ما هي السياسة التركية المحتملة شرقي الفرات؟

21/4/2018

حاولت القيادة التركية منذ البداية إقناع النظام السوري بالاستجابة لمطالب الشعب التي كانت بسيطة وخجولة، وتحذيره من الخطر القادم، لكن النظام الذي كان عصيًا على أي إصلاح، لم يكن بوسعه أن يقوم باي خطوة إيجابية لمحاربة الفساد وإطلاق الحريات، والاستجابة لمطالب الجماهير، رغم المظاهرات السلمية في كل المحافظات السورية. لم يكن لتركيا أن تدير ظهرها لما يحدث بجارتها سوريا وأن تغمض عينها عما يجري من ظلم وتهجير ودمار وقتل، فهذا يتنافى مع امتدادها الجغرافي والتاريخي والديني والاجتماعي والإنساني.


قدمت تركيا الدعم اللوجستي وفتحت الأبواب أمام اللاجئين، وسهلت التواجد الفعلي للمعارضة السورية وأقامت لها المنصات لتمارس دورها بكل حرية وأمان. دعمت المجلس الوطني والائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات، ودعمت الجيش الحر والكتائب والجمعيات والمنظمات والحكومة السورية المؤقتة وكل مكونات الثورة والمعارضة السورية.


نتيجة لظروف تركيا الداخلية قبل عام 2015 وسيطرة جماعة فتح الله غولن التي تغلغلت لسنوات في بنية الدولة التركية وشكلت دولة داخل الدولة، لم تقم تركيا بأي عمل عسكري يتعدى نقل ضريح سليمان شاه جد مؤسس الدولة العثمانية على ضفة الفرات الواقع شرقي جسر قره قوزاك في ريف حلب إلى قرية آشمة القريبة من الحدود التركية. بعد افشال انقلاب 15 تموز الذي دبرته وعملت على تحقيقه جماعة غولن المذكورة، وما أن استقرت الأمور نسبيا في داخل تركيا، حتى بدأت السياسة التركية تنحى منحا آخر فيما يتعلق بالقضية السورية.

وجدت نفسها مضطرة إلى شن عملية عسكرية جديدة باتجاه عفرين لإرساء الأمن والاستقرار على حدودها، وفي المنطقة، والقضاء على إرهابيي كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي

ترافق ذلك مع تعاظم مساحة الأراضي التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا والذي تجاوز كل الخطوط الحمراء بالنسبة للمعايير التركية، وأصبحت المسألة بين تنظيم داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي، وكأنها عمليات تسليم وانسحاب، يضاف إلى ذلك خطر تنظيم داعش نفسه الذي بدأ يهدد المدن التركية الحدودية ويقوم بعمليات تفجير في العمق التركي كرد فعل منه على انضمام تركيا للتحالف الدولي ضده، وقررت تركيا التدخل عسكريا في الشمال السوري.


بدأت تركيا عمليتها العسكرية درع الفرات من مدينة جرابلس بالتعاون بين قوات الجيش التركي وبعضاً من قوات الجيش الحر، على رأسها "فيلق الشام" و"لواء السلطان مراد" و"الفرقة 13" و"حركة أحرار الشام" و"أسود الشرقية".

 

وأعلنت الحكومة التركية أن أهم الأهداف المعلنة للعملية هي:
1ـ تأمين الحدود التركية السورية بتحرير المدن الحدودية من قبضة "تنظيم داعش".
2ـ تأمين المدن التركية من نيران الحرب الدائرة في سوريا.
3ـ حجب قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل قوات الحماية الكردية عمودها الفقري، من الاستيلاء على المناطق الحدودية وتشييد ممر يربط بين كينونتها الموجودة في حلب وتلك الرابضة شرق الفرات، وبالتالي ضمان وحدة الأراضي السورية.
4 ـ الحيلولة دون حدوث موجة نزوح جديدة، وإيصال المساعدات إلى المدنيين بشكل أسهل.


تتشكل معركة "درع الفرات"، وفقاً للإدارة التركية، من أربع مراحل:
ـ المرحلة الأولى: شملت تحرير مدينة جرابلس ومحيطها.
ـ المرحلة الثانية: شملت تحرير بلدة الراعي ومحيطها.
ـ المرحلة الثالثة: تحرير مدينة الباب.
ـ المرحلة الرابعة: تحرير منبج والانطلاقة منها نحو الرقة.

 

ولكن مع انتشار قوات أمريكية روسية سورية ـ ممثلة بالنظام ـ في محيط منبج، واختيار الولايات المتحدة وحدات الحماية الكردية لم تتمكن تركيا من اتمام هذه المرحلة، وتوقفت عند مدينة منبج التي يشكل العرب غالبية سكانها نتيجة وعود أمريكية بانسحاب الوحدات الكردية إلى شرقي الفرات، وما تزال المباحثات جارية بين الطرفين الأمريكي والتركي، حيث يدور الحديث هذه الأيام عن خارطة طريق بشأن منبج وأن تنفيذ هذه الخارطة سيتم بعد مباشرة وزير الخارجية الجديد مهامه.


ما لبثت تركيا أن وجدت نفسها مضطرة إلى شن عملية عسكرية جديدة باتجاه عفرين لإرساء الأمن والاستقرار على حدودها، وفي المنطقة، والقضاء على إرهابيي كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية وداعش في مدينة عفرين، وإنقاذ شعب المنطقة من قمع وظلم الإرهابيين بحسب البيان الصادر عن رئاسة أركان الجيش التركي.


بدأت عملية غصن الزيتون التركية في 20 كانون الثاني واستمرت قرابة الشهرين وتم خلالها السيطرة على مدينة عفرين ومحيطها ومازالت المباحثات مستمرة لتحديد مصير بلدة تل رفعت التي طالب سكانها تركيا بالدخول لتحريرها، وبحسب تصريحات بعض المسؤولين الاتراك فإن عملية غصن الزيتون لما تنته، وإنها تهدف إلى تحرير تل رفعت ومنبج وشرقي الفرات وصولا إلى العراق. تعد عملية غصن الزيتون من أنظف العمليات العسكرية في التاريخ الحديث إذا ما قيست مدينة عفرين ببقية المدن السورية التي شهدت عمليات عسكرية، وخصوصا إذا ما قارناها مع مدينة الرقة التي دخلتها قوات سوريا الديمقراطية لطرد تنظيم داعش منها.


أما بالنسبة لشرقي الفرات فيبدو لنا من تصريحات وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو في الأيام الماضية من أن هناك خارطة طريق يتم التوافق عليها من الجانبين الأمريكي والتركي بشأن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية إلى شرقي الفرات تم ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده جاويش أوغلو مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو ينس ستولتنبرغ، كما أوضح جاويش أوغلو أن "الخارطة سيتم تطبيقها عندما يتولى وزير الخارجية الأميركي الجديد مايك بومبيو مهامه"، وأشار إلى أن "البلدين سيقرران من سيدير ويفرض الأمن في منبج". وإذا ما وفت أمريكيا بوعودها في هذا الأمر فأن العمليات العسكرية التركية قد تتوقف ولن تتعدى ما وصلت إليه إلى الآن.

المعطيات على الساحة السورية غير ثابتة وسريعة التغيير، وأصبح من الصعب على المتابع التنبؤ بما سيحدث أو سيجري ما بين يوم وليلة، فاللاعبون كثر أكثر من أصحاب القضية أنفسهم

كما أن تركيا قد تلجأ لعملية الدعم غير المباشر لعناصر وقوات وعشائر عربية سورية في تلك المنطقة بدءا من الرقة وصولا إلى العراق، وهذا ما يلمسه المتتبع للأمور من خلال لقاء الرئيس التركي ببعض زعماء العشائر في مدينة غازي عنتاب في شباط من العام الجاري. كذلك كان الهدف الرئيسي لمؤتمر العشائر السورية الأول في اسطنبول عام 2017 هو رص الصفوف للقضاء على منظمة " حزب الاتحاد الديمقراطي " الإرهابية الجناح السوري لمنظمة "بي كا كا"، وإسقاط نظام دمشق والمليشيات الطائفية التي تحارب إلى جانبه، ومناقشة تشكيل جيش وطني يضم أبناء كافة القبائل والعشائر. جرى مؤخرا أيضا اجتماع للعشائر في الرابع من نيسان الجاري في مدينة أورفا التركية بدعوة من أحد شيوخ عشيرة البكارة السورية وقد حضره قائم مقام ووالي المدينة التركية، وقدرت نسبة تمثيل العشائر فيه بنسبة 60 بالمئة.


كان الاجتماع بمثابة حث أبناء وزعماء القبائل الأخرى على التعاضد وتحرير المنطقة الشرقية من سوريا، التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وعمادها "وحدات حماية الشعب" (الكردية)، كما أكد أن العشائر "تتمنى مساعدة الجيش التركي لإعادة المنطقة الشرقية التي هجروا منها بسبب دخول (قسد)"، وحددت المنطقة بكل من الحسكة ودير الزور والقامشلي والشدادي ورأس العين، وغيرها. توصف العلاقات بين العشائر في هذا الصدد بأنها "تحركات عشوائية دون تنسيق"، إذ يسعى البعض لتشكيل "المجلس الأعلى للعشائر السورية"، دون أي تطور بخصوص الإعلان رسميًا عنه.


وبحسب حديث سابق لإحدى الوسائل الإعلامية مع عضو مجلس العشائر القاضي إبراهيم الحاجي، فإنه من المقرر أن تتشكل المكاتب، خلال الأيام القليلة المقبلة، وأكد أن المشروع "موجه للداخل السوري"، موضحًا نية تشكيل أربعة مكاتب في كل من: اعزاز وجرابلس والباب وإدلب، إلى جانب ستة في أورفة ومرسين وغازي عنتاب وأنطاكيا واسطنبول، على أن تضم أنقرة المكتب السادس والرئيسي.


كل هذه المعطيات قد تشكل لنا ملامح سياسة تركية محتملة تجاه منطقة شرق الفرات في الفترة المقبلة، تتبنى من خلالها الدعم غير المباشر والتنسيق مع عناصر وأطراف محلية تسعى للخلاص من حزب الاتحاد الديمقراطي في تلك المنطقة، وقد يتغير كل هذا، فالمعطيات على الساحة السورية غير ثابتة وسريعة التغيير، وأصبح من الصعب على المتابع التنبؤ بما سيحدث أو سيجري ما بين يوم وليلة، فاللاعبون كثر أكثر من أصحاب القضية أنفسهم. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة