هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




حذيفة المحمد
حذيفة المحمد
255

حرية الرأي.. جريمة في زمن الإنترنت

1/5/2018

الأحداث والتطورات بشتى أنواعها التي تعصف بعالمنا تجعلنا أكثر ترقباً وتدقيقاً حتى أننا أحياناً نجبر بالتفاعل مع هذه الأحداث بحسب ما يتاح لنا من وسيلة، حدث سياسي، ثقافي، اقتصادي وكل منا له اهتماماته وتوجهاته، وبحسب زمننا اليوم فالأحداث التي تربعت في الساحة وأخذت الحيز الأكبر من أوقاتنا هي الأحداث والتطورات السياسية التي تتجلى فيها الحروب والتي هيمنت حتى على بعض من حقوقنا التي لا يمكن أن يكون الإنسان فعالاً في عالمنا إن كانت مسلوبة، عندما يقطع لسانك وهو مختبئ في فمك، وتصبح أبكماً في هذا العالم وأنت متفوهاً وناطقاً، حينها لا مكان لك في هذا العالم لأن ما تقوله في قضيتك أو اهتمامك هو أحد حقوقك التي يراها البعض مجرد حرية مؤذية لمجرد أنها لا تصب في مصلحته أو تؤثر على سياساته ويحاول إسكاتك ومحاسبتك على ذلك إن استطاع.

الفيلسوف جون ستيورات ميل من أوائل من نادوا بحرية التعبير عن الرأي حين قال "إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً واحداً وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأياً مخالفا فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة" كم يحمل قول هذا الفيلسوف من معنى، وكم يترجم لنا قيمة الحق الذي لا يملكه أغلبنا، والذي تخلى عنه الكثير بكل بساطة، حرية التعبير عن الرأي حق من حقوق الإنسان والمواطن يمارسه بأي طريقة كانت دون قيود تمنعه أو جهة تستحكمه، وأن تكون أمام حدث أو قضية أو أمر، لك حق في إبداء رأيك وطرح فكرة ما تتصوره أنت، لكن كما قال الفيلسوف في مقولته السابقة التي ذكرتها يستطيع الشخص الذي يملك رأياً مخالفاً بإسكات الجميع بشرط واحد إن توفرت له القوة وهذا موطئ القدم .


قد يكون في الزمن القديم في زمن وجود الجرائد والراديو وغياب الإنترنت إن كان الأشخاص عاديون لا يستطيعون التعبير عن آرائهم على الملأ لإيصاله إلى الجميع وإلى من يؤيد ويعارض هذا الرأي فذلك لعدم توفر مكانة علمية للشخص ويمكن ذلك لمن يمتلك أو أن يكون شخصاً بارزاً لكي يكتب له مقال رأي في الجريدة والتي كانت الوسيلة الفريدة بجانب الراديو للخبر والرأي في ذلك الزمن قبل بدء ثورة الإنترنت بين البشر التي غزت اليوم عالمنا، كانوا يقرؤون الجرائد ويطلع الجميع على الرأي المكتوب فيها لكن لا أحد يمتلك وسيلة للتعليق أو الرد على هذا الرأي حتى وإن امتلك آلاف الحجج.

بقي الاختلاف اليوم يفسد الود والقضية ويحاسب القائل ويسلب الحق، الحرية الفكرية لم نعد نحظى منها شيء سوى الاسم وإن طبقتها بجدية ستحظى بزنزانة تليق بك وبأفكارك

أما اليوم نمتلك مجموعة كبيرة من شبكات التواصل الاجتماعي في عالم الإنترنت والتي أعطت زخماً كبيراً للتعبير عن الرأي بكل سلاسة وسهولة وبإمكان أي شخص من أي مكان أن يعلق على أي حدث، عندما قلت أن موطئ القدم هو أن يمتلك الشخص الوحيد صاحب الرأي المختلف القوة لإسكات كل مخالفيه في الرأي فذلك يعني أن حتى تلك الكلمات التي هي مجرد تعبير عن رأيك أصبح لها ثمناً في زمننا اليوم، لقد تطورت الوسائل التي يكمن في داخلها إيصال صوتك لعدد كبير جداً إلى من يؤيدك ويعارضك ويرد عليك ولكن هل تطورت حضارتنا!

 

هل تطور الإنسان إلى الأمام تطوراً بحداثة أم تطور بجهل!، أن تكتب كلمة في شبكاتك على الإنترنت أو أن تتكلم على منبر ما من رأسك وبحرية، ستتلقى سيل من الاعتراضات بشتى الأشكال ولكن في المقابل سترى مؤيدون لرأيك ولقضيتك وفكرتك، فمن يهاجم حرية الرأي والتعبير هو خوف من التأثير على المجتمع وتطوره وتحديق عينيه على قضايا مهمة يجب أن يشارك بها وأن يطرح ويبادل أفكاره عنها وأن يكون له حرية تعبير ورأي حر وطريقة للتعبير عن رأيه، عقول تحمل فكراً وقضايا ومواضيع فيها حقائق ومعلومات وفكراً جديدة فلا بد أن تقابل بحرب قوية وضارية وأن تعتبر نوع من الجريمة.

 

تكمن فكرة محاربة حرية التعبير في عدم تبادل المعلومات ومناقشة القضايا بين أفراد المجتمع أيضاُ وهذه نقطة مهمة وكي لا يكون لهم صوت حر يبني منصة كبيرة تؤثر على الأفراد وتتأثر من الآراء التي تتلقاها، يحاربوا الحرية الفكرية من أجل أن تبقى أفراد تصفق لا تناقش وتطرح، بعقول غامضة غير منفتحة، وأقلام تُدار من عقول غير عقول أصحابها وتكتب آراء غير آراءها وتأييد ومعارضة آراء لا تخصهم ولا تهمهم ولكن رأيهم وصوتهم استُحكم طوعاً عنهم، هم بالواقع مسؤولون عن رأيهم لكنه لا يمثلهم ولا يهمهم لأنه رأي غير حر نابغ من عقل غير عقله.


لن تستغرب أنت الذي تقرأ الآن لكن لو كان هذا الكلام في الزمن القديم لقال لي الذي يقرأ "هل تعي ما تقول"، لا ننكر خلو الماضي من بعض هذا الشيء لكن اليوم كم من سياسيين ودعاة وأساتذة ودكاترة وحتى مواطنون عاديون سجنوا لمجرد رأي ينتقد سياسة ما أو مكانة في الدولة أو رأي أحدهم، هل أصبح الرأي الحر الخالص من عقلي جريمة ترميني في السجن!

 

كم أتمنى أن نعود الى زمننا القديم لوجود حرية بسيطة ليست مسلوبة، ليس لمجرد كتابتك على الإنترنت أو في الجرائد أحياناً حتى لو كنت جالساً أمام بيتك أنت وصديقك تشرب الشاي وتتناقش بقضية ما وخالفت وانتقدت وعارضت لن تمضي ساعات الا وكنت مطلوباً للدولة صدقني يا عزيزي القارئ هذا شيء حصل ويحصل في واقعنا، رحم الله الأديب الكبير محمد الماغوط لم يخطئ عندما قال "أصبح الفم مجرد قن لإيواء اللسان" كم هو مؤسف أن يكون دكتور كبير نحبه أو شيخ أو سياسي له قضية أياً كان يسجن ويهترئ جسده في السجن بسبب ما قاله وكتبه على صفحاته.

 

بدا الإنترنت فعالاً بتطوراته ووجوده بين يدينا لكنه أصبح خطيراً أكثر من أن يكون مفيداً يساعد في تطور الإنسان والحضارة، أصبح مكان الجرائم الموثقة والمتهم بها، نحن لسنا في معركة بل نحن حقاً في حرب سياسية، تهمتنا جاهزة عند نطقنا بحرية، اختلافنا في الرأي لا يعني أنني أحاربك، وانتقادي لك أو لسياستك أو لقضيتك لا يعني أنني خصمك وعدوك في الجبهة، الذي بقي هو أن الاختلاف اليوم يفسد الود والقضية ويحاسب القائل ويسلب الحق، الحرية الفكرية لم نعد نحظى منها شيء سوى الاسم وإن طبقتها بجدية ستحظى بزنزانة تليق بجديتك، لقد أطبقت الرؤوس وماتت أفكارها، وا أسفاه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة