جميل فتحي الهمامي
جميل فتحي الهمامي
377

أمير تاج السر بين المعقول واللامعقول

25/4/2018

في دراسة أعدها الدكتور عبد الوهاب المسيري في ثمانينات القرن الماضي حول فريديريك نيتشه فيلسوف العدمية الأوّل، أقرّ بأن العالم ما بعد ظهور العدمية قد انقسم إلى قسمين: قسم أوّل هو عبارة عن عالم تقليدي يتمركز حول استقطابية الإيمان المتجاوز بوجود إله ما وهو ما يدعّم الطرح الثنائي بين المادة والروح، والخير والشر، والجميل والقبيح.. في وجود مستمر ومتواصل، مؤكّدا على أنّ اختلاف الإنسان عن الطبيعة هو ضرب من ضروب المادّة الميتافيزيقية. وأمّا القسم الثاني، هو عالم آخر عدمي عبثي ينسحب منه الإله تماما بل يستقيل بعبارة نيتشه، أو يحل في المادة حلولا تدريجيا، فيصبح العالم بلا مركز وبلا هامش، وبذلك يتحول الإنسان فيه إلى جزء من الطبيعة أو مكوّنا لها، فلا فرق بينه وبين كل الكائنات الطبيعية كما عبّر عن ذلك آرثر شوبنهاور من قبل في دراسته حول الإنسان والفينيمونولوجيا.

 

فالغنسان في هذا الجانب لا يمكنه أن يتجاوز المادّة إلى معانٍ غيبية او ذات صبغة أرثوذوكسية إيمانية ليحقق إنسانيته. فالسمة الأساسية لعالم نيتشه العدمي هي تصاعد معدلات اختفاء المركز داخل المادة أو تماهيها فيه حتى تتلاشى المسافة بين الخالق ومخلوقاته، وبين الإنسان والطبيعة، فتستحيل معرفة الأخلاق والمعاني النهائية، فالمعاني تأتي من الإله، وحين تختفي مركزيته تختفي معاني الحياة. هذا المدخل، أردناه أشبه بالجسر الذي نعبر منه نحو كاتب برز فجأة كشهاب في السماء، لم تسبقه عاصفة أو فرقعات اعلامية، جاء ببساطة فكان اسمه أمير تاج السر، هذا الكاتب السوداني الذي باتت روايته وتدا رئيسا في خيمة الرواية العربية. 

 

لنزعة العدمية التي ظهرت في روايتي صائد اليرقات و366 ليست إلا اضطرابات سوسيولوجية، اختار فواعلها تبنّي الخيار الأكثر عقلانية في التعبير عن جنوحهم نحو ثنائية الشك واليقين

إنّ الدارس لكتابات أمير تاج السر يعي في أولّ وهلة تأصّل أحد تمظهرات العدمية في المادّة السردية داخل رواياته وبالأساس داخل ضوابط الشعور السبعة داخل الإنسان ونعني بها: السعادة، الحزن، القلق، الخوف، الغضب، الندم والاشمئزاز. لقد صوّر أمير تاج السرّ الفلسفة العدمية بين المعقول واللامعقول في رواياته على أنّها المؤشّر الرئيسي الذي يقذف بنا في الزمان وفي العالم الذي نحياه، وقد حرص تاج السر على إبراز المعنى الفارق بين الحياة والعيش فاختار أن يحيا النسان داخل العدم وان يعيش في الواقع بآلامه وارتهاناته لشيطنة الإنسان للإنسان. فاحتقار الروتين داخل الحياة الأرضية هو المذهب الأساس الذي أنشأ أسّ رواية تاج السرّ وخاصّة روايته التي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية منتجع الساحرات.

 

فالعدمي أو اللامعقول في أعماله لا يتمنى الموت فقط في أسرع وقت ممكن، بل إنه يذهب إلى حدّ لو أنه لم يولد من الأساس، وقد قالها شوبنهاور فعلا: خطيئة الإنسان الكبرى هي ولادته. وتاج السرّ أيضا لم يغفر هذه الخطيئة في رواية زحف النمل، وهذه الخطيئة الوجودية لا يغفرها إلا الموت. والفارق في الأمر أنّ أديبنا قد تمكّن بشيء من العبقرية في تجاوز البعد المترهل للعدمية، فقد وازى بين المعقول في الكتابة واللامعقول، فكانت المادّة العبثية داخل رواياته أشبه بالمنزلة بين المنزلتين أي بين المعقول واللامعقول، بعيدا عن المفهوم الاستهلاكي للعبثية كسلعة ادبية رائجة أكثر من كونها عقيدة سردية، ويلتقي هنا تاج السرّ مع إميل سيوران أحد أساتذة اليأس الفلسفي حين يقول: لولا فكرة الانتحار لقتلت نفسي منذ زمن بعيد.

  

 أمير تاج السر (مواقع التواصل)

 

وهذا دليل قاطع على أنّ الدافع الحقيقي لسيوران في الكتابة هو رفضه للحياة، لكن مع تاج السرّ هو رفضه للموت بمعنى أن يستمر في الحياة نفسها، فيخرج الأسلوب الروائي الفنّي من المادّة الورقية إلى أبعاد الحياة، أي من كونها حقيقة فعلية إلى وسيلة دعوية تجذب الكثير من الإعجاب والاهتمام لأن الناس يسأمون من الحياة، حتّى السعيدة منها، ففولتير يقول مثلا: حتّى السعادة الدائمة أمر مملّ كذلك. ولهذا لم يقص تاج السرّ المعقول في كتاباته لأنّه يعلم ان ادب اليأس والعبث لا يمكن ان يكوّن استقلالا دون ارتباطه بالواقعية الكلاسيكية.

 

فالنزعة العدمية التي ظهرت في روايتي صائد اليرقات و366 ليست إلا اضطرابات سوسيولوجية، اختار فواعلها تبنّي الخيار الأكثر عقلانية في التعبير عن جنوحهم نحو ثنائية الشك واليقين، حين كانت الخيارات أمامهم تنحصر في شيئين رئيسيين: الجنون أو الكتابة، وهنا تبرز حنكة تاج السرّ الذي اختار الكتابة ليمارس فيها الجنون.
 
في الختام، ومن باب تنسيب الأمور نقرّ أنّ الحياة ليست لا عبثية ولا عاقلة، بل هي ما يصنعه الناس بها أو ما تصنعه هي بالناس، ولنا أن نسأل إذن هل يحقّ لفلسفة تؤمن باليأس أن تفسر جانب الأمل؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة