رشا محمود
رشا محمود
142

بعد عشرين عاماً.. ما زلت الطفلة التي تبهجها الألوان

12/5/2018

تبرق عيناي كطفلة صغيرة تثيرها الألوان والبهجة تخطف الزينة أنوارها، ويرجعها بوجي وطمطم إلى عمراً لن يعود، فانوسي النحاسي الذي لم أنفك حتى آخذ به "الحلولة"، من جميع أفراد العائلة فلا يفلت منهم فرداً إلا وأفرغت جيبة، لأشتري به قطع حلوي صغيره أْوجلها لما بعد الإفطار الذي يبدأ عندي بعد العصر وليس المغرب، وأحياناً الظهر.

 

(1)
كنت أبلغ من العمر 6 سنوات، أتهجأ الحروف واقرأها ككلمات، حين دخل أبي معي منافسة لأول مرة لختمة القرآن في رمضان، ورغم أنى لا أحب منذ صغري أسلوب التنافس، ولكن مع أبي الأمر مختلف، كان تحدياً سأنهي القرآن قبل نهاية الشهر قبل أن ينهيه هو. أتسلل خلسة لغرفة نومه في الصباح، أفتح مصحفه لأري إلى أين وصل في القرآن، أصاب بخيبة أمل حينما أراه يسبقني بجزء، ثم اثنين، أهرع إلى غرفتي لأحاول اللحاق بتلك الأجزاء قبل أن يأتي من العمل، وحينما أتلعثم في نطق كلمة كانت تلحقني أمي بتصحيحها، وأخبرها أن لا تخبر أبي إلى أين وصلت من الأجزاء.

ولاد خالتي كانوا جميعهم يكبروني بأعوام فأنا وأخي أصغر ما في عائلة أمي، نتجمع نحن العشرة في غرفة نقرأ قرآن ثم نبدأ بسنفونية من الأصوات الشاذة، لأغاني رمضان، بالفوانيس نجوب البيت ذهابا وإياباً

أجلس وأعد حروف الصفحة الواحدة ثم أضربها في عشرة، حينما أخبرني أبي أن الحسنة بعشر في كل حرف من حروف القرآن وفى رمضان يتضاعف الأمر، كنت أبتهج عندما أحصد ملايين الحسنات وكأنه كنزاً من الحلوى التي أحبها، كان ذلك الحافز الأكبر. أحب القصص كثيراً، أتذكر جيدا أني كنت أنتظرها بين طيات صفحات القرآن، قصة موسي، وقصة آدم، وقصة عيسى، ومريم، قصة أهل الكهف، أحببت الحروف والكلمات والمعاني بين السطور.

 

(2)
جارتي دينا التي تحمل نفس قدري من الشغب، ربما لذلك السبب تصادقنا، فكنا نألف المقالب، ربما كانت تلك هي الهواية الوحيدة لدينا. أذهب مع أبي إلى المسجد متشبثة بذيل قفطانه الأبيض كنت حينها في الرابعة والنصف من عمري، وانتظر دينا التي تأتي أيضاً في المسجد فهي رفيقتي فيما سوف نفعله سوياً، نصلي أول ركعتان، ثم نتسلل خلسة من بين الصف، ونذهب لننفذ خطتنا.


كنت أعافر بقامتي التي لم تبلغ شبراً ونصف، فاستند على سور صغير بالحائط، وتساعدني في ذلك دينا نطفئ ازرة الأنوار ونوقدها، ثم نذهب للمهمة التالية، الأحذية التي كانت هي هوايتنا الأساسية، لنبدل كل زوج من الأحذية بأخر من حذاء أخر، ليصبحوا كلهم مختلفين، لتعلوا صوت ضحكاتنا الشريرة بعد ان ينتهي الناس من الصلاة ويبحث كلاً منهم عن زوجي حذاءه متشابهين، كنا نعتبر ذلك لعبة من ألعاب البازل ونصفق لهم عندما يجد كلاً منهم حذاءه، يعرفون تماماً أننا من قمنا بتلك العملة.


كانت المعركة الحقيقية تبدأ وقت الافطار، لم نتابع التلفاز كثيراً في أسرتنا، لكن كل شيء كل شيء كان يمكن أن نفوته عدا، بوجي وطمطم ونينجا تارتليز، فكانت المعركة بيني وبين أخي الذي يصغرني بثلاث سنوات، والتي لم تكن تنفض أحياناً إلا بغلق التلفاز نهائياً. قبل الفجر كانت المعركة الكبرى، انتظر في شرفة منزلنا لساعات استرق السمع، ألتفت يميناً ويساراً، حتى يبهجني صوت "طبلته" انتظر اسمي أن ينادي من ضمن الأسماء، كان أخي ينزل جرياً عند سماعة، ولكن أبي كان يرفض نزولي لأطوف خلفه في مزقات شارعنا، فكل يوم كانت تلك المعركة الدائرة "اشمعني أخويا"، ولكن ما كان ينزل الثلج على صدري هو سماع اسمي في مناداته.


(4)
جدتي صاحبة الوليمة الأكبر، كنت انتظر يوم عزومتها بفارغ الصبر، كما كانت انتظر أيضاً ما افعله بها أثناء إعدادها الوليمة الكبري، فبعد أن انهيت صيامي بعد الظهر، أعرض عليها المساعدة، لأقوم بفعلتي المفضلة وهي التقاط حبات الطعام من كل ما تقوم بأعدادة، فتضربني على يدي "استني لما الأكل يخلص".. لا أصبر يا جدتي الرائحة تغمرني. تضع لي طبقاً في زاوية صغيرة بالمطبخ، وتقول: "كليه هنا، قبل أن يجئ أولاد خالتك، فيقولون: "يا فاطر رمضان يا خاسر دينك سكينة الجزار تقطع مصرينك" تلك الجملة التي تقطعني ارباً حينما اتخيل سكينة الجزار وهي تقطع معدتي.. أين سيذهب الطعام حينها إذا قطعت معدتي.


ولاد خالتي كانوا جميعهم يكبروني بأعوام فأنا وأخي أصغر ما في عائلة أمي، نتجمع نحن العشرة في غرفة نقرأ قرآن ثم نبدأ بسنفونية من الأصوات الشاذة، لأغاني رمضان، بالفوانيس نجوب البيت ذهابا وإياباً في طابور واحد، نقفز من فوق الأسرة، ثم نقف على الكنب، ثم ننزل على سلم العمارة، نطلب من جميع أفراد العائلة "الحلولة". تصرخ جدتي: "اقعدوا بقى هديتوا حيلنا"، ثم توزع التمر علينا وتقول: "استنوا ساعة الفطار وكلوه".

بعد عشرون عاماً.. أنا ما زلت تلك الطفلة التي تبهجها الألوان وتشتم رائحة رمضان في زينته وفوانيسه وتصر ان تأخذ "الحلوله" كل عام من آبيها

الجزيرة
 

(5)
صدمتي الكبرى حين كنت في التاسعة من عمري وكانت تلك السنة الثانية لصيامي صياماً كاملاً حقيقاً، ذهبت لأشتري لأمي كيلو من القطايف والكنافة، والتي كانتا مهمتاي الأساسيتان في إعدادهما، لأجد في طريقي رجلاً مفطراً يأكل في زاوية بالطريق، وقفت أمامه كثيراً، ترددت في أن أسئلة كيف ذلك، أتذكر أني وقفت لأكثر من ثلاث دقائق، لا أعلم ما المفترض بي أن أفعل، هل هو لا يعلم أن رمضان قد جاء، هل لا يعلم أن الإفطار بعد المغرب، هل أذهب لأخبره بذلك، ثم أيقظني صوت كلاكس سيارة كانت تريد أن تعبر.


أحضرت القطائف والكنافة، وذهبت مسرعة، أجري في الطريق، لأخبر أبي وأمي، عما رأيته في طريقي، أريد أجوبة، وأريد تبريرات عما شاهدته. فتح أبي المصحف، وأتي بسورة البقرة، وتلي آية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ،أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أو عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" وفسر لي الآية، أن ربما كان ذلك الرجل مسافراً أو مريضاً أو على غير ديننا، لم يكن يريد أن يصدمني أن هناك أناساً أصحاءاً بكامل العافية لم يصوموا أو يصلوا، عرفت ذلك بعد عشر أعوام، فكنت أعتقد طيلة تلك المدة أنهم فقط مسافرون أو مرضي. تنفست الصعداء بعد تفسير أبي، وذهبت لأعلق ما تبقى من الزينة مع أخي في شرفتنا، وأضع قليلا من لمساتي المزخرفة عليها لنعلق عليه الفانوس الذى أحضرته لي جدتي، فتصبح الشرفة جاهزة للعب والخناقات.


وبعد عشرون عاماً.. أنا ما زلت تلك الطفلة التي تبهجها الألوان وتشتم رائحة رمضان في زينته وفوانيسه وتصر أن تأخذ "الحلوله" كل عام من آبيها. يبدو المشهد معتاداً، كل عام في نفس التوقيت، الألوان، الزينة، تجمعات الأطفال، محال الفوانيس، الزحام، الأنوار المضاءة ليلا نهاراً، لكنه لم يكن اعتيادياً أبداً بالنسبة لي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة