إلى ميدان العمل

30/4/2018

أملك من سنوات الخبرة في العمل تسع سنوات في وظائف مختلفة وبيئات متباينة، سنوات كفيلة بتشكيل جزء كبير من المعايير والقرارات التي خلصت إليها حتّى الآن. ننهي الحياة الجامعيّة بأمل وطاقة وعزيمة كفيلة بجعل أوطاننا العربية دولا عظيمة منافسة للدّول الاسكندنافية في مستوى المعيشة والرّفاهيّة، فننتقل من مرحلة الدّراسة إلى سوق العمل بأحلام ورديّة عن السعي والاجتهاد والتقدير وبعث مشروع خاصّ في النّهاية...

 

وكم تبدو الطّريق آنذاك واضحة وسهلة إلى أن نصطدم بسوقٍ هشّ ووظائف بالية لا تضيف إلى الفكر والجيب شيئا يذكر، فتبدأ الأحلام في التّهاوي، ونجبر على التّنازل الأوّل الذي ستعقبه تنازلات أخرى، فنجد أنفسنا مقيّدين بوظائف لا نحبّها ولكنّها تظلّ أفضل من البطالة والبقاء في المنزل عرضةً للاكتئاب والانتقاد من قبل الآخرين. وللتّخفيف من خيبتنا نُقنع أنفسنا في تلك الفترة بأنّ ذلك العمل مؤقّت وسرعان ما سنتخلّص منه ما إن نجمع بعض المال للبدء من جديد، لكننا لا ننتبه إلى زهور العمر وهي تذبل سريعا ونحن مازلنا عند تلك النّقطة.


وليت الخسائر تتوقّف عند ذلك الحدّ، فالعمل بوظيفة بعيدة عن أحلامنا وتطلّعاتنا سيقتل روح الإبداع فينا كما سيغتال ببطء الرّغبة والشّغف تجاه ما نريد تحقيقه فعلا، فما دامت "الوظيفة المؤقّتة" تحتلّ كلّ ساعات يومنا لن نجد متّسعا حتّى للبحث عمّا نريد، وسننسى تدريجيّا ما نبرع به ما دمنا عاجزين عن تطويره والسّماح له بالتّفاعل مع الحياة ومتغيّراتها ومتطلّباتها حتّى يتجسّد ويصبح واقعا جميلا.

يلزمنا أن نبلغ مرحلة يصبح فيها العمل وقتًا محبّبا من اليوم وفرصةً للتّطور واكتساب مهارات جديدة، وحتما سينهض سوق العمل وينشط ويصبح أكثر ديناميكيّة

"سوق العمل في الكثير من الدّول العربيّة يشكو الكساد والشّلل"، هذا ما ستظلّ تسمعه أثناء بحثك عن الوظيفة حتّى تتعايش مع الأمر فترى في مجرّد الحصول على وظيفة أيّا كانت فرصة نادرة أنعم بها عليك الله فلا موجب لرفضها أبدا. أذكر تمامًا أوّل مقابلة عمل لي، حين كنت أحسب الأمور بطريقة مختلفة آخذة بعين الاعتبار ما يلزمني من مال للبدء بمشروعي الخاصّ بالإضافة إلى ما أراه استحقاقا عن سنوات الجامعة الأربع المرهقة، سألني المدير عن الرّاتب المتوقّع فأعطيته رقمًا يفوق راتبه بثلاثة أضعاف... لن أنسى ضحكته ولن أنسى اندهاشي عندما أخبرني بالرّاتب الذي يعرضه عليّ!


في السّنوات اللاّحقة وبناء على الكثير من تجاربك الشّخصيّة والمحيطة ستتعايش مع فكرة الرّاتب الزّهيد الذي لم يكن يوما مكافئا لتعبك واستيقاظك الباكر وعملك لتسع ساعات يوميّا. وستجد نفسك يوما بعد آخر قد فقدت انتماءك إلى العمل، ولن يؤنّبك ضميرك حين تصل متأخّرا، ولن تسعى إلى تطوير نفسك لقناعتك الرّاسخة بأنّ هذه الوظيفة لا تستحقّ منك بذل أيّ مجهود، وقد أخذت منك أجمل سنوات العمر وصرت في النّهاية الخاسر الأكبر مهنيّا وذهنيّا ونفسيّا.


ولعلّنا قد صادفنا جميعا -أو على الأقلّ معظمنا- ذلك المدير أو الشّخص المسؤول الذي يكون في الغالب انتهازيّا يجثم على الصّدور كصخرة كبيرة لا سبيل للخلاص منها. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه يغيب عن ذهن الكثير من رؤساء العمل أنّ الادارة الناجحة تعني القيادة الحكيمة الدّافعة للمبادرة والإبداع في الإنتاج لا المحاسبة والرّقابة الدّائمة الخانقة. إنّنا نفتقد إلى القادة الذين يتحمّلون أعباءً وظيفيّة أكثر من الموظفين أنفسهم، ويتعاملون بنزاهة مع التّقييم السّنوي فيكافئون كلّ مجتهد ويحفّزون كلّ مقصّر. فعندها سيملك الموظف قدوة حسنةً له في العمل، بالإضافة إلى الكثير من الأسباب التي ستدفعه إلى تطوير نفسه والتعامل مع منصبه الوظيفي كما لو كان منصب الأحلام، وهؤلاء المديرين قادرون على خلق بيئة تنافسيّة صحّيّة قوامها الاجتهاد والتّعامل والعمل بروح الفريق.


يلزمنا أن نبلغ مرحلة يصبح فيها العمل وقتًا محبّبا من اليوم وفرصةً للتّطور واكتساب مهارات جديدة، وحتما سينهض سوق العمل وينشط ويصبح أكثر ديناميكيّة عندما تصل المؤسّسات إلى هذا الفهم فتقدّم للموظّف المقبل على العمل بهمّة ونشاط ما يتوقّعه وما يتناسب مع كفاءته ومجهوده.
وإنّني بعد كلّ هذه السّنوات على يقين تامّ بأنّه مهما تكن حاجتنا إلى العمل لا يجب أن نقدّم أيّ تنازل على حساب رغباتنا وتطلّعاتنا واحترامنا لذاتنا، كما يجب ألاّ نبخس أنفسنا حقوقها وألاّ تتخلى عن أخلاق الصّدق والأمانة والكياسة حتى لو هجرها الجميع، ولنسعى ما استطعنا لامتلاك مشاريعنا الخاصّة دون أن ننسى حينها أن نكون مديرين قادة شاحذين للهمم دافعين إلى العمل بروح خلاّقة مبدعة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة