جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
98

فاطمة بن محمود والشعر في زمن الكوليرا

16/4/2018
يقول أرسطو في كتاب بويطيقا (فن الشعر) بأن المأساة هي محاكاة لفعل نبيل تام والكوميديا هي محاكاة لفعل حقير ناقص. إنّ تأصّل الشعر بين ثنائية المأساة والملهاة قد فتح الباب على مصراعيه أمام تيارات شعرية متباينة، انحسرت جلّها بين القصيدة العمودية والقصيدة النثرية. وقد انقسم النقّاد بدورهم بين محافظين متعصّبين للقصيدة الكلاسيكية ومآلهم في ذلك الجودة الشعرية التي تحظى بها القصيدة العمودية ومتفتّحين على قصيدة النثر مآلهم في ذلك اطروحة سوزان برنار في رسالتها الشهيرة: قصيدة النثر من شارل بودلر إلى يومنا هذا. و في خضم هذه الارهاصات تطل علينا الناقدة والشاعرة التونسية الكبيرة فاطمة بن محمود لتؤسس حاضنة جديدة للشعر ضمن قصائدها بعيدا عن سجالات التنميط.

فلئن دفع مصطلح التجريب في الرواية الناقد المغربي الكبير أحمد بوزفور إلى اطلاق صيحة فزع تنبّه إلى ضرورة التصدّي لأيّ محاولة مجهولة العواقب تمس منظومة الشعر الحديث تحت مسميات عدية كالتجديد و التجريب، معتبرا ذلك تشريعا للرداءة هو أشبه بعملية تجميل، قائلا أنّ هناك فرق شاسع بين التجريب و التخريب، كانت أيضا الشاعرة فاطمة بن محمود قد نبّهت إلى ضرورة التصدّي إلى ما اسمته بالتحيّل على المصطلحات لفتح ثغرة تشرّع للرداءة تحت مسمّيات عديدة كالتجريب و الحداثة وعصرنة الشعر... فالحداثة مفهوم ملتبس و مراوغ، وهذا أحد أسباب الكم الهائل من السجالات التي دارت حوله تاريخيا.

والحداثة في الحقيقة حداثات وليست حداثة فردية واحداة محددة. والحداثة فعل ناقص يبحث عن تمامه باستمرار حسب الناقد هابرماز، إنه من هذه الناحية الانطولوجية يشبه عالم اليوتوبيا والكمال ومفهوم المدينة الافلاطونية الفاضلة. دون أن ننسى او نتجاهل فكرة التسليم بطرح مفاده أنه لا يمكن أن يتحقق أو ينجز هذا الأمر في عالم الكون والفساد حسب تعبير الفلاسفة من سقراط إلى مالك بن نبي. فالحداثة كما تظهره قصائد فاطمة بن محمود، تبقى في أفق ما ينبغي ألا يتم وما ينقص الزيادة قبل التمام.

الحداثة في مفهومها التاريخي المتداول، كانت من إنتاج الفكر الغربي، ولاسيما ما تم التعبير عنه في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، أي عصر الأنوار الأوروبي. عصر العقلانية والكرامة الإنسانية في ذلك الفكر الفلسفي العميق الذي قام على ثنائية الشك واليقين. فحين تم إحضار الإنسان بالقوة ليشارك في صنع حاضره ومستقبله وهي قوة فكرية لا جسدية، تحديدا بعد أن كان هذا الإنسان مغيبا عن واقعه السياسي والاجتماعي والثقافي... كانت روحه في قبضة المعبد الكهنوتي وجسمه في خدمة التصريف الإقطاعي. فالحداثة من إنتاج الفكر الغربي حصرا، لتحرير الإنسان الغربي بالذات اثنيا وعرقيا، فحين وضع هذا الفكر تراث الغرب وعقائده فوق غربال النقد العقلاني الصارم وخاصة مدرسة فرنكفورت النقدية لم يفكّر في بقية الشعوب بل ذهب على اعتبارها شعوب لا ترتقي لتقبّل النتاج الحداثي كما قال جون جاك روسو بأنّ بعض الشعوب لا يمكن ان تعيش بالديمقراطية.

فلقصيدة فاطمة بن محمود ما يشبه التابع الذي يتكلم بلسان الناس ويعبر عن حالتهم وهواجسهم وتطلّعاتهم... فقصائدها ليست مادّة كلامية تجعل الناس مجرد موضع للكلام، كما يزعم البروفيسور لاكان ومريدو التحليل النفسي. فشاعرتنا قد فجّرت اللغة الشعرية خارج قصيدتها قبل أن تفجّرها من الداخل وفق الأبعاد الشعرية الثلاثية: المبنى والمعنى والمغنى. ومصطلح تفجير اللغة الذي شاع مع مطلع الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، والذي ردده معظم شعراء الحداثة العرب منذ منتصف القرن العشرين، حيث لا نكاد نجد شاعرا لم يشك ويتذمّر مما أسماه خليل حاوي بـجدار اللغة، ولا نكاد نجد شاعرا لا يدعو إلى التخلص من صرامة النحو والقواعد اللغوية الثابتة.
فسنكون أمام ركام من الاسهال اللغوي الذي يخدش أذواقنا قبل أن يخدش اللغة


الأمر الذي دفع الشعراء وانصار التجديد إلى النحت والاشتقاق وإقامة العلاقات الغرائبية بين ألفاظ ليس من عادتها أن تنسب إلى بعضها لإنتاج صور شعرية مدهشة، وهذا ما أسمته الناقدة فاطمة بن محمود بكوليرا الشعر، حيث قالت بأنّ الشعر أضحى مجرد لعب باللغة وألفاظها. قد لا ننكر أنّه قد يكون الشعر في بعض حالاته لعبا في اللغة وبها، فهي المادة الخام التي يصنع منها الشاعر قصائده، ولكن في قصائد بن محمود ليس لعبا باللغة لأن الأمر إن وصل إلى حد اللعب باللغة كما نجد ذلك في كثير مما ينشر في الصحف والمجلات والمجموعات الشعرية والكتابات الفايسبوكية، أو ما يلقى في الأمسيات والمهرجانات والفعاليات، فسنكون أمام ركام من الاسهال اللغوي الذي يخدش أذواقنا قبل أن يخدش اللغة. وقد عبر محمود درويش عن مقته لهؤلاء الذين قال عنهم بأنّهم يشبهوننا ويقترفون باسم الشعر الموبقات بحق اللغة.

ختاما، عندما كتب الروائي الكولمبي الكبير غابريال غارسيا ماركيز رواية الحبّ في زمن الكوليرا، كانت هذه الكوليرا تحصد الأجساد فقط، لكن كوليرا الشعر التي حذّرت منها فاطمة بن محمود تحصد العقول لما فيها من ملابسات تجمع المتردية والنطيحة تحت مساحيق تجميل عنوانها الحداثة وما بعد الحداثة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة