مروى عبد الرزاق
مروى عبد الرزاق
229

المدجنة التي يحكمها ثعلب

19/4/2018

إن الديكتاتورية السياسية هي شكل من أشكال الحكم المُطلق، حيث تكون سلطة الحكم محصورة في شخص واحد كالملكية أو مجموعة معيّنة كحزب سياسي وديكتاتوري عسكري. كلمة ديكتاتور سياسي مشتقة من الفعل اللاتيني "ديكتاتوس" بمعنى يُملي أو يفرض أو يأمر وللديكتاتورية السياسية أنواع حسب درجة القسوة، فالأنظمة ذات المجتمعات المنغلقة التي لا يسمح لأي أحزاب سياسية ولا أي نوع من المعارضة كالنظام المصري على سبيل المثال هو مثل للانغلاق السياسي.

 

تعمل هذه الأنظمة جاهدة لتنظيم كل مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية وتضع معايير للأخلاق وفق توجهات الحزب أو الفرد الحاكم تسمى أنظمة شمولية مثل ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي والفاشية يمكن اعتبارها نسخة متطرفة من السلطوية حيث أن الأنظمة السلطوية لا تتحكم في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية للبلد من الناحية النظرية على الأقل.

 

الأنظمة السلطوية بشكل أدق هي الأنظمة التي لا تحكم وفق أيدولوجية سياسية محددة ودرجة الفساد فيها أعلى من تلك الشمولية. وقد سبق " للمعري" أن قال "يسوسون الأمور بغير عقل، فينفذ أمرهم ويُقال ساسة". إن هذه الأنظمة الديكتاتورية التي تمارس سياسة الرأسمالية والقمع الممنهج لا تهتم بحقوق الإنسان، بل هنالك منطق رأسمالي يحكم بشكل كبير في الدولة.

 

السلطة هي قدرة شخص معيّن أو منظمة على فرض أنماط سلوكية لدى شخص ما. كما أن السلطة التي عرفها المواطن العربي عليها هي مناقضة لمبدأ التعاون

ظهر في فترة ما بين الحربين عدد من الأنظمة السياسية التي وصفت من قبل أصحاب الفكر الليبرالي بالدكتاتورية الرأسمالية اللاأخلاقية القامعة للشعب وحقوقهم كالأنظمة الفاشية، حيث اتسمت تلك الأنظمة حسب الليبراليين بسمات الديكتاتورية مثل نظام الحزب الواحد ولعل نظام الحكم الجزائري لعينة على نموذج هذا الحكم أيضا. فتعبئة الجماهير بأيدولوجيا النظام الحاكم، السيطرة على وسائل الإعلام وتحويلها إلى بوق للدعاية لصالح النظام كان واضحا في أغلب الدول العربية.

لقد ذهب العديد من السياسيين حول الإتفاق بأن حقوق الإنسان مسلوبة في الدولة الديكتاتورية فالحقوق التي يتكلم عنها النظام الرأسمالي ماهي إلا حقوق خاوية. إذ هنالك فرق بين حقوق الإنسان الموجودة والمنشودة، لأن عبارة الإنسان تطلق على مفهوم مجرّد ومطلق يفترض أنه يشمل كل البشر رغم اختلافاتهم، في حين أن المواطن عبارة ترتبط بمفهوم واقعي عملي للإنسان، هذا الذي يجعل منه فردا فاعلا ينتمي إلى شعب ووطن محدد.

 

إلا أن مفهوم الإنسان الكوني المطلق هو وهمي بما أن مبادئ حقوق الإنسان الأصلية صاغها الدستور الفرنسي سنة 1793 "وهو دستور يحمل تشريعات ضمنية عامة وضعت بعد الثورة الفرنسية، لتحمي الأفراد من كل أشكال الاستعباد.." رغم ادعاء الطابع الإنساني المفترض أي الإنسان الذي لا يحدد وجوده في حيّز ما قد تستعمل هذه المبادئ من أجل تظليل المواطن وإيهاما منه بأن له حقوق.

 

إلا أن هذه السيادات تستعمل مثل هذه المفاهيم كالحقوق، حرية التعبير... لاستمالته وكسب ثقته فهي تملك ببراعة ذاك الخطاب الأيديولوجي المخادع التي توهمنا به الدولة ليوقع بنا ولعل واقعنا العربي اليوم لأكبر عينة على ذلك، فالخطاب الأيديولوجي الذي صُدر لنا عن طريق الإعلام والثقافة والعولمة الجديدة يسعى وراء مصلحة الدولة الخاصة وتخدم أجندات معينة. فهي تشتغل على بناء فرد غير مولع بحريّته والتنازل كليا عن حقوق الإنسان الطبيعية لصاحب السلطة.

 

وعلى المواطن أن يُطيع الحاكم والذوبان في إرادته مقابل تأمين الأمن والسلم وغير ذلك قد يؤدي بالشعب إلى الفوضى. إن السلطة هي قدرة شخص معيّن أو منظمة على فرض أنماط سلوكية لدى شخص ما. كما أن السلطة التي عرفها المواطن العربي عليها هي مناقضة لمبدأ التعاون. فتبنى أنماط العمل نتيجة فرض السلطة يسمى الانصياع، والسلطة كمصطلح يشمل غالبية حالات السيادة وتطبق السلطة استنادا إلى قوة اجتماعية معيّنة. فإذا قرر جميع رجال الدولة التمرد على سلطة الحاكم فستُسلب منه السلطة والصلاحية غير أن مجرد وجود الصلاحية بشكل جزئي يتيح لها أن تصبح كاملة. 

 الدولة البوليسية أو الدولة الشرطية هي دولة تمارس فيها الحكومة إجراءات قمعية صارمة ضد المجتمع والسياسة والشعب

الجزيرة
 

إن القمع السياسي أو الكبت السياسي هو اضطهاد فرد أو مجموعة لأسباب سياسية يهدف إلى تقييدهم أو منعهم. ويمكن أن يتجلى الكبت السياسي بسياسات تمييزية، أو انتهاكات لحقوق الإنسان كالتنصت، التجريد من حقوقه ومعاقبة النشطاء السياسيين والمعارضين بشكل غير قانوني. وإذا كان الكبت السياسي منظم من قبل الدولة، فقد يعد ذلك إرهاب دولة، أو إبادة جماعية أو جريمة سياسية أو جرائم بحق الإنسانية كما فعله بشار الأسد ضد السوريين الذين طالبوا بالحرية.


إن الكبت السياسي العنيف المنظم يعتبر سمة معتادة للأنظمة الدكتاتورية، والأنظمة الشمولية إلا أن تلك الأنظمة لا تستأثر بممارسة الكبت السياسي، فثمة أنظمة ديموقراطية تمارسه كذلك، ولو بشكل أقل. فالإجراءات القمعية هي الإجراءات العنيفة التي تتخذها الحكومة ضد الخارجين عن النظام وعن القانون وهي إجراءات لا يمكن تبريرها زمنا طويلاً وتتم في أضيق حدود.

 

حسب تصنيفات مؤشر حرية الصحافة لعام 2008 وفقًا لمراسلون بلا حدود، فإن الدولة البوليسية أو الدولة الشرطية هي دولة تمارس فيها الحكومة إجراءات قمعية صارمة ضد المجتمع والسياسة والشعب. ويتبع قاموس أوكسفورد الإنجليزي بداية ظهور المصطلح " الدولة البوليسية" في اللغة الإنجليزية إلى عام 1851. فقد استخدم المصطلح الألماني " بوليزي ستات" في اللغة الانجليزية في الثلاثينات من القرن العشرين للإشارة إلى الحكومة الشمولية التي بدأت تظهر في أوروبا.

 

ففي أوقات حالة الطوارئ أو الحرب، يختل التوازن الذي قد يؤدي عادة بين الحرية السياسية والأمن القومي. هذا التحول قد يؤدي إلى ظهور شكاوى بأن الأمة المعينة أصبحت أو سوف تصبح دولة بوليسية. ولو عدنا للتاريخ الإغريقي أي اللحظة الإغريقية لنجد أن المفهوم السياسي القمعي شكل اللحظة الإغريقية وتعتبر اللحظة الحاسمة في الفلسفة السياسية، ذلك أن كل من " سقراط وأفلاطون فأرسطو" قد تحدثوا عن علاقة المواطن بالسيادة والمدينة بشكل مطنب.

 


ولعل كتاب " الجمهورية لأفلاطون" وكتاب "السياسة لأرسطو" ومواقف "سقراط" والتزام هذا الأخير لكشف زيف السياسة القمعية مما كلّفه الإعدام لعينة على ثراء الحقبة الإغريقية التي شهدت القمع السياسي. كما أن تجربة " أفلاطون" المباشرة مع الطاغية في غاية الأهمية وخاصة أظهر ذلك في الصفحة السابعة من كتاب الجمهورية، فلم يكن " أفلاطون" صاحب أول نظرية فلسفية عن الطغيان السياسي فحسب، بل لأنه أول فيلسوف شخص الطاغية الذي قام بإعدام الرمز "سقراط " وهذا ما دفع "أفلاطون" أن يقابل الحاكم المستبد وجها لوجه.

 

لقد أكد "فولتير" بقوله "أينما وجدت السلطة وجد العنف" أنه لا وجود لديمقراطية مطلقة أو دولة عادلة وقد حاز هذا المفهوم مع "فوكو" أهمية قصوى وقد ظهر في كتابه الشهير "المراقبة والعقاب" لدلالة على هذا التمشي في تعريفه للسلطة. فقد سبق ل"فوكو" وعرف تعريفا براغماتيا دقيقا لاستراتيجيات السلطة وذلك عبر بيانه للاستعمالات المختلفة القمعية قائلا " تستعمل استراتيجيات آليات السلطة للتدليل على الوسائل المستخدمة للوصول إلى غاية معينة". 


لئن كان الدستور الذي ينص " بحق الشعوب في تقرير مصيرها "حبرا على ورق. فالحق والحرية والكرامة الإنسانية باتت في يد صناع القرار ولا يوجد ديمقراطية مطلقة ولا حتى حقوق الإنسان ولذلك فقد بقيت القوى الرأسمالية والدول الكبرى هي التي تحكم الشعوب الضعيفة كالعالم العربي ولذلك فإنها سياسة "المدجنة التي يحكمها ثعلب".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة