تمارة عماد
تمارة عماد
71

العراق موطن الأمراض النفسية!

24/4/2018

في حادثة سابقة من نوعها أقبلت فتاة تدعى "فاطمة زياد" من سكان مدينة بغداد تبلغ من العمر ١٧ عاماً على الانتحار من خلال شنق نفسها حتى الموت .لم تصدر عن الجهات الحكومية المختصة حتى الآن تفاصيل عن الحادثة وأسبابها التي أثارت الرأي العام، وأخذ رواد مواقع التواصل الاجتماعي بتداولها خلال الأيام الماضية، وكانت قد نشرت الفتاة في وقتٍ مُسبق على صفحتها الشخصية في موقع فيسبوك العديد من الكلمات التي تظهر إنها تمر بحالة نفسية سيئة ويأس حاد وعن رغبتها في الخلاص والموت حتى إنها قد تناولت شريط من دواء معين لكنهُ لم يجدي نفعاً وما زالت على قيد الحياة..!

 

إلا أن هذهِ المؤشرات مرت مرور الكرام ولم تدفع احداً من المقربين منها لكي يحتوي حالتها وينقذها من الطريق التي كانت تسير فيه. وفي آخر رسالة لها كانت صرحت بأنها سوف تشنق نفسها بسبب شعورها بالألم والمعاناة المستمرة داخل منزلها، وعن الكره الشديد لوالدتها كونها قاسية معها وتكره شخصيتها الضعيفة وتضع اللوم عليها كونها دفعت بها نحو الهاوية ثم ختمت كلامها عن والدتها بأنها تكرهها ولن تسمحها.

 

أما أخوها بحسب قولها بأنه شخص شرير خبيث ومخادع وتنصحه بدخول كلية الفنون قسم التمثيل! وتذكر أن لهُ دور كبير في دفعها نحو الانتحار، وأيضاً تمنت لو إنه قدم لها الاعتذار لكانت سامحته. وعن أختها مريم فقالت لا تتأثري بموتي ولا تدعي أمي وإخوتي يقتلونك روحياً كما فعلو بي ..الفتاة توفيت ولا نريد الخوض في غمار القضية وتفاصيلها بشكل شخصي يمس فاطمة بذاتها .الانتحار موجود من قبل أن تُقدم عليه هذهِ الفتاة التي لم تبلغ بعد ١٨ من العمر، وما السبب الرئيسي الذي خلق بيئة محفزة لها حتى تدفعها كل تلك العوامل إلى إنهاء حياتها لأسباب نحن لا نعرفها.

 

ما بين فاطمة وضغوط العائلة التي أخذت بها نحو الانتحار وواقع نعيشهُ كل يوم هنالك أوجه شَبه عديدة علينا أن نلتفت لها ولا نغض الطرف عنها بدافع العيب والحرام والعادات والتقاليد

وبحسب تقارير كشفت أن حوادث الانتحار أخذت بالتصاعد بعد العام 2003، ومؤشرات قياس تلك الحالات غائبة، ومحاولات البحث النوعي في الدوافع والأسباب غائبة أيضاً، فيما الحكومات المتعاقبة منذ 2003 لم تضع ببرامجها معالجة ظاهرة الانتحار المتنامية، بل حتى مؤسساتها تتعمد التغاضي عن الاعتراف بذلك. وهناك إحصائيات تشير إلى أن المنتحرون بالغالب اعمارهم أقل من 30 عاماً، لكن المؤشر الاكثر فزعاً انتحار الشُبان الصغار من جيل العام (2000) الذين ولدوا ضمن الحقبة الاكثر ظلامية في العراق، وهؤلاء هم مجرد ضحايا لثقافات القتل والعنف والحروب التي سلبتهم الطفولة والشباب في آن واحد.

  
وعلى الصعيد ذاته وخلال السنوات القليلة الماضية كانت هناك حالات انتحار فردية في المحافظات الجنوبية من البلاد وتعود إلى أسباب عديدة منْهَا فشل دراسي أو عدم وجود فرص عمل لتأمين حياة كريمة وبعضها الآخر شخصي لضغوط نفسية ومجتمعية أو حالات إدمان المخدرات التي تعتبر سبباً يدفع متعاطيها للانتحار.

 

يذكر أن العراق يشهد بوتيرة متصاعدة حالات انتحار مشابهة يكون ضحيتها فئة الشباب والمراهقين من كلا الجنسين. وذكرت تقارير أن دراسة كمّية جديدة، أعدها مجموعة باحثين ضمن برنامج "الدراسة العراقية الوطنية عن الانتحار" بالتعاون مع وزارة الصحة، تَقَصّت قياس الظاهرة بين عامي (2015 - 2016)، استناداً على تقارير مراكز الشرطة التابعة لوزارة الداخلية في 13 محافظة عراقية (باستثناء محافظات كردستان ومحافظتي نينوى والانبار)، افادت بوقوع (290 حالة) في العام (2015) و(357 حالة) في العام (2016) بتفصيل جندري (55،9 بالمائة ذكور) و(44،1 بالمائة إناث)، مشيرة ان نسب الانتحار الاعلى كانت ببغداد والبصرة. لكن في احصاءات اخرى تتصدر ذي قار وديالى. فيما تفيد الاحصاءات الرسمية لمفوضية حقوق الانسان في العراق، عن تسجيل (544 حالة) في العام 2014، و(607 حالات) في العام 2015، بينها حالات لغير العراقيين كانت للاجئات سوريات في إقليم كردستان.

 

وإن سلطنا الضوء على حالات مشابهة في مجتمعات أخرى تقع في الجزء الآخر من العالم كدول الأوربية والولايات المتحدة سنلاحظ أن الانتحار فيها يكاد يكون أمر طبيعي جداً..! وكل من في مجتمعاتهم متقبلين الفكرة وهناك من يعتبرونه حرية تدفع الشخص لإنهاء حياته في مرحلة من اليأس والاكتئاب الحاد، والهروب من الواقع والحياة بضغوطها ومسؤولياتها ومشكلاتها، وبالرغم من ذلك هنالك مراكز، واطباء ودارسين مختصين للحد من اليأس الذي يدفع الفرد نحو الانتحار!!

وإن تحدثنا بالعِلم والطب فهناك من يعتبر الاكتئاب مرض نفسي بكل الأوجه والأشكال وهنالك عشرات المسببات تؤدي إليه تبدأ منذ الطفولة مروراً بالمراهقة التي تعتبر الفترة الأكثر حرجاً ثم الشباب إنتهاء بالشيخوخة . كل فترة من هذهِ الفترات يتعامل معها الأخصائيين حسب مراحل وضغوط قد عاشها الشخص ومواقف ومشاهد تركت أثرها فيهِ، هناك من يدعونها تمر بسلام وهناك من تبقى حبيسة في داخلهم وتظهر في سلوكياتهم، حتى تتمكن من القضاء عليهم أو تدفعهم لإلحاق الأذى بأنفسهم والآخرين .أما البعض الآخرين فيذهبون نحو رؤية الاكتئاب ليس مرضاً بل هو نتيجة ضغوط يمارسها المجتمع والأسرة هي التي دفعت بالفرد لكي ينتحر!

  

 فاطمة زياد (مواقع التواصل)

 

وفي نظرة شمولية للواقع في العراق ولمن لا يعرف أو نسي وتناسى ما عاشهُ المجتمع العراقي في فترة من الفترات ومازلنا نعيشهُ حتى اليوم من مأساة تحمل أوجه متعددة .نحن شَهدنا أسوأ الأوضاع وكنا شاهدين عليها بأم أعيننا، تلك المشاهد الأسوأ على الإطلاق في مجال الطب النفسي حيث تترك أثراً لا يستهان بهِ من الاضطرابات والحالات النفسية .فالقتل والدماء والترهيب النفسي والمعنوي والخوف والاعتداءات اللفظية في حين والجسدية في أحيان أخرى، ومخلفات الحرب الطائفية ثم التفجيرات التي لم تترك جزءاً من البلد إلا وحطت رحالها فيهِ، ثم الجماعات الإرهابية وما حملتهُ من فكر متطرف.

  

كل تلك أسباب ومسببات جعلت المواطن العراقي في حالة تأهب وتوقع كل ما هو أسوأ والتعايش معهُ. اعتدنا على الخوف حتى اصبحنا لا نخاف..! كل من عاش في سنوات السابقة في ظل هذهِ الظروف في العراق وما زال يعيشها، العِلم والطب النفسي يقول إنه يعاني من اضطرابات نفسية عديدة..! وبحسب تصنيف منظمة اطباء بلا حدود والصحة العالمية يعتبر العراق كـ "موطن للأمراض النفسية". ومع هذا لم تتوقف الحياة بل استمرت وبإصرار وقوة أكبر.. نحن العراقيين أقوياء كما نقول وماه و معروفٌ عن شعبنا بين الشعوب.. ولأن المصائب لا تأتي فرادى فالعراق ما بين مصيبة وأخرى يحاول التمسك بفسحة الأمل وبصيص نور لحياة أفضل ولواقع يساعده على تجاوز كل المعاناة التي مضت.

 
وما بين فاطمة وضغوط العائلة التي أخذت بها نحو الانتحار وواقع نعيشهُ كل يوم هنالك أوجه شَبه عديدة علينا أن نلتفت لها ولا نغض الطرف عنها بدافع العيب والحرام والعادات والتقاليد. مثل فاطمة الكثير، هنالك من ينتحرون صمتاً، هنالك من ينتحرون بإيذاء الآخرين والتلذذ برؤية عذاباتهم، هنالك من ينتحرون بقتل وتعنيف اطفالهم وزوجاتهم، هنالك من ينتحرون بالسرقة وفعل المُحرمات. أعتقد إننا سنحتاج إلى مصحات نفسية في الفترة القادمة تضمن لنا علاج من مخلفات الحروب والمجتمع والأسرة وما ألحقته بنا من اضطرابات نفسية، لكي نساهم في إصلاح البلد ونسير معاً نحو عراق جديد يخلو من الفساد، والمحاصصة، وحالات اليأس الشديد. ونولي اهتمام أكبر بشريحة المراهقين والشباب لأنهم الأكثر عرضة للهزيمة أمام شبح الانتحار المستورد! فمن لم يمت برصاصة أو انفجار عابر قتلتهُ الأفكار ومات منتحراً مُنهار..!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة