أحمد الحكيم
أحمد الحكيم
471

لماذا توقف عن الصلاة؟

21/4/2018

كانت نشأتي منذ نعومة أظافري في المسجد، ليس لأنني أردت ذلك فلم أكن أعي حينها ماذا أفعل الا أنني وجدت من أخذ بيدي وسلمني لشيخي وأنا بن السادسة، أحببت المسجد وكل جنباته ورواده، وبدأت شيئا فشئ أتشرب نظرة التعالي التي يتمتع بها بعض الملتزمين وكأنهم شعب الله المختار، فبدأت رحلتي في انتقاد ذنوب الناس، والتعجب منها، وكيف لهذا أن يسب أو ينظر للحرام أو كذا وكذا وساعدني صغر العمر الذي لم تكن تلوثه ذنوب بعد في هذا التبني الذي أتبناه، ثم مضت الأيام بي وأنا اتقلب بين الكتيبات والشرائط والمساجد وحلقات القرآن حتي ظننت أنني لن أفتن بعد اليوم أبدا من شدة الالتزام ومن شدة التمسك بما يمليه علي شيخي، ولكن كان الواقع مريرا وما خفي كان أعظم، وجدت نفسي ذات يوم أسأل لماذا أصلي؟ ولماذا أعبد الله؟ وهل هو موجود أم لا؟

 

قادني هذا التفكير إلى التوقف عن الصلاة وفعلا استيقظت صباحا ذات يوم قبيل نتيجة الثانوية العامة وقررت عدم الصلاة مجددا حتى أعلم ماذا أفعل.. كنت في السابعة عشر وكنت أحوي بدواخلي كثيرا من الأسئلة التي يجرمها المجتمع ولا أعلم لماذا يتعامل المجتمع مع تلك الأسئلة بهذا العنف والعدوان الذي ولد داخلي استقطاب أشد وأعنف من ردود فعلهم علي الأسئلة التي كنت أوجها أو يجيب بعضهم إجابات لا تشبع رغباتي وتطلعاتي، كل هذا ساعدني كثيرا علي قراري وبدأت القراءة عن الإسلام والرسول صلوات ربي عليه لمدة دامت خمسة أشهر كنت أريد أن أفهم ماذا أفعل ولماذا أعبد المولى عز وجل..

 

بعد تلك الفترة عدت للصلاة مجددا ولكن بفهم غير ذي قبل ولكنه لم يكن يختلف كثيرا فما زالت بدواخلي نفس الأسئلة التي لا أجد لها إجابة لماذا أعبد الله؟ حقيقة الأمر أنني كنت أؤمن بالله عز وجل ولا أعلم لماذا هذا الإيمان؟ وما هي درجته؟ وما هي أسبابه؟ وربما لم أكن أعلم معنى لكلمة الإيمان، إلا أنني نشأت بفطرة وأسرة مسلمة تؤدي الصلاة وفعلت مثل ما يفعلون، ولو كنت نشأت في أسرة مسيحية كنت أيضا سأكون كذلك. كانت لي كثير من الأسئلة لم أجد لها إلا إجابات سطحية لم تُشبع عقلي حينها ولم تقنعني، ولم يكن يروق لي التبرير الأعمى أو الاحتواء دون إجابة.

  

لا تلومن صاحب ذنب، ولا تظن نفسك كبير علي الفتنة فتفتن، انشغل بنفسك وبالطريق الذي تسير عليه ودع الخلق وشأنهم ستسأل أمام الله وحيدا عد نفسك لهذا السؤال جيدا وإذا ماكنت ناصح أحدهم فلا تنهره

وبعد شهور قليلة ابتليت في شغف قلبي وعقلي وحلمي ضاع الحلم الذي كثيرا ما كنت أدعوا الله به وكنت أبيت واستيقظ به تحطمت المشاعر علي صخرة، حلم انتهى ولم يكن أمامي طريق إلا العودة إلى الله جل جلاله .عدت إلى الله ولم تكن العودة كسابق عهدها ولا الأسلوب ولا الكلمات عدت هذه المرة لربي ورأيته ربما للمرة الأولى رأيته في الصبر الذي أنزله علي، والقوة التي رزقني بها، والثبات الذي ألهمني به، وعدم الانكسار إلا له، قلت له أنت إله هذا الكون، وبدأت إيمان مبصر، إيمان نابع من القلب، تذوقت حينها معني كلمة إيمان، وعلمت أن الالتزام الذي كنت عليه كان جميل ولكنه كان ينقصه تلك الحلاوة كان ينقصه هذا الفهم كان ينقصه تلك الروح وهذا الشغف.

  
ربما كانت المرة الأولى الذي أعلم فيها معني الإيمان وحلاوته ولم تكن الاخيرة علي الإطلاق، ثم رأيته في الشر الذي أبعده عني بعد أن بصرني، ثم رأيته في طريق الحق الذي وضعني فيه، رأيته في خير أجله لو كان أتى حينها لكان شرا، رأيته في طريق سوء قطعه، وصحبه صالحة صادقة وضعني بينها، رأيته في أسرة مدين له بكل ما أمتلك وكل حياتي رأيته في مواضع كثيرة .وحتى في ذاك الحلم الذي ضاع مني وفقدت الأمل في تحقيقه حققه لي بعد أعوام، نسيته أنا وما نساه المولي حتى سجدت له وقلت أنت إله تستحق العبادة وكررتها مرارا أنت إله هذا الكون وتستحق العبادة والإيمان وتستحق أن أنحني لك في صلواتي أنت عظيم يا الله أنت جميل يا الله أنت ربي أنت المدبر والمعين.

 

ثم تمر الأيام ومنذ عام بعد أن مضي ستة أعوام على توقفي عن الصلاة كنت مع صديق لي مدخن رغم أنه ملتزم فكنت ألوم عليه هذا وأعنفه وفي كل مرة يبتسم ويمضي حتي انفجر في وجهي ذات مرة وقال لي: "يا أحمد أنا بدخن آه ودا خطأ بس تعرف أن معاي واحد بيزني والعياذ بالله وأنا مسكت نفسي وسيبته ومشيت فبطلع الهم دا في الدخان" تلعثمت الحروف في لساني وأحسست أنني ضربت على راسي بصاعقة وقلت الظاهر أنه مدخن وما يدريك لعله فعل شيء آخر غفر الله له به ما تقدم من ذنبه وما تأخر، نعم يدخن ولكنه ثبت علي واحدة أشبه بموقف سيدنا يوسف عليه السلام.

  

 

الأمر الذي جعلني أعود بالذكرة للحظة التي توقفت فيها عن الصلاة وسألت نفسي هل كانت توقف من أجل الفهم كما كنت تدعي أم أن المولي عز وجل كان يؤدبك ويربيك ويخبرك أن التزامك وتدينك مني ليس فضل منك أو تميز أو "شطارة" لا تلوم علي أصحاب الذنوب أنت الآن لا تصلي مثلهم بل أكثر، وبعد تفكير عميق أدركت الحقيقة أن التوقف كان ابتلاء من الله يؤدبني به وتعلمت لم يكن من أجل الفهم لأنني عندما عدت لم أعد بفهم متغير كثيرا عن ذي قبل. منذ ذاك الحين وتأصلت عندي قاعدة أسميتها "وما يدريك لعل" وما يدريك لعل صاحب هذا الذنب يبيت والعبرات علي وسادته فيغفر الله له ما تقدم من ذنب وما تأخر وأنت يا صاحب الطاعة تبيت مغتر بطاعتك فيحبط عملك وما يدريك لعل بعضهم ظواهره الذنوب ولكن فعل شيء غفر الله به ذنوبه وسيلقي به في الجنة وأنت فعلت كبيرة يلقي بك بها في النار.

 

لا تلومن صاحب ذنب، ولا تظن نفسك كبير علي الفتنة فتفتن، انشغل بنفسك وبالطريق الذي تسير عليه ودع الخلق وشأنهم ستسأل أمام الله وحيدا عد نفسك لهذا السؤال جيدا وإذا ماكنت ناصح أحدهم فلا تنهره ولا تعنفه قدم له اللين فلعلك تكون طريقهم للجنة ويلقي بك في النار احذر.

 

أدركت كثير من الحقائق أن ستارة الالتزام الذي يتوشح بها البعض وتصيبه ببعض النظرات الفوقية ما هي إلا هيكل خارجي هش، وأن رب عبد ظاهره البساطة لو التقيته ما لاقيت له بالا دعوته مستجابة وذاك الذي تحضنه حتي تكاد ضلوعكما تنكسر وتجل له كل احترام ربما باطنه غير الذي يظهر، أدركت أن حديث حبيبي المصطفي قائد المجاهدين "إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت.. -الحديث لم ينتهي ليس العبرة بأن يوفقك الله لهذا العمل ولكن- ثم يقبضه عليه" فكم من مشايخ ضلوا وحادوا عن الطريق وكانوا سببا في أن يهتدي جيل بأكمله وكم من علماء يفعلون الآن عكس ما تحويه كتبهم وكتباتهم الأمر لا يتعلق بثبات فحسب ولا بالتزام بحسب ولا بإيمان بحسب ولا بفهم دون عمل ولا عمل دون نية ولا نية لا يصحبها تجديد ولا تجديد نية يصحبها تعدد الأمر شامل لكل هذه الأشياء أن تكون بالتوازي مع بعضها البعض الأمر أمر دين ودعوة فطوبي لمن امتطي جواد الصدق والثبات والعمل والإيمان فمن صدق مع الله صدقه الله ومن صدق سبق.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة