جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
155

جمالية الحرب في القصّة القصيرة

19/4/2018

يقول القاص محمّد عبد المجيد في أقصوصته حكايات السهوب: الحرب هي الحرب، ولسنا في نزهة. إنّ الحديث عن مسألة التجنيس داخل لجنس الواحد بمعنى الأصل والفرع هي ضرب من ضروب الخداع الفكري، فالجنس الأدبي مهما تفرّع يبقى يصدر من سراج واحد. هذا ما يمكن أن نبدأ به حديثنا في هذا المقال عن مفهوم أقصوصة الحرب أو ما يعرف بالفعل القتالي في السرد.
 
لنتّفق أوّلا أنّ قصّة الحرب ليست نوعا مستقلاّ في خضوعها لجهاز المفاهيم الأدبية من حيث استقلاليتها كجنس أدبي داخل الأقصوصة. فهي أقرب إلى التجربة الادبية منها إلى الجنس الادبي، وتفرّد هذه التجربة هو في الواقع معيار جدّتها في طرح موضوع الحرب والقتال كمادّة سردية لها أبعاد استيتيقة على الرغم من المعجمية الدموية التي تحيط بها. إنّ جمالية أقصوصة الحرب تكمن في تميّزها عن بقية أنماط القصّة القصيرة بما بات يعرف داخل المنظومة النقدية بالتنازع الثنائي بين الدافع التعبوي للكاتب من جهة والدافع الجمالي الملتصق بالفنّ من جهة.
 
هو صراع خفي يعكس صورة غير نمطية تجمع بين قبح الحرب والقتال باعتبار أنّها ضرب من ضروب الدمار والخراب والقطع مع الطبقة الإنسانية، وبين جمالية التجربة السردية الأدبية للحرب باعتبارها مساحة ورقية تحمل القارئ على الولوج إلى هذا العالم المفترس من خلال باب السرد الفنّي والسحر اللغوي والصنعة الأدبية.. إنّ المادّة التعبيرية داخل أقصوصة الحرب تؤثّر في المتلقّي حسب مستويين اثنين: مستوى أوّل يستمدّ شرعيته من الفضاء الواقعي أي من الحروب التي عرفها الانسان وجرّب ويلاتها، ومستوى ثان يجنح نحو الفضاء السردي الداخلي بخلق عالم فنّي يشرع فيه في مهمّة رسم الجمال نحو القول الشهير: خلق الجمال ليس المهمّة الأولى للفنّان دائما.
 

هل كلّ قصّة تحتوي على أحداث قتالية يمكن اعتبارها قصّة حرب؟ القتال ليس الحرب والحرب ليست القتال، فعالم الحيوان مثلا مليء بالقتال لكن لا يمكن الحديث عن حروب حقيقية

إنّ جمالية أقصوصة الحرب، قد جمعت بين الفكرة المعروفة عن الحروب والأفعال القتالية بما هي موت وفناء ودم.. وبين روح سردية أدبية متسامحة في غالبها نزعت نحو التبرير لما هو كائن في الغالب. ولكن بعيدا عن التساهل أو العصبية، يمكن الجزم بأنّ الحرب في القصّة القصيرة كالحبّ تماما ق أصبحت قيمة جمالية وفنية لا يمكن تجاهلها على اعتبار أنّ وظائفها عديدة تلتقي كلّها في نقطة تماس الا وهي الشفرة أو الكود أي العلامة القيمية الدالة على فاعلية عنصر البناء التاريخي والتوثيقي من جهة الواقع المعرفي وبين البناء الجمالي والفنّي من جهة الخيال الأدبي.
 
ودون أن ننسى، فقد عبّر عديد النقّاد لفترات زمنية متفاوتة عن اعتقادهم التام بكون أقصوصة الحرب توثّق أساسا لأحداث الحرب بمعنى أنّها تحمل في داخلها ذاكرة لا يمكن محوها خارج السرد أو داخله. هذا الطرح بما فيه من جدّية لا يمكن التسليم به في صفة الاطلاق كون عملية التوثيق كانت بالأساس نتاجا لتأثير الوظيفة التوثيقية للشعر الجاهلي والعربي القديم ونختص بالذكر شعر ما قبل الإسلام. نحن نقصد هنا عملية التوثيق النفسية التي تحدثها جمالية أقصوصة الحرب في الجانب الوجداني للقارئ. فهذا التأثير يعتبر أهم ميكانزمات الضبط الفنّي والجمالي الذي يتّخذ من الأحداث الكبرى في المنظومة الإنسانية شكلا من اشكال الرمز المعبّر كما عبّرت عن ذلك الناقدة سوزان لانجر.

 

لكن السؤال المطروح هنا والذي قد يمثّل تهديدا منهجيا لهذا المقال: هل كلّ قصّة تحتوي على أحداث قتالية يمكن اعتبارها قصّة حرب؟ الجواب الشافي هنا يمكن في باب التعريفات فالقتال ليس الحرب والحرب ليست القتال، فعالم الحيوان مثلا مليء بالقتال لكن لا يمكن الحديث عن حروب حقيقية في الواقع الحيواني. فالحرب امتياز إنساني لما فيها من خطط واستراتيجيات واشكال تنظّم تحتاج إلى العقل والعقل طبعا ميزة انسانية صرفة.

 

إنّ أقصوصة الحرب ليست مجرّد سرد تسلسلي للأحداث القتالية أو توثيق مؤرشف على نحو ما وصفه بول ريكور بل هي تجربة أدبية جمعت بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والمجاز، بين الماضي والمستقبل، بين القسوة واللين... إنّها فلسفة الجمال في القبح وفلسفة القبح في الجمال.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة