ديما مصطفى سكران
ديما مصطفى سكران
731

جرائم الشرف وتجنيس الأخلاق

25/4/2018

في جلسة ثرثرة مسائية في قهوة الحي روى زيد لعمرو قصة عن الرجل الذي يقطن في الحي المجاور، والذي دخل ليلة الأمس على زوجته فرآها في السرير مع رجل آخر، فالتقط من المطبخ سكين تقطيع اللحمة أو البطيخ أو البصل وعاجلها بعدة طعنات أودت بحياتها. أصغى زيد إلى تفاصيل القصة بوجه خال من التعبير وخرطوم النرجيلة معلق بين شفتيه الرخوتين، ثم نفخ أخيرا نفخة طويلة في الهواء وتمتم: ما قصر فيها!


وحين روى زيد لعمرو في المساء التالي قصة مماثلة لقصة الأمس مع اختلاف بسيط فإن عمرو بحلق بعينيه وعقد حاجبيه بإصغاء وطرح خرطوم النرجيلة جانبا حابسا أنفاسه، ثم صرخ في نهاية القصة أخيرا صرخة عالية: الله أكبر! يا لها من جريمة شنيعة! كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ "أمر غير معقول! يا لها من فظاعة! يا للهول"! ردد وراءه كل رواد القهوة ونُدُلها الذين تركوا مشروباتهم وخراطيم نراجيلهم وأشغالهم وتحلقوا حول طاولة الراوي يصغون للقصة باهتمام بالغ وأعصاب مشدودة.


وعلى الرغم من أن القصتين متشابهتين تماما إلا في تفصيل صغير، فإن ردتي الفعل اختلفتا اختلافا كبيرا، بين تشجيع وتفهم في القصة الأولى، واستنكار وتشنيع في القصة الثانية! ولو انتابكم الفضول أعزائي القراء فإن الاختلاف الوحيد بين القصتين هو في تبادل الأدوار بين الزوجين، فالخائن والمقتول في القصة الأولى هي الزوجة وفي الثانية هو الزوج! هل تعرفون ماذا يطلق على هذا الأمر؟ يطلق عليه باختصار: تجنيس الأخلاق! وتجنيس الأخلاق يُقصد به أن يكون لجنس الرجال فضائل معينة لا يتوجب على النساء أن يتحلين بها، بل ويعاب عليهن تحليهن بها أحيانا، لأن لهن هن الأخريات فضائل "نسائية" خاصة بهن، ووجود هذه الفضائل النسائية في الرجال ترف خُلُقي وغيابهن فيهم لا يعيبهم.

الشرف فضيلة رجالية:
على رأس الفضائل الأنثوية التي ينأى الرجال بأنفسهم عنها فضيلة الحياء، فهو في نظر المجتمع خلق خاص بالمرأة، يُتهم من يلتزم به من الرجال بالسذاجة وضعف الشخصية وقلة الحيلة

وليست جرائم الشرف هي المثال الوحيد على تجنيس الأخلاق الراسخ في المجتمعات العربية وإن كانت المثال الأفقع، حيث يعتبر الشرف هنا (على اختزال معناه) قيمة عليا خاصة بالرجل، يستطيع أن يرتكب في سبيله جرم القتل، فلا يؤاخذه الناس ولا تؤاخذه القوانين، بينما لا نرى لا مجتمعياً ولا قانونياً تسامحاً مماثلا لو كانت القاتلة هي الزوجة.


هناك قناعة راسخة لدى أبناء هذا المجتمع أن الشرف هو فضيلة "رجالية" بحتة لا تتناسب مع المرأة ولا تليق عليها. وهذا ليس إلا مظهراً من مظاهر انتكاس الإنسانية في المجتمع، حيث يتم التغاضي عن الهوية الإنسانية للإنسان، والتركيز على هويته الجنسية بالدرجة الأولى، ثم توزيع الأخلاق والقيم والحقوق أو سلبها بناء عليها.

فضائل رجالية أخرى

الكرامة مثلا وثورة الإنسان لها هي أيضا من الخصال "الرجالية" البحتة، فتجد أن الرجل قد يثور لكرامته فيظلم زوجته أو يشتمها أو يضربها، وحجته أنها مست كرامته "المقدسة" ولو بخطأ صغير، وقد يكون غير مقصود. وتكون في ثورته تلك استباحة كبيرة لكرامة هذه المرأة دون أن يفكر ولو للحظة بوجود هذا الشيء "الرجالي جدا" -الكرامة- في مشاعر زوجته. بل يُطلب من المرأة دوما المسامحة وغض النظر عن الإساءة، فليس ثمة كرامة لامرأة في علاقتها مع زوجها! أما إذا ثارت هذه المرأة لكرامتها الإنسانية سواء مع زوجها أو أخيها أو حتى مع رجل غريب فإنها ستتهم بالوقاحة أو الشراسة أو الاسترجال!


المروؤة أيضا فضيلة احتكرها الرجال ونأت المرأة بنفسها عنها وكأنها لم تخلق لها، فإذا حدثتها مروءتها بفعل نبيل ما، كنصرة مظلوم أو التدخل لحل خلاف أو الإدلاء بشهادة حق أو المبادرة لحل مشكلة ألجمها خوفها من كلام الناس ومن اتهامهم لها بتدخلها فيما لا يعنيها طالما ثمة هناك رجال، وعزاؤها في ذلك أنها غير مطالبة بتسجيل أي موقف نبيل طالما أنها امرأة!


ولكم يمتدح الرجل أيضا لكرمه! ولكم قل أن امتدحت امرأة لكرمها! بل إن المرأة البخيلة تمتدح في بعض المجتمعات لبخلها، وتقصد لأجل ذلك في الزواج، وكأن الكرم حكر للرجال. فإذا تكرمت المرأة بمالها أو حتى بوقتها أو جهدها في سبيل أمر نبيل ما لقيت الملامة غالبا، وعُوتبت بأنها تقصر في ذلك بحق زوجها أو أسرتها. كيف لا وهي تتعدى في نظر الكثيرين على فضيلة من فضائل الرجولة لا تناسبها؟

الوفاء والإخلاص والتضحية وبذل الجهد في التربية أيضا مما يُعتبر في مجتمعنا من الفضائل النسائية

مواقع التواصل
 
فضائل نسائية:

وعلى رأس الفضائل الأنثوية التي ينأى الرجال بأنفسهم عنها فضيلة الحياء، فهو في نظر المجتمع خلق خاص بالمرأة، يُتهم من يلتزم به من الرجال بالسذاجة وضعف الشخصية وقلة الحيلة، رغم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أشد حياء من العذراء في خدرها. والعفة فضيلة نسائية بحتة، تقتل المرأة بدم بارد لو خدشتها، بينما لا يربى الرجال على الالتزام بها بالضرورة، بل قد ينتهكها البعض بكل أريحية، ويعتبرون التعفف عن الحرام تفويتا لفوز عظيم، ويتسابقون للنهل من المتع المحرمة أو أنهم على أقل تقدير لا يمتنعون عنها لو عرضت عليهم، ويفعل هؤلاء ذلك كله دون ملامة من المجتمع أو وخز من الضمير؟


حفظ اللسان عن الشتائم تعتبر أيضا فضيلة "نسائية"، فنحن نعيب على المرأة أن ينطق لسانها ببذيء الكلام، بينما نرى معظم شباب اليوم يتفننون بالسباب الفاحش على مسامع الجميع دون خجل! بل إن من يرفض استخدام هذه الشتائم في كلامه يصير أضحوكة رفاقه، فنجده مجبرا على مسايرتهم كي لا يستبعدوه أو يشكّوا في رجولته! والوفاء والإخلاص والتضحية وبذل الجهد في التربية أيضا مما يُعتبر في مجتمعنا من الفضائل النسائية، والثقة والشجاعة والقيادة والسعي الحثيث لتحقيق الطموحات الشخصية من الفضائل الرجالية، والأمثلة كثيرة لو أردنا احصاءها. ويقال للرجل الذي يأتي بمعروف في مجتمعنا:

 

"الرجولة مواقف"، ويقال للمرأة التي تتميز بين قريناتها: "أخت رجال"! فمتى سنرمي هذه الأمثال العنصرية عن كاهل انسانيتنا المكلومة؟ ومتى سنتخلى عن القياس على مقاييس المجتمع في تقدير الخطأ والصواب ونلتزم بمقياس الدين الحنيف العادل؟ ومتى سنتوقف عن توزيع الحقوق والأخلاق والفضائل على الناس حسب جنسهم؟ ومتى سيأتي اليوم الذي تسقط فيه النرجيلة من يد زيد وعمرو والنادل ورواد المقهى جميعا عند سماع القصة السابقة بنسختيها معا، لا بنسختها الثانية فقط؟ ليست هناك أخلاق تناسب الرجل ولا تناسب المرأة وليست هناك أخلاق تناسب المرأة ولا تناسب الرجل، بل هناك إنسان وهناك أخلاقه، وليس للأخلاق بالتأكيد عضو تناسلي يراه الناس مرأى العين عند الولادة، أو يشير إليه الطبيب بإصبعه على شاشة الإيكو!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة