جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
319

الرواية العربية بين التجريب والتخريب

21/4/2018

عندما أسأل: هل تعرفون محمود درويش؟ للوهلة الأولى يبدو هذا السؤال أحمقا شكلا ومضمونا، فالرجل علم على رأسه نار على نحو ما وصّفت الخنساء أخاها صخرا. فقد كتب محمود درويش قصائد كثيرة ونصوص متعدّدة وصار في مدوّنة الشعر العربي قامة لها اليد الناسخة والقدم الراسخة في الشعر، لكن في الرواية هذا الجنس الأدبي الذي يكتبه الكثيرون، ظلّت الرواية حلماً يراوده طيلة حياته، وقد عبّر عنها صراحة أو هذا ما يقرأ بين سطور إحدى قصائده، كقوله في قصيدته منفى طباق إلى إدوارد سعيد:

هل كتبتَ الروايةَ؟ حاولتُ.. حاولت أن أستعيد بها صورتي في مرايا النساء البعيدات. كما يتضّح هذا في تصريحاته وحواراته الصحفية الكثيرة والمتكررة. إذن في معرض حديثنا عن الرواية، صار لزاما علينا اليوم أن نقرّ بأنّ هناك مشكلة ما تلوح في الأفق وقد بدأت بوادرها منذ زمن ليس بالقصير نسبيا، ونقصد هنا التجريب في الرواية العربية.


يعتبر الفعل السردي للكتابة الروائية بطبيعته الاستغراقية كرونولوجيا ذات المسار العمودي والخطاب المتغلغل في أعماق الشخصية أو الفاعل التي يسميها الدكتور أحمد الناوي بدري بالفعل الذات في الرواية سيميائيا أو بارا سيميائيا، هذا الفعل هو في الحقيقة فعل متجاوز للبراديغم السردي، ومؤجّل لحبل سيرورته ولو إلى حين. وبالنظر إلى الاشتغال العمودي المتزامن للسردية الروائية، بخلاف المنحى الأفقي المتعاقب لفعل القص في القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدّا الذي يتتبع أطوار الرحلة السردية و تداعياتها، لأن خطاب المادّة السردية داخل الرواية غير محسوب نصياً كسرد مستقلّ بذاته ولكنه محسوب تقنيا ومنهجيا كلما اتسع المتن الروائي على حساب استكمال المستندات السردية المتعاقبة في ذهن القارئ والناقد على حدّ سواء، بعيدا عن الإنشائية الخطابية التي تهتز علاقتها بالنص عند كل فعل انقطاع للمدّ السردي.

 

سقوط البعض في فخ سوء فهم التجريب سمح لتجاعيد الرواية العربية بالظهور كأرخبيل من الجزر العائمة وسط محيط شاسع من الإنشاء الخطابي والخطاب الانشائي

ومهما كانت القيمة الجمالية للنص الروائي، فإنها تبقيه في مدار الكلامولوجيا وبدايات الإنثروبولوجيا المتمركزة غائيا ومقصديا على نتاج الخطاب دون خطاب اللغة أو لغة الخطاب، أي حينما يحجب التقاطبات السردية بين بنيات النص وموضعه، نستند إلى قاعدة بيانات صلبة ومتينة هي التي تحمي الرواية من الوقوع في الكلامولوجيا أي طفرة كلامية فقط.

 

إن هذا المدخل للرواية دفعنا اليه حالة الفوضى التي شهدتها الرواية العربية مؤخّرا فيما يعرف بالتجريب. هذه الكلمة التي فتحت الباب على مصراعيه أمام كلّ من هبّ ودبّ لأن يصير روائيا ويكتب سقط المتاع تحت عنوان التجريب. ولا نريد هنا أن يفهم من كلامنا أنّنا ضدّ المدرسة التجريبية، حاشا لله، فهي مدرسة قائمة الذات ولها محاسنها التي أسّست لفعل روائي متميّز. لكنّنا نقصد بمقالنا هذا من حوّلوا فلسفة التجريب إلى لعبة تخريب دون إدراك كنه المسألة أو خطرها على المستقبل الروائي في وطننا العربي. إنّ الأمر الذي أوصلنا إلى هذه الأنيميا السردية والبارونيا الكلامية وحالة الهيبرغرافيا أو ما يعرف بنهم الكتابة هو هذا التساهل مع كلّ جديد، فالرواية العربية تحوّلت إلى ما يشبه السوق الحرّة حيث كلّ البضاعات غير خاضعة لقانون داخلي صارم.

 

إن سقوط البعض في فخ سوء فهم التجريب سمح لتجاعيد الرواية العربية بالظهور كأرخبيل من الجزر العائمة وسط محيط شاسع من الإنشاء الخطابي والخطاب الانشائي، إذ يمكن للناقد المتمرس أن يدرك من خلاله تلك المسافة الفاصلة بين الألفاظولوجيا الفضفاضة المنفلتة من عقال التحكّم وبين المبادئ السردية الواضحة للروايات التي طالعها من قبل وتعارف عليها الجميع والتي سمحت ببروز روايات عربية وصلت للعالمية بل نالت حتى جائزة نوبل للآداب على غرار نجيب محفوظ ورواياته. ونختم حديثنا بضرورة التذكير إلى أنّ التجريب ليس مجرد فكرة أو هيكلة تقنية روائية أو نزوة فنية عابرة او مستقرّة بل هو تيار فني متكامل لم يمسّ الأدب فقط بل نجده في المسرح والموسيقى والسينما والرسم وغيرها من الفنون.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة