من يستحق لقب قارئ؟

18/4/2018
ثمة حضن أوسع أفقاً، أقل تشدداً، أكثر دهشة من حضن الكاتب لكلماته، هو حضن قارئ نهم يتنفس الخيال. بين الكاتب والقارئ حوار غير منقطع، فإن كنت في حضرة الكلمات فأنت حتماً في ضيافة كاتبها.
 

لعل الشغف بلقاء القارئ بنصه أول ما يهاجم الكاتب من مشاعر فور الانتهاء من كتابته، وهو ذاته الذي ينتقل للقارئ فور صيده لكتاب أو نص ما، فأن يقع اختيار القارئ على نص لقراءته هو صيد يحتاج مهارة عالية وقد يحتاج إلى مشورة وبحث. القارئ المبدع صياد ماهر، والقراءة دعوة للقاء الكاتب بكلماته وأفكاره، هي دعوة لجدل فكري يختبئ بين الكلمات، هي نهر من الدهشة. قراءة كتاب تعني بالضرورة حوارًا عميقًا لكنه ساكن متدفق بين كل كلمة وما يتلوها من كلمات، حوار يعرج بالقارئ لعلاقة مع قارئ آخر فهم شركاء الأفكار والجدل.. هو حب خاص من نوع ثقافي يحكمه أثر الكلمات على النفس، دهليز الأفكار لا مرسى نهائيًا له، مرساه حوار متجدد.

 

الكاتب رسول فكره نبوءته

"أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض" هكذا قال شيشرون واصفاً فلسفة سقراط، وأنا أرى أن بعض الكتاب أُنزلوا من السماء إلى الأرض، كم من كاتب حطمت أفكاره أصناماً عاشت في أدمغتنا، لم يكن سهلاً عليهم أن يشقوا الطريق إلى عقولنا، وحدها الكلمة لها أثر المعجزات... من فرقتهم المدن وحتى العقائد والأديان يجمعهم حب كتاب، ما من تعويذة قادرة على إبطال سحر كتاب... غريب سحر الكتب.

 

مد وجزر
فهم القارئ لما يرمي إليه الكاتب يأتي نتيجة قراءة عميقة وتراكم قراءات سابقة لكتاب آخرين، ويعكس المؤلفات التي قرأها وتأثيرها عليه وإدراكه لها

الأفكار ليست على قارعة الطريق كما يخبرنا البعض، حياتنا ترقد على قارعة الطرق. لكل فكرة جذورها المترسبة فينا، ولكل كلمة أثرها وقد لا تمثلنا جميعاً، لكن حرفاً واحداً قد يروي ألم أحدنا أو يترجم سعادته، الأحرف كما تجتمع لتشكل أسماءنا تجتمع لتكتب سيرنا وهمنا وأرقنا بأسماء مستعارة، نحن نعيش بتلك الكتب وهناك من ينوب عنا داخل صفحاتها. هي علاقة مد وجزر تحكمها قوة جاذبية الفكرة وقربها من قلب القارئ، هائمة فوق مستوى منسوب الفكر، أو أقل جاذبية، منخفضة تحت مستوى التوقعات.

 

لكل نص طرفان لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، لكل نص كاتب جمع الحروف ليكوّن فكرة وقارئ فكك أحرفها لتتصارع في مخيلته حتى تستقر في إحدى غرف الرأي، قد تكون مطاوعة لما أراد منها كاتبها، أو طرأ عليها تغيير، أو تحولت إلى شكل آخر حين تزاوجت مع آراء قارئها، أو رمى بها بعيداً رفضاً لها، فوطن الكلمات قارئها ومنفى الكلمات قارئها، والنص جنين يخلقه كاتب ويلده قارئ ويجهضه جاهل.

 

على ردهة كتاب تكون أجمل اللقاءات وأصعب الوداعات

 

 

ينقل الكاتب من خلال كلماته تجربته الشخصية وآراءه، ينقل تجربة حياة عاشها بنفسه أو لم يعشها بل كانت قريبة منه فتأثر بها، لكنها في كلتا الحالتين نتيجة معركة ذهنية خاضها ليكتب نصه، وثار في مصنع الأفكار الذي أرقه وأجهده حتى ينتج كتابه، لذلك يسعى الكاتب عن سبق دراية لتقديم فكر يليق بذاكرة قارئ تؤرقها معاني الحروف، لأن الفكرة الجميلة تتحرش دون ملل بفكر القارئ لتجبره على احتضانها، وقد يغافلها القارئ ويثق بها وهو الدور الأصعب للكاتب والأدق للقارئ، يواجهان مسؤولية هذا الخطر الذهني معاً.
 
الأصعب من هذا اللقاء الثري وداع كتاب رافقك أيامًا وكشف بصداقته لك أسراراً فكرية ولمس مركز الفضول لديك وأثار بك البحث عن النهاية لتجد البداية، غالباً ما يلازمنا الحزن مع نهاية قراءة كتاب ألفنا معانيه ووثقنا بأشخاصه. مرارا واجهت هذا الوداع وهمت بحثاً عن صديق جديد يشغلني ما يرويه عن فراق صديقي القديم.. بوداع كتاب نواجه امتحان الحزن لقواعد الحنين.

 

من يستحق لقب قارئ؟

فهم القارئ لما يرمي إليه الكاتب يأتي نتيجة قراءة عميقة وتراكم قراءات سابقة لكتاب آخرين، ويعكس المؤلفات التي قرأها وتأثيرها عليه وإدراكه لها. من يستحق لقب قارئ يستحق أن تهديه الحياة أجمل ما فيها لأنه الأكثر سفراً وتجوالاً وإبحاراً في كل الخبرات التي نقلتها إليه النصوص، ومن يفهم الحياة تعيد إليه فهمه لها بسعادة وحده يدرك لذتها، وقلة هم أولئك السعداء المترفعون الذين يرفضون شبراً واحداً للجهل على أرض المعرفة وسمائها وبحرها.

 

هناك قارئ مبدع وقارئ ملهم وقارئ مغيّر ومرشد، وصفة "قارئ" لقب لا يستحقه كل من تعلم القراءة، لأن القراءة فن ومنهج ومراس ... لقب "قارئ" هو تقدير لصاحب الجدارة باستحقاقه، هو القادر على اختزال قراءاته لولادة فكر يثريه الحوار.

 

وشكراً لكل قارئ..

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة