رمضان أحمد بريمة
رمضان أحمد بريمة
1.3 k

إشكاليات الترجمة والكتابة الإنجليزية (2)

22/4/2018
أشرنا في التدوينة السابقة، في إطار سلسلة إشكاليات الترجمة والكتابة الإنجليزية، إلى إشكالية الأسلوب التقليدي المتبع في تعليم اللغة العربية وتطبيقه على تعليم اللغة الإنجليزية، وشرحنا كذلك خطوات تعلم لغة الأم بطريقة فطرية وقلنا أن هذا هو الأسلوب الأمثل في تعلم اللغة الأجنبية.
 
سنتكلم في هذه التدوينة الثانية عن مسألة مهمة جداً في تعلم اللغة الإنجليزية وأي لغة أجنبية، وهي الخارطة الذهنية للغة. تتمتع كل لغة عن غيرها بخارطة ذهنية معينة تجعلها تختلف عن غيرها، ليس من ناحية المفردات فحسب بل ودلالات هذه المفردات والمعاني الإيحائية للمفردات.
 
واللغات عبارة عن عائلات مثلها مثل أنواع الحيوانات فنجد عائلة القطط مثلاً تضم الأسود والنمور والفهود بينما عائلة الكلاب تضم الظباع والكلاب والثعالب الخ. الفروقات بين هذه العائلات تكمن في الحجم والهيكل وربما في بعض الطباع. وبنفس القدر تشترك عائلة اللغات الاسكندنافية في المخارج وتستلف المفردات من بعضها وربما تشترك أيضاً في تركيبة الجملة، فضلاً عن أن ثقافاتها متقاربة. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن عائلة اللغات السامية وعائلة لغات البانتو في أفريقيا.
 
يتعين على من يتعلم اللغة الإنجليزية اكتساب الخارطة الذهنية للغة الإنجليزية، وبعد ذلك إذا استمع للغة لن يجد صعوبة في الاستيعاب المباشر دون اللجوء إلى الترجمة
الخارطة الذهنية للعائلة الواحدة من اللغات قد لا تختلف كثيراً، لذلك من يتعلم الألمانية مثلاً يسهل عليه تعلم الهولندية ومن يتعلم السواحيلية يسهل عليه تعلم اللينغالا والشيشيوا والزولو. ولكن تكمن المشكلة في انتقال الشخص من عائلة لغوية إلى عائلة أخرى، كالانتقال من العربية إلى الإنجليزية لأن المسافة بينهما شاسعة جداً، من حيث البنية اللغوية ومن حيث ثقافة اللغة. وكذلك الإنتقال من اللغات الأوربية إلى اللغات الشرقية.
 
يمكن تشبيه الخارطة الذهنية بلوحة المفاتيح لمن يكتب بدون النظر إلى الحروف، فعندما يكتب بالحروف العربية مثلاً تكون الخارطة الذهنية للوحة المفاتيح مختلفة عما لو كان يكتب بالحرف اللاتيني.
 
إذن، مشكلة الناطقين بالعربية عندما يُقبِلون على تعلّم اللغة الإنجليزية يحتفظون بالخارطة الذهنية للغة العربية فيكون كلامهم -سواءً أكان منطوقاً أو مكتوباً- باللغة الإنجليزية عبارة عن ترجمة حرفية للغة العربية. أغلب الناس يستخدم قواميس ثنائية اللغة فيترسخ لديهم انطباع بأن الكلمة كذا باللغة الإنجليزية تقابلها كلمة كذا باللغة العربية، وما عليه إلا أن يفكر بالعربية ويستحضر المفردات الإنجليزية التي أخذها من القاموس. يواجه الناس في هذه الحالة مشكلة التفكير من اليمين إلى اليسار، بخلاف العربية التي تبدأ من اليمين إلى اليسار. هذه المشكلة تشكل معضلة كبيرة بالنسبة للمترجمين الفوريين الذين يضطر الواحد منهم إلى أن يبدأ من آخر لكمة وقف فيها المتحدث وعندما ينتهي من الجملة يجد المتحدث قد سبقه بأكثر من جملة، والنتيجة أنه سيقدم للمستمع كلاماً متقطعاً! وهنا تبرز فكرة التطابق أو المقابلة! فهل المعاني المقابلة التي نجدها في القاموس ثنائي اللغة هي فعلاً مقابِلة؟ التقابل بين اللغة العربية والإنجليزية مسألة تقريبية، وهذا موضوع يطول شرحه في مقالة منفصلة.
 
استناداً إلى مفهوم الخارطة الذهنية الذي، لا توجد مقابلة بين اللغة الإنجليزية واللغة العربية بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن. وذلك لسببين اثنيت: الأول سبب بنيوي والثاني لغوي. أما السبب البنيوي فالجملة في اللغة الإنجليزية تبدأ من اليسار إلى اليمين كما قلنا والصفة تسبق الموصوف وهكذا توجد فروقات كبيرة في طريقة صياغة الجملة، فيحدث هذا نوعاً من الارتباك في التفكير لشخص يفكر من اليمين إلى اليسار. وأما من ناحية اللغة فإن المترادفات مثلاً في اللغة الإنجليزية هي مترادفات فعلاً بمعنى أنها تعطي نفس المعنى إلى حد كبير.
  
 
بالمقابل فإن مساحة الترادف في اللغة العربية ضيقة جداً لأن كل مفردة قد تشترك مع مترادفها في المعنى العام ولكن لها ظلال ومعانٍ إيحائية تجعلها مختلفة تماماً عن الكلمة "المترادفة". فمثلاً تُسمى حالة خروج الروح من الجسد: وفاة، موت، نفوق، هلاك، انتقال إلى رحمة/جوار الله وهكذا. فالسياق إذن هو الذي يحدد اختيار المفردة التي يجب أن تستخدم. وهذا ما يجعل القرآن الكريم يتفرد باستخدامه للمفردات التي يظن الناس أنها مترادفات فيتبين أن لها معانٍ ظلالية مختلفة. أضف إلى ذلك فإن صعوبة التقابل بين العربية والإنجليزية تكمن في أن المفردة العربية ثابتة ودقيقة في معناها بخلاف المفردة الإنجليزية التي تتغير بتغير السياق. ومن الصعب أن تأخذ كلمة إنجليزية وتسأل عن معناها بعيداً عن سياقها. فمثلاً كلمة Share لا يمكن أن تقف على معنى واحد. يمكن نلاحظها في الاستخدامات الآتية:
 
1. .I have some ideas to share with you
2. .Take this chocolate and share with your colleagues
3. ?Can you please share with me the document
  
المعنى في الجملة الأولى "إطلاع"، وفي الجملة الثانية "تقاسم"، وفي الجملة الثالثة "إرسال"، مع أن الكلمة هي نفسها. فهذه سمة غالبة في المفردات الإنجليزية. يجوز القول بوجود تطابق في المفردات العلمية التقنية باعتبار أنها تشير إلى مفاهيم ومعانٍ لابد من الاتفاق عليها.
  
إذن، يتعين على من يتعلم اللغة الإنجليزية اكتساب الخارطة الذهنية للغة الإنجليزية، وبعد ذلك إذا استمع للغة لن يجد صعوبة في الاستيعاب المباشر دون اللجوء إلى الترجمة، وإذا أراد أن يتحدث يستعين بالخارطة الذهنية دون أن يفكر بالعربية. سنتطرق في الحلقة القادمة إلى الخطوات العملية لاكتساب الخارطة الذهنية للغة الإنجليزية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة