمر والنهي، وبالقول والنصيحة، بل جعل من نفسه قدوة لهم، يترسمون خطاها، ويهتدون بإشعاعها وسناها.. كانت الأخلاق الحميدة والصفات المفيدة يرونها رأي العين ولا يقرؤونها من كتاب، يرونها مجسدة في بشر منهم، فتتحرك لها نفوسهم، وتهفوا إليها مشاعرهم وتنجذب لها عقولهم، فكل منهم نهل منها بقدر ما يحتمل كيانه، وطبقها على نفسه أولا، ونهل منها من هو أمامه، بحب لا بكراهية..

 

صحيح أن القيادة تتطلب استعدادات وراثية، لكن تلك الاستعدادات لن تنضج وتثمر إلا إذا أحسن المحيط احتضانها، وهيأ لها أسباب النمو والاكتمال، وهنا يتحدد دور الأسرة والتعليم، ومساهمتهما في اختيار القيم والمبادئ التي ستشكل فلسفة الحياة لأبنائنا وبناتنا، والوالدين التي هم النواة الأولى التي تسهم في غرس تلك القيم، عبر تلك الإشارات وتلك الكلمات ،التي تعطي للطفل دروسه الأولى في الأخلاق الفاضلة، ابتداء من التوجيه السليم، والقصة الهادفة، والنزهة الإيجابية، ثم يأتي دور المعلم القدوة، الذي يتقن مهارة إيصال المعلومة الهادفة، ويعرف كيف يذلل الصعوبات التي تعترض سبيل التلميذ، بما يجعله قادرا على الفهم والاستيعاب، مما يسهم في تطوير قدراته، وتنمية ملكاته، من غير عنت ولا إرهاق، أو شخصية هامة يحتذى بها، أشار إليها خطيب في مسجد، أو جسدها ممثل في مشهد، حدثه عنها معلم شفيق، أو والد حان رفيق، فيظهر الشعور بالمسؤولية الاجتماعية عند هذا الطفل، ويشاهد لديه الميل إلى مساعدة الآخرين، وعمل الخير مع ذوي الأرحام، وكل ما هو إيجابي من اهتمام وطموح، وتنمو الفكرة لتصبح مشروعا وهكذا..

 

وإذن فإن المناخ الفكري والنفسي الذي نحيط به الأبناء والبنات، هو الذي يؤثر سلبا أو إيجابا على ما يتوفر لديهم من استعدادات للريادة والقيادة، فهو الذي يقمع تلك الاستعدادات ويحول بينها وبين التعبير عن نفسها، أو هو الذي يعمل على تحريرها وتمكينها من النمو السليم، حتى تحقق المستوى المطلوب من النضج، الذي يجعل أصحابها إذا قادوا أفادوا..

 
وهذا هو عين ما نبه إليه كتاب "عالم الأفكار" للمفكر الجزائري مالك بن نبي -رحمه الله- بقوله: "لقد أرانا تاريخ ألمانيا الحديث، كيف أن بلدًا شهد الانهيار الكامل لعالم أشيائه قد استطاع باحتفاظه بعالم أفكاره أن يبني كيانه من جديد". فالقيادة الرشيدة، يبرز دورها في قدرتها على التفكير القويم، والتخطيط السليم، والضبط والتنظيم، والإلهام والتعليم.. ومن هنا يتضح أن افتقار بعض دولنا العربية لهذا النمط من القادة، هو الذي جعلها ترسف في التخلف، على الرغم من امتلاكها للوسائل والأدوات، والأموال والثروات، حقا كم من قوم غاب رشدهم، عندما غاب مرشدهم..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة