طارق العبد
طارق العبد
586

قل لي ما طعم الصلاة؟!

9/4/2018
"إنَّما قَدْرُهُم مِن الإسلامِ على قدرِ حظِّهِم مِن الصلاةِ، ورَغْبَتهم في الإسلامِ على قدرِ رغبتِهمْ في الصَّلاةِ، فاعرف نفسَكَ يا عَبْدَ اللهِ، واحذَر أنْ تَلْقَى اللهَ ولا قَدْرَ للإسْلامِ عِنْدَكَ، فإنَّ قَدْرَ الإسلامِ في قَلبِكَ كقَدْرِ الصَّلاةِ في قَلْبِكَ.." تلك العبارات التي جاءت على لسان الإمام أحمد بن حنبل معبرةٌ ومفسرةٌ لواقعنا الذي نعيشه الآن،، فتهاوننا في أداء الصلوات المفروضات في الجماعات، وخشوعنا المفقود، ولذة العبودية الغائبة أثناء أدائنا إياها أمر لا تهاون فيه، فتحولت صلاتنا من شعائر وعبادة نتقرب بها إلى الله إلى حركات رياضيةٍ جامدةٍ تعوَّدنا على ممارستها بروتينية عظيمة، فلمَ هذا الجفاء في أداء الصلوات، ولمَ أصبحت عبئًا ثقيلًا علينا وفيها يقول حبيبنا: "وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيْنِي فِي الصَّلَاةِ"؟

 

لمَ الجفاءُ؟

الجفاء أسبابه متعددةٌ فعلي سبيل المثال لا الحصر، كثرة الذنوب والمعاصي، والانغماس في الدنيا والانشغال عن الآخرة، والغفلة، وأسباب كثيرة أهمها عدم معرفتنا للصلاة حقيقةً، فمعرفتنا للصلاة جاءت من تجارب في الحياة سواء منا أو من سابقينا، لم نعرف الصلاة حقًا بفقهها العلمي والعملي، لم تجد مكانها من قلوبنا؛ فلم نعرف قيمتها وحكمها؛ كي نحافظ عليها بهيئتها وصفتها، فيتسنى لنا طرح سؤال مهم ألا وهو:

  

ما هي الصلاةُ؟
اعلم أن الله غني عن صلاتك، لا تنفعه حركاتك، بل أنت الفقير إليه، وأنا المحتاج إليه : "يَا أيُّها النَّاسُ أنْتُمُ الفُقَرَاءُ إلَى اللهِ واللهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ"

الصلاة هديةٌ تُرسِلُ بها إلى ملك الملوك، وصلةٌ وثيقةٌ بينكما، مفتاحها التكبيرُ وختامها التسليم، هي أولُ سؤالٍ من أسئلة حسابك يوم الجزاء، إن عجزت عن إجابته أو أسأت هلكْت، وما نفعك باقي أعمالك ولو كانت كالجبال، هي المنافحة عنك في ظلمة القبر، ترد عنك ملائكة العذاب وسوء الحساب، فهي خير حارسٍ لك.. الصلاة شارة القرب من الله، وإذا كانت الملوك تعِدُ من أرضاها بالأجر والقرب كما فعل فرعون حينما سأله السحرة: "إنَّ لنَا لأجْرًا إنْ كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِين" قال: "نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ"، فما ظنُّك بكرم الله وهو الخالق جل في علاه؟

 

الصلاة نهرُك الذي تغتسل به كل يوم خمس مرات ليُطَهِّرك من الموبقات، فهي عماد الدين، وغذاء القلب، وقلبك إذا خلا من الغذاء الرباني من ذكر الله ومعرفته وحبِّهِ يبس، وإذا يبس القلب ضربته نار الهوى وحرارة الشهوة، فيزداد قساوةً وغلظةً، وتيبس الجوارح تبعًا ليبوسة القلب، وعندها يقول الله فيهم: "فوَيْلٌ للقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِنْ ذِكْرِ اللهِ أولئك في ضلالٍ مبينٍ".. الصلاة إحدى أهمِّ وقفتين تقفهما بين يدي مولاك: موقف الصلاة وموقف القيامة، إن أحسنت في الأولى هانت عليك الثانية، فالموقف أهول من أن يُوصف، لذا واجب علينا أن نعرف ماهيتها وأيضا:

 

تشريعها وقبولها

شُرعت الصلاة على نبينا بلا واسطة في السماء، وذلك في ليلة الإسراء؛ لتكون خمس صلوات في اليوم والليلة فقط، لمن أداها بوقارٍ دون لغط، فتكون الصلاة المقبولة هي التي تصليها بحضور قلبك، مستشعرًا مناجاة ربك، وتبدأ بالتكبير وكلك يقينٌ بأن الله أكبر من كل شيء، أكبرُ في ذاته وأسمائه وصفاته، وتنسى الدنيا وهمومها، وتلوح الآخرة بأنوارها، ثم الركوع والسجود لله، فلا نخضع لمنصب أو جاه، فقط لله..

 
واعرف بماذا تدعو الله جيدًا في الركوع والسجود، فأذكار الصلاة ليست واحدةً لم يُذكر سواها، بل في الركوع نقول أيضًا: "سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح" وذاك الذكر الذي لم يتركه الرسول قط: "سبحانك اللهم وربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، وما نعرفه عن الركوع أنه ركوع القلب وخضوعه، أما الجوارح له أتباع وجنود، ثم الوقوف لحمد الله :"ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، وفي السجود يصرخ الشيطان قائلًا: يا ويله، أُمرَ ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلي النار، ويصرخ أكثر حينما تدعو: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، فأحسن صوره، وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين"، وبين السجدتين تطلب المغفرة، تجلس وتُقْدِمُ على الله في استغاثة وتضرع، داعيًا: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني"، فالرزق يجلب مصالح الدنيا، والعافية تدفع مضارها، والهداية تجلب مصالح الآخرة، والمغفرة تدفع مضارها، أما الرحمة فتجمع ذلك كله.

   

  

وتودع الصلاة بالتشهد، والصلاة والسلام على خير البشر، ونختم بالاستعاذة من الكفر والفقر وعذاب القبر وجهنم وفتنة المسيح الدجال والمحيا والممات، لنقوم بالتسليم بنية السلام على الملائكة والحاضرين، واستشعار لوعة الفراق المبين، واستحضار ألم العذاب المهين، بالرجوع إلى هموم العالمين.
   

هل نصلي حقًا؟

نبدأ الصلاة وتبدأ الهمهات، ونسمع التمتمات، مع بعض الحركات، حتى تنتهي الصلوات، فتلك بالطبع صلاة الأموات، لذا يراودني السؤال وينغصني، هل نصلي حقًا؟ أم أننا ننقر صلاتنا نقر الغراب؟ خص الله -عز وجل- الخاشعين بالعديد من الخصائص، فالصبر والصلاة لا يستعين بهما إلا الخاشعين: "وَاسْتَعِيْنُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وَإنَّهَا لكَبِيْرَةٌ إلَّا عَلَى الخَاشِعِين"، فالخشوع في الصلاة منبعه التهيؤ لها، والطمأنينة فيها، وتدبر أذكارها ومراميها، والبعد عن كل الملهيات المشغلات، فلا يصلي بحضرة طعام يشتهيه، ولا يصلي وهو ناعس، ولا يلتفت بجوارحه كان أو بقلبه. فهذا علي بن الحسين وقع حريق في بيته وهو ساجد، فجعلوا يقولون: يا بن رسول الله النار.. النار، فما رفع رأسه حتى أُطفئت، فقيل له في ذلك، فقال: "ألهتني عنها النار الأخرى". وهذا عمرو بن عتبه، كان يصلي ليلًا، فسمع زئير الأسد ذات مرة، فهرب مواليه وهو قائم يصلي لم ينصرف، فقالوا له: أما خفت الأسد؟! فقال: إني لأستحي من الله أن أخاف شيئًا سواه..

 

أخي الكريم

- خُلقنا للعبادة، فصلاتك أولى أولوياتك، ولها كل طاقاتك، حتى تذوق طعمها في مناجاتك.
- اعلم أن الله غني عن صلاتك، لا تنفعه حركاتك، بل أنت الفقير إليه، وأنا المحتاج إليه: "يَا أيُّها النَّاسُ أنْتُمُ الفُقَرَاءُ إلَى اللهِ واللهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ".
- كما أن ثمرة الصوم تطهير النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النفس إلى الله، فالصلاة كذلك ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله عليك، لذا "صلُّوا كَمَا رأيتُمُونِي أُصَلِّي"..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة