سوسن مقادلة
سوسن مقادلة
256

هكذا عاقبني ابني!

26/4/2018

رُزقتُ بطفلي الثاني، أدخل هذا الصغير الفرحة للبيت، حتى ابني الأكبر الذي توقعت غيرته، كان يهتم بأخيه، ينام بجانبه، يُغني له. أصبح ذاك الصغير محبوبا لدى الجميع، الجميع يهتم به. لكن بعد شهرين، مرض ابني الأكبر وأصبح يُغمى عليه كثيرا، أخذناه لطبيب الأطفال، أجرى له جميع الفحوصات، أخبرني فيما بعد أنّ ابني معافى ولا يشكو من أي مرض، ظلَّ بعد ذلك فترة معافى لا يشكو من إغماءات ولا من صداع.


طوال تلك الفترة، كنت أنام بجانبه وحاولت الاهتمام به أكثر. أذكر تلك الليلة بعدما رويت له قصة كالعادة قبل أن ينام وقبلته، قبل أن أغادر ناداني بصوت باكي: ماما، لا تتركيني، أنا أيضا أبنك. ضحكت، أخبرته أنّ أخاه الصغير يحتاجني أيضا. قاطعني بالصراخ من جديد، وتداعى المرض ممسكا ببطنه. سألته مما يشكو وعن موضع الألم. مسك يدي بيده الصغيرة وقادني إلى غرفتي، اتجه نحو سرير أخيه وقال باكيا، متلعثما، مشيرا بأصبعه لأخيه: هذا، هذا يؤلمني.. هذا يؤلمني.. وأخذ يبكي من دون انقطاع.


أحسست كأنّني تلقيت صفعة، أزاحت الغشاوة عن عينيّ، كيف لم أفهم سبب تلك الإغماءات التي أصابته بعد ولادة أخيه؟ توقعتُ غيرته من أخيه، لكن أن يدعي المرض بسبب الغيرة وطلبا للاهتمام، لم يخطر ببالي. اقتربت منه، نظرت في عينيه المتوسلتين، قلت له: هذا أخوك الصغير..، قاطعني بصوت غاضبٍ ومرتبكٍ، لم أعهده من قبل هكذا: لقد أخذ كل شيء، أخذك أنت، بابا، جدي، جدتي، الجميع،... لقد سمعتك تقولين له أنت أجمل طفل.. لقد قلت له أنّك تحبينه كثيرا.. أنا كذلك ابنك ماما.. ثم ارتمى في حضني.


بقيت أتأمله، أتأمل ارتباكه، تلعثمه، كيف ينظر إلى أخيه، كيف يعاتبني بصوت باكي، علمت أنّني ارتكبت خطأ عندما لم أستوعب سبب تلك الإغماءات المشفرة، لكنّني لم أتوقع أن يغار طفل لم يتجاوز الخمس سنوات بهذه الشدة. لم أتوقع أن يطلب الحب من خلال إغماءات، لم أتوقع ذلك أبدا.

 

يعبر الأطفال عن الغيرة بطرق مختلفة، فهناك من يتخذ الصراخ والعصبية ملاذا وشعارا للاحتجاج وللفت انتباه والديه، علّهما يشعران به ويهتمان به

هكذا أخبرتنا أخت صديقتي عن غيرة ابنها الاكبر من مولودها الجديد. هذا ما يحدث عندما تُنجبُ الأم مولود جديد وتُهمل من دون قصد أخاه أو أخوته، البعض يستهين بتلك الغيرة التي قد يُبرزها أطفالهم إلا أنها حقا إشكال كبير. فالغيرة تؤذي نفسية ذلك الصغير وتتسبب في شعوره بالخسارة ولها مخلفات على مدى بعيد كاستمرار تلك الغيرة وتحولها لحقد وكره، إذا كنّا نحن الكبار نتألم عندما نشعر بالخسارة ونرفض أحيانا التغييرات المفاجئة، فما بالك بالأطفال!


أذكر هنا تلميذ لصديقتي عنيف في المدرسة، حاولَتْ صديقتي جاهدة فهم سبب هذا العنف، طلبًتْ منه استدعاء والدته. عند اجتماعها معها، أخبرتها أنّ ابنها تأثر بعد ولادتها لأخيه، في الأول لم يُظهر تلك الغيرة، اكتفى بكتم غيرته فقط وبعد فترة انفجر ذلك الغيظ، وهذا ما روت لها: عرفت أنّ ابني يكرهني، عندما صاح في وجهي قائلا أنا أكرهك ماما، أصبح عنيفا، عنَّفَ أخاه، أظهر كرهه لي ولأبيه، ذلك ما دعانا لاصطحابه لطبيب نفسي ليعالجه، الذي أخبرنا بضرورة الاهتمام به بسبب الضرر الجسيم الذي لحق به بسبب الغيرة من أخيه، وأنّه يشكو من نقص حنان ولا يثق في حبنا له، ابني يكرهني وهكذا عاقبني ابني.


نعتقد أنّ الأطفال لا يُلاحظون، إلا أنّ ذلك الجسم الصغير يُلاحظ كثيرا ويشعر كثيرا، سيلاحظ كلل تغيير في تصرفات أمه، سيلاحظ اهتمام أباه الزائد بأخيه، سيشعر بالخسارة، كأنّ أخاه قد افتك منه كل شيء، أمه، أبيه، عالمه الصغير. بعد ما كان محور اهتمام الجميع، لن يتقبل الصغير تلك الخسارة خاصة إذا لم يُوفقا الأم والأب في الاهتمام بكليهما.


أرسلتْ لي صديقتي فيديو ابن اخيها، شاهدتُ ردة فعله عندما قدّم له أبيه هدية وأخبره أنّها من أخته، عن تلك الفرحة التي اعترته وقتها، فعلا فكرة ذكية من الأب ليجعل ابنه يتقبل وجود أخته ومقاسمتها إياه والديه، فلن يشعر بأنها ستنافسه، بل سيشعر أنّ تلك الصغيرة تحبه وبالتالي ستكون تلك الهدية، عربون محبة وصداقة بينهما ولعلّها معاهدة أمان.


يعبر الأطفال عن الغيرة بطرق مختلفة، هناك من يتخذ الصراخ والعصبية ملاذا وشعارا للاحتجاج وللفت انتباه والديه، علّهما يشعران به ويهتمان به كما يفعلان مع ذلك الجديد. أخر يأبى الابتعاد عن أمه، ولا يفارق حضنها، كما تجده يستعمل حاجيات المولود الجديد ويستمتع بذلك، فهو يعتقد أنّه إذا استعمل كل حاجيات اخيه سيعود صغيرا وبالتالي سيهتمان به أيضا، وأخيرا النوع الثالث يتظاهرون بعدم الغيرة ويكتفون برسائل مشفرة كادعاء المرض، وهي حركة ذكية من الطفل طلبا للاهتمام، وما على الوالدين إلا فك شفرة تلك الرسائل.

الأب أيضا يمكنه مساعدة الأم في الرعاية بالطفلين، تفاديا للغيرة، يمكنه اصطحاب ابنه الأكبر معه للسوق، لمدينة الألعاب، منتزه وملعب كرة القدم

مواقع التواصل
 

سيدتي حاولي تفادي الوقوع في اشكال الغيرة من المولود الجديد، عليك اصطحاب ابنك الاكبر معك قبل الولادة ودعيه يساعدك في اقتناء حاجيات اخيه، اخبريه أنّ أخاه طلب مساعدته في شراء ملابسه، سيفرح بذلك. بعد الولادة إياك من افراط الاهتمام بالمولود الجديد أمام أنظار أخيه، فأبنك الأكبر، رغم صغر سنه هو الاخر إلا أنّه يلاحظ كثيرا وسيشعر بالغيرة حتى ولو لم يظهرها. فالغيرة تعبر عن وعي الطفل وادراكه للتغييرات التي طرأت فجأة من حوله، اهتمي به كالعادة، حتى يتأكد أن حبّكما له لم يتغير ولن يتغير. حاولي الاهتمام أكثر بأبنك الأكبر حتى لا يشعر أنّ المولود الجديد قد افتك له مملكته، وكل حاجياته. فلا تنسي إنك أغلى حاجياته ولن يتقبل خسارتك أبدا، هو مستعد لخسارة كل شيء، حتى ألعابه التي لا يرغب في مقاسمتها مع أحد، لكن الماما والبابا لا يقبل خسارتهما.


أثناء نوم المولود الجديد، حاولي استغلال ذلك الوقت واقضيه مع ابنك الأكبر في التلوين، مشاهدة الكرتون، فالطفل يحتاج أن يعلم أن الوضع لم يتغير، وأنك لازلت تحبينه، فبرهني له ذلك حتى يطمئن قلبه. حاولي قدر الامكان أنّ لا تشعريه بالغيرة، حتى لا ينمو ذلك الشعور معه، ويتحول الى حقد لا قدر الله وعقد تخلف فيما بعد مشاكل بين الاخوة، كلجوء الابن الأكبر للعنف كي يحصل على ما يريد. 


الأب أيضا يمكنه مساعدة الأم في الرعاية بالطفلين، تفاديا للغيرة، يمكنه اصطحاب ابنه الأكبر معه للسوق، لمدينة الألعاب، منتزه وملعب كرة القدم. نعم المولود الجديد يستحق رعاية واهتمام، لكن ابنك الأكبر يستحق هو الاخر كذلك نفس الرعاية، فلن يفرط في عرشه سيدتي، سيحاول رغم براءة تفكيره وصغر سنّه لفت انتباهك بأية وسيلة، نعم سيدتي سيدعي المرض فقط حتى تهتمين به، سيبكي كالرضيع فقط كي تحتضنيه وسيستمتع بذلك. لا أبالغ إذا أخبرتك أنك بعد ولادتك لطفلك، عليك أن تعتبري نفسك قد رُزقت بتوأم، يختلفان في العمر، لكنهما يشتركان في الحاجيات والمطالب يطلبان حبك ورعايتك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة