بثينة مقراني
بثينة مقراني
139

علاقات.. حبر على ورق

23/4/2018

قد يكون العالم في تطوّر كبير، ولربما نكون في عصر العولمة، إلاّ أنّ فكر البعض مازال محدودًا، لم تلمس الحضارة بعد عقولهم، لا يرون سوى عيوب غيرهم، ولا يعطون أدنى قيمة للعلاقات وصلة القرابة، جلّ ما يهمهم المال، يزعمون معرفة اللّه وتعاليم الدّين الإسلامي، إلاّ أنهم في حقيقة الأمر شوهوا تعاليمه بأفعالهم من حقد وبغض ونميمة ونفاق، لم تهمهم صلة الدم يومًا نشأوا على القسوة، وترعرعوا على الجفاء والحيلة.


على مدى سنين مضت، وإن قلت سنين فلا أعني بها خمسة أو ستة بل ما يزيد عن إثنين وعشرين سنة ظننت فيها أنّي بين عائلة تحبني لم أحسّ يومًا بغير ذلك أو هكذا كنت أعتقد، نطقت بأوّل كلمة بينهم ومشيت خطواتي الأولى معهم، كانوا سندًا أو هكذا ظننت.. لطالما وقفت بصفهم ضدّ أمّي ظنًا منّي أنّي أقف في المكان الصحيح، لكن لا.. تبيّن لي أنّي على مدى أكثر من عشر سنوات أي مذ أصبحت أفرق بين الخطأ والصّواب وأنا أقف في المكان الخطأ مع الشخص الخطأ، أنّ لي أن أكون على صواب وأنا أقف ضدّ أمي.

 

أذكر جيدًّا نصيحة صديقتي المقرّبة حين قالت: (قفي مع أمك ظالمة أو مظلومة)، كنت ساذجة حينها، بل تلقيت أكبر مقلبٍ في حياتي ولم أدرك ذلك إلاّ بعد فوات الأوان، حين أصبحت على أعتاب من كنت أظنه منزلي، حينها اكتشفت أنّ عائلتي الحقيقيّة هي الّتي تقف معي، لم أتألم يومًا كما تألمت يومها، وكأني طُعِنت بظهري طعنة أودت بحياتي.

 

تعلمت أن الفرح يولد في غمرة الأحزان، والماضي لو كان خيرًا لاستمر في حاضرنا الآن، والحياة مستمرة ولا تقف عند أحد، وأنّ من يحبك بصدق لن يتخلى عنك رغم عيوبك

تألمت لتلك السّنين الّتي أمضيتها بينهم، تألمت غدرهم، نفاقهم، جبروتهم وكيدهم، حينها تجرعت مرارة الخيانة الحقيقيّة، وحينها قطعت وعدًا على نفسي ألا اُخدع بهم مرّة أخرى، بكيت وبكيت ولم تستطع الدموع غسل حزني وإخماد وجعي، لكنّي اكتشفت بعدها أنّه خير، لقوله تعالى في سورة البقرة: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)".

 

وجودي معهم كان شرًا وابتعادي عنهم كان أعظم نعمة حظيت بها، يومها فُتحت أبواب الخير والرّزق علينا، فكلّ ما كنّا ننتظره وكان عسيرًا يسّره اللّه لنا، فعلمت أنّ اللّه لم يحدث أمرًا إلا لأمر أجمل، وأنْ لا أحد يستحق منّي دمعة واحدة سوى أبي، أمي، إخوتي ومن يحبني بصدق.


تعلمت حينها درسًا لن أنساه ما حييت، أنّ الفرح يولد في غمرة الأحزان، وأنّ الماضي لو كان خيرًا لاستمر في حاضرنا الآن، وأنّ الحياة مستمرة ولا تقف عند أحد، وأنّ من يحبك بصدق لن يتخلى عنك رغم عيوبك، وأنّ صلة القرابة لا تكون بالضرورة صلة الدّم فقد نجد الأقرب إلينا لا تربطنا بهم في حقيقة الأمر أي صلة قرابة، لكنهم كانوا ومازالوا وسيظلون الأقرب دومًا بمواقفهم الّتي لا تُنسى، رغم عدم اعتراف البعض بهذه العلاقات لكنّها بنظري أصدق العلاقات وأكثرها وفاءًا.


بعد هذه التّجربة المريرة قرّرت أن لا أغفر لهم ذاك الألم وأن لا أخطوا يومًا أعتاب الماضي، لأنه لم يعد لي مكان فيه ولن أزوره ولو ضيفة، منذ ذلك اليوم لم أخطو خطوة واحدة هناك وها أنا ذا لما يزيد عن السنتين لم أنكث بوعدي ولم أفقد كرامتي، صحيح أنّي عشت هناك لأنّه لم يكن اختياري أنّي ولدت بينهم، وخرجتُ من هناك مُجبرة، لكن الآن لي حرّية الاختيار، فإمّا أن أنسى الماضي وأسامح من لم يعترفوا حتّى الساعة بأخطائهم بل يستمرون بها الواحدة تلو الأخرى، أم أعش مرتاحة البال ولا أكترث بأحد وأتركهم في الجانب المظلم من ذاكرتي، لكنّي في الحقيقة لن أتخلى عن راحة بالي من أجل من لا يستحق.

 لا يمكن للعلاقات أن تُبنى على حبر وورق، بل هي أعظم من ذلك وأكثر قداسة... هي المواقف والحبّ الصادق، هي صفاء القلوب، وصدق النوايا

مواقع التواصل
 

فحين أتذكر دموع والدي وقهره ورجاءه لمن كان من المفروض يعتبر أقرب النّاس له صلبه ودمه، يتمزق قلبي إلى أشلاء، فأنّى لي أن أسامح من عذّب أبي وأبكاه ولم يأبه لرجائه، أنّى لي ذلك؟ لم أعد أؤمن بصلة الرّحم بل أؤمن بالحب الّذي ينبع من القلوب الصافية الصادقة تلك هي القرابة قرابة القلوب لا قرابة الدّم، وأنّى لي أن أنسى تلك الدموع وفي كلّ لحظة يتدفق فيها دمهم في عروقي يُذكرني فيها بأذيتهم وحبّهم الزائف.


في تلك اللّحظة القاسية أخذت وعدًا على نفسي أن أجرعهم مرارة ما ألحقوا بنا قطرة قطرة، فوهبني اللّه نعمة تحقيق هذا الوعد على طبقٍ من فضّة، حين تمت خطبتي على زوجي الّذي هو أحد اقربائهم الأقربون، بعد أن أخفوا عنهم أمر هذه الخطبة ولم يكتشفوها إلاّ بعد تسعة أشهر، حين أعلناها، آن ذاك أحسست ببعض النصر فقد شعروا بالأسى الشديد لإخفائنا عنهم فهم كما يظنون أقرب النّاس لنا حتّى بعدما ألحقوه بنا من وجع، إنّه حقًا لأمر يدعو للضحك أي قرابة هذه الّتي مازالوا يتفوهون بها!

 

لقد انتهت في ذلك اليوم وتلك اللّحظة، ولم يعد لها وجود إلاّ على الأوراق الّتي لا أعترف بها فأنّى لحبر وبضعة وريقات أن تجعل من الخيال حقيقة، فلو كان ذلك صحيحًا لأصبحت القدس عاصمة إسرائيل كما يدّعي ترمب، لهذا لا يمكن للعلاقات أن تُبنى على حبر وورق، بل هي أعظم من ذلك وأكثر قداسة... هي المواقف والحبّ الصادق، هي صفاء القلوب، وصدق النوايا، هي التخلي عن البغضاء والحقد، التغاضي عن أخطاء بعضنا البعض، هي الأخوة في اللّه والحبّ في اللّه.. حينها يمكن لها أن تسمى قرابة، فإن غاب عنصرٌ واحد من هذه العناصر أحدِث خللٌ وهُدّمت هذه العلاقات.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة