محمد الساعدي
محمد الساعدي
399

عندما تقتل العطالة شخصية المتعلم!

2/4/2018

عندما تكبر؛ وتخطوا إلى الأمام نحو الحياة وتكبر، تستكمل متطلبات الحياة وطرق الرفاه فيها؛ من طلب للعلم والاجتهاد في نيل الدرجات التعليمية المختلفة، وتظل جاهدا ومثابرا في دروبه. يتكون في شخصك اعتقاد في أن التعلم استثمار لحصاد المستقبل، ومنفعة للغد، ونتائج مثمرة لائحة في الأفق، وأن المتعلم هو كنز ثمين وبضاعة غالية الثمن، ولا يفرق بين المتعلم وبين توظيفه سوى التخرج والانتهاء من الدراسة..

  

هذا هو الحلم الذي يراوده الكثير منا، وتتبوأ في نفسه منزلة كبيرة وربما تكون أزلية قد تشعبت في داخلنا، ولا نفهم أو نسمع غير تلك المفاهيم إلى أن نصل إلى الواقع ونرى بأم أعيننا أن الأفكار النمطية التي طالما حملنا بها لم تكن سوى غيمة سكنت فينا ثم زالت وولت.. حينها يكثر السؤال ويتردد في نفوسنا الشكوك والأقاويل المتعلقة في حقيقية زرعنا ومثابرتنا، وصحة معتقداتنا التي كانت تقارب بالدينية أحيانا لكثرة تلقي عقولنا بها، وأن الواقع الحالي كأنه ضرب من الخيال وأنه ليس حقيقة نقف فيها.

 

فيحاول الكثيرون منا؛ أن الفرصة مواتية، وربما تتأخر، وأن الأهمية في هذا الوقت تكمن في شد المؤزر وإبداء الصبر والحلم، لعل الأمر مائل إلى التأخر وأنها سنة الحياة، وما إلى ذلك من إسعافات أولية بطريقة نصائحية لتبريد السخانة التي تقارب في قتل الأمل بارتفاع حدتها .ومن ثم يقل الأمل، ويضعف الصبر، ولا يبقى أي شيء يترك مفعولا إيجابيا، والمهدئات الكلامية والفكرية تقل رويدا رويدا، حتى تصل إلى أن لا تستمع حتى إلى أية نصيحة تتعلق بمنعطفات الحياة وأن الانتظار وقبول الواقع من شيم الرجال. فترى كل هذا هراء وكلام لامعنى منه، وأن الحياة تميل إلى جانب وتهجر من جانب آخر، وأن الحظوظ السيئة من نصيبك، ولما وكيف وماذا وليش؟؟ كل تلك أسئلة كلها لا جواب لها، ولا محل لها من الواقع شيئا..

 

يتأثر التوظيف وتكثر العطالة في الفئة المتعلمة عندما تتعرض للاستمالة القبلية، والوساطات والرشاوي.. فهي آفة تؤثر على الإقبال الحقيقي للعلم مادام التوظيف فاسد في أوله

ومن ضمن ما تقول لك نفسك: ما ذا بقي لي؟ ومن هي تلك الشخصية التي أنا بداخلها وأنتمي إليها؟ هل حقا أحمل شهادة علمية من جامعة ذات كفاءة عالية وبتخصص رفيع؟ كيف يتم توظيف غيري، وكنا ننعتهم بالبلاهة والجهالة يوم أن كنا في دور العلم؟ أيحق لهم الرفاهية وبسط الحياة والمناصب الرفيعة؛ ونحن في ضنك الحياة متمكنون؟ يا إلهي أليس منكم رجل رشيد يفهمنا ويعزنا؟ كل تلك الأقاويل والتشكيكات هو ما يصيبه شرائح واسعة من متعلمينا؛ وحتى أجزاء واسعة منها ذوي الكفاءات العالية والبارعون في فنون العلم.. ومن هناك تفقد تلك الأفراد شخصيتها الإنسانية، قبل أن تفقد علمها، وأنها تصير في ركب المجانين نصفيا؛ فالحديث مع النفس والخلوة، والتشوش العقلي يكون مصيرها.

 
وأكثر ما يضر تلك المجموعات هو أن المجتمع التي فيما بينها هو الذي يأخذ وبدور كبير في الإساءة إليها والتسبب في ضرره وذلك في تمجيد المتعلمين وجعلهم ملائكة لا تقل فرصهم وأن الأقدار في صفهم ما داموا هم خريجي جامعات، ومتعلمين أجلاء، ولكن لم يعد يبقى هذا الإطراء إلى أن يتراخى وينعدم بعد أن تتأخر فرص توظيفهم وتدور الأقدار على عكس رغباتهم؛ فحينها يتحولون إلى إعلام مضاد يقلل من قدرهم وينعتهم بالمتكاسلين، والعاطلين عن العمل، وأن لا نفع منهم، وربما بعضهم يوصى أولاده بأن لا يكونوا مثل المتعلمين "الجداريين" نسبة إلى الجدار في جوانب الطرق.

 

وختاما.. المشكلة تكمن في عدة جوانب:
أولها: أن التوظيف وفرص العمل هي في أقدار الحياة وأنها تأتي متى شاء الله سواء أكنت متعلما أو غير متعلم.
ثانيا: المجتمع عليه أن يغير طريقة تفسيره للواقع الحالي، وعليه أن يعتبر أن المتعلم مهما كان متعلما فليس من اللزوم أن يكون العمل مرتبطا فقط بالعلم، وأن لا يستعبد الأقدار.. وأيضا لا يتم تمجيد المتعلم إلى درجة لم يصلها بعد، فهو إنسان عادي قبل كل شيء.
ثالثا: يتأثر التوظيف وتكثر العطالة في الفئة المتعلمة عندما تتعرض للاستمالة القبلية، والوساطات والرشاوي وما إلى ذلك، فهي آفة تقلل من القيمة العلمية وتؤثر على الإقبال الحقيقي للعلم ما دام التوظيف فاسد في أوله.

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة