هيا توركو
هيا توركو
1.1 k

أقسم بالله أنني قد ألحدت!

4/4/2018
إنما المواقف هي من تجعل منك بطلاً أنت لا تعرفه، كأن تتعرّض لموقف ما لم يكن بالحسبان، فأفكارك ومبادئك هي التي تتصرّف حينها، وإنّما تبقى أنت في وضع السكون، ما إن ينتهي الموقف حتى تعجب وتقول من كان ذلك، وكيف حصل هذا؟
 
إنّ من أشدّ المواقف الدينّية التي تعرّضتُ لها في أوروبا هي مناوراتي التي تحدث بشكل دوريّ في مكان دراستي الذي يضمّ العديد من المسلمين والمسيحيّن والملحدين والهندوسيّين وغيرهم، حيث كنّا كلّما تطرّقنا لأمرٍ ما، خرجَ الحديث عن محوره ليدخل محور الإسلام بعد ذلك، وكأنّ الإسلام أصبح شمّاعة نعلّق عليها فشل الأمة وتدهورها، في كل مرة كنت أسمع مثل تلك الأحاديث كنت أطلب بكل احترام إغلاق مثل هذه المواضيع وبالفعل يتم إغلاقها على الفور.
 
لكن ما حصل في يوم عيد المرأة قَد أخرج ذاتي عن السيطرة حتى فقدت صوابي ووقفت أمام الجميع أدافع عن قضيتي وفكرتي، المثير للغضب أن من يناقش في كل مرّة وينكر ويجحد ويرفض ويقاطع هو زميلنا المسلم الذي قد ألحد منذ عامين ونصف، وكأنّ المسلم الملحد يمارس إلحاده فقط على الإسلام، ومن الدارج الآن أن المسلم حينما يلحد، فإنه يؤمن برب النبي موسى وعيسى ولكنه يتوقف إيمانه عند وصوله إلى رب محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يظهر إيمانه بالديانات كلها عدا الإسلام، وفي ذات الوقت تراه يقول إن شاء الله وبعدها بقليل يسبّ الذات الإلهية ليناقض نفسه بعد حين ويقول ليس هناك إله في هذا الكون، أذكر إحدى المرات قد سمعت أحد المسلمين العرب يقول لصديقه: أقسم بالله إني قد ألحدت!
  
احتدم النقاش بيننا وبدأ هو وغيره يستهزئون ويضحكون فقاطعتهم قائلة: في ديننا لا يجوز لنا أن نشتم ديانة ما وأنتم تسخرون من ديني ولكني في ديني يجب أن أدافع عنه
تقسم بالله، وتلحد به، فعن أي قسم وأي إلحاد تتحدث يا هذا، إنها موضة هذا العام وأنت تمارسها ليس إلا. إنه يسب الذات الإلهية ولكنه أضعف من أن يسب شخصية سياسية، فما المتوقع؟ لكنّه أمام الديانات الأخرى ينسجم ويتقبّل الطرف الآخر ويظهر بدور المثقّف المتحرّر صاحب الآذان الصاغية وذو الفكر المتحرّر الذي يعامل الناس بحسب أخلاقهم لا بحسب ديانتهم، إلى أن يأتي دور المسلم فإنه يعامله معاملة العدو.
 
مع الأسف زميلنا لم يكن عربياً، لقد كان مسلماً ولكنّه حتى لا يستطيع التحدّث بالعربيّة على الإطلاق، وما حصل حينما كنا نتناقش في موضوع المرأة وحقوقها المشروعة في الشرق والغرب أخذ يقاطعني بكل سذاجة واستهزاء متحدثاً بلغة البلد التي نعيش فيها: أي دين يقول أن تضرب المرأة غير دين الإسلام!! ليجعل الحضور يضحك ساخراً من ذلك، فيتابع قوله: أجل، ألا تصدقون! عندنا في القرآن، الزوج يحل له الزواج من أربعة ويحق له ضرب زوجته أيضاً وهناك جملة في القرآن تقول ذلك.
 

قاطعته قائلة: ألم تقل لي أنك لا تستطيع تحدث العربية؟
قال: أجل
فسألته بسخرية: إذاً كيف قرأت كل هذه المعلومات الخطيرة التي نحاول نحن إخفاؤها، نحن نُضرَب ليلا ونهارا ونخفي ذلك فكيف أنت كشفت هذا؟
قال: لقد كان أبي يقرأ القرآن ويشرحه لنا.
فأجبته: كان يقرأ لكم عاداتكم وطقوس بلادكم فقط. أما ديننا فلم يأت بشيء من هذا، للتعدّد شروط وأحكام وأمّا عن ضرب النساء ففي اللغة العربية كلمة ضرب تأتي بأكثر من معنى، ضرب الدهر بينهما أي أنه أبعدهما عن بعضهما فالضرب يأتي الإبعاد أيضا. حاولت أن أقرّب له فكرتي التي أريدها ولكن مع الأسف فتقاليد البلاد وثقافة المجتمع الذي جاء منه كان كنقش على حجر يصعب تغييره.

 

أخذنا نتناقش أمام العديد من الطلاب والمسؤولة عنا، حتى احتدم النقاش بيننا وبدأ هو وغيره يستهزئون ويضحكون فقاطعتهم قائلة: في ديننا لا يجوز لنا أن نشتم ديانة ما وأنتم تسخرون من ديني ولكني في ديني يجب أن أدافع عنه إن كنت أؤمن به جوهريا ولكني أيضاً لا يحق لي أن أستهزئ بأديانكم لاسترجع حقي، فأنا لا أستطيع أن أكون مسلمة إلا بعد أن أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله..

 

وإحدى شروط إيماني هو إيماني بنبيكم ونبينا ونبي الله عيسى وقبله موسى وكل من أتى برسالة من الله لينقذ البشرية وصولاً بسيدي محمد في ختام الرسالات والرسل.. أن أكون مسلمة ذلك يعني أن أكون يهودية أؤمن بسيدنا موسى الذي جاء على قوم فرعون فهداه بتوفيق من الله، ثم أن أصبح مسيحية فأؤمن بسيدنا عيسى ورسالته وأمه الطاهرة مريم البتول العذراء، ليأتي محمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أتانا ليكون آخر نبي يبعث إلى البشرية فيتم مكارم الأخلاق لأتمم إيماني أنا بإيماني به.

  
 

فإني حتى لو سخرتم مني أقسم لكم أني أحب الله أكثر منكم جميعاً وأحب سيدنا موسى وأحب سيدنا عيسى وأحب رسولي محمد -صلى الله عليه وسلم-، حتى أني لا أقول إلا سيدنا عيسى ولا أقول إلا سيدنا موسى، فأي حب وأي انتماء هذا إن كان حتى حديثي يسبقه سيدي ونبيي (موسى وعيسى) أقولها احتراماً. عندما قلت قولي هذا ساد الصمت وتوقفت ضحكات السخرية، فإني أثبت لزميلي الملحد أني أشد ثقافة من ثقافته المهترئة وأثبتت لصديقتي المسيحية أن أشد احتراماً لسيدي عيسى وأثبتت لليهودية أني أشدّ أدباً في حديثي عن سيدي موسى.

 

ثم خرجت من الصالة ولم ألتفت ورائي قط، خرجت تاركة ورائي مئات التعليقات وعشرات الضحكات ربما وربما غير ذلك، ولكنّي متأكدة أنّي تركت ورائي مبدأي الذي أناضل لأجله، فكرتي التي أعيش عليها، توحيد الله الذي تتغذى روحي عليه، لقد تركت ورائي انتصار ربما ليس بانتصار على الآخرين ولكني أؤمن بأنه انتصار على ذاتي، انتصاري على مبدأ أعتنقه وأنا الآن في بلاد غريبة عنه تماماً، لقد انتصرت اليوم على ذاتي لأني أثبتُ لنفسي أني أستحق الفكرة التي أؤمن بها.

 
بعد دقائق خرج الشاب متجهاً نحوي والمسؤولة عنا -المسيحية التي قد ألحدت أيضا- تلحق به مسرعة ظناً منها أنه قد جاء ليجادلني، إلا أنه جاء معتذراً عن عدم مراعاته لمشاعري وعن قلة احترامه لديني الذي أعتنقه.. قالت لي المسؤولة: إني ازددت إعجاباً بك يا هيا، هذا ما أريد رؤيته، يعجبني من يؤمن بشيء ويدافع عنه، فقلت لها: نحن لا نتوارث الدين كشيء من أشياء هذه الحياة، إما أن تؤمن أو لا ولا إلزام في ديننا وذكرت لها "إِكْرَ‌اهَ فِي الدِّينِ" وفسرت لها ماذا يعني بالشكل الذي استطعته.

 

ورسالتي التي سأكتبها لهذا العالم في هذا اليوم: إياك أن تعتنق شيئاً لا تؤمن به، وإياك أن تؤمن بشيء وتخشى اعتناقه .نحن بحاجة إلى مليون مؤمن بقضيته وجوهر توحيده فضلاً عن مليار مسلم لا يفهم دينه ولا يؤمن به إنما يتوارثه عن جده ثم أبيه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة