"صنع في ألمانيا".. أسرار قوة الاقتصاد الألماني

14/5/2018

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن أحدا يتوقع أن تستطيع ألمانيا الخروج من الدمار الذي حل بها والنهوض من جديد بحيث لم يمر الكثير من الوقت عندما كانت ألمانيا تتسم ببعض صفات التعثر الاقتصادي من بطء في النمو وارتفاع في معدلات البطالة وعجوزات كبيرة في ميزانيتها، وحتى العام 2004 لم تتورع مجلة ذا إيكونوميست من نعتها بـ (رجل أوروبا المريض) أما اليوم ، فبات الاقتصاد الألماني يحتل المراتب الأولى في قائمة أكبر اقتصاديات العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وأصبح يعتبر الاقتصاد الألماني أهم سوق في دول الاتحاد الأوروبي، كما انخفض معدل البطالة إلى 5.3 بالمئة كثاني أقل نسبة بين دول الاتحاد واستطاعت ألمانيا أن تفعل ما اعتبره الكثيرون مستحيلا وأن تقوم بإعادة بناء اقتصادها بشكل إعجازي حتى أصبح الاقتصاد الألماني هو الاقتصاد الأقوى في القارة الأوروبية كلها.


ألمانيا هي أكبر اقتصاد وطني في أوروبا، تعتمد السياسة الاقتصادية الألمانية على مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي هو خليط دقيق من الاشتراكية وحرية الأفراد ويقوم على مبدأ ممارسة الدولة لدورها في ضمان تكافؤ الفرص، ليس فقط في الحصول على الوظائف، بل في التأهل لتلك الوظائف من ناحية الحصول على التعليم والتدريب اللازمين. أما القطاع الخاص، فتقع على عاتقه مسؤولية مجتمعية وبيئية، بالتالي فان هدف اقتصاد السوق الاجتماعي هو تحقيق اقصى حد من الرخاء مع أفضل ضمان اجتماعي ممكن، ألمانيا هي عضو مؤسس للاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، تشكل الصادرات أكثر من ثلث الناتج القومي، بحيث سجلت أعلى فائض تجاري في العالم بقيمة 270 بليون دولار، ممن يجعلها أكبر مصدر رأسمالي عالمي.

تحتل ألمانيا موقع الصدارة في المعارض التجارية، حيث تعقد في ألمانيا حوالي ثلثي المعارض التجارية الرائدة بالعالم في مختلف المدن الألمانية

تنتمي ألمانيا لأكثر بلدان العالم الصناعي تطورا، وتشكل بعد الولايات المتحدة واليابان ثالث أكبر اقتصاد في العالم. وبعدد سكانها البالغ 82.3 مليون نسمة تعتبر أيضا أكبر وأهم سوق في دول الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2007 بلغ حجم الناتج القومي المحلي في ألمانيا 2423 مليار يورو، الأمر الذي يعني متوسط دخل للفرد الواحد بما يعادل 29455 يورو. ومرد هذه الأرقام بشكل أساسي للتجارة الخارجية، ففي عام 2007 بلغ حجم الصادرات الألمانية 969 مليار يورو، بنسبة تعادل ثلث الناتج القومي الإجمالي، وبهذا الرقم احتلت ألمانيا مركز الدولة المصدرة رقم واحد في العالم. وبهذا فإن الاقتصاد الألماني ذو توجهات عالمية بشكل ليس له نظير، كما أنه أكثر تداخلا وترابطا مع الاقتصاد العالمي من الكثير من الدول الأخرى. وتساهم الصادرات من السلع والخدمات في تحقيق أكثر من ربع الدخل الألماني، كما يقوم أكثر من خمس فرص العمل على الصادرات.


ان سر تقدم ونجاح المانيا اقتصادياً له اسباب عديدة وليس سبباً واحداً، فليس هناك بلداً ثانيا على سطح الارض قاطبةً يملك أكثر من المانيا شركات تتزعم السوق العالمي، فمستشارون وعلماء الاقتصاد في الدول الصناعية الاخرى يبحثون الان عن اسرار هذا النجاح، حيث لم تكن اهمية فهم (النموذج الالماني) في يوم ما أكبر مما هي عليه اليوم. فخلال الـ 25 سنة الماضية احتلت المانيا 10 مرات الدرجة الاولى في العالم بالتصدير. فالتصدير اذاً وليس الطلب المحلي هو سبب الازدهار وقلة البطالة.


السبب الرئيسي لنجاح المانيا المستمر في التصدير يكمن في قوة الشركات ذات الحجم المتوسط، فما يقارب نصف عدد الشركات المصدرة في العالم ذات الحجم المتوسط هي المانية، وربع صادرات المانيا هي بالضبط من حصة هذه الشركات. ومن أبرز الصناعات التي يقوم عليها الاقتصاد الألماني صناعة الحديد والصلب، الفحم، الأسمنت، الوقود المعدني، الكيماويات، البلاستيك، الآلات، السيارات، القطارات، صناعة السفن، الإلكترونيات، تكنولوجيا المعلومات، الأدوية والأجهزة الطبية، الكحوليات، يعمل في هذا القطاع حوالي 30 بالمئة من إجمالي الأيدي العاملة في ألمانيا.


تحتل ألمانيا موقع الصدارة في المعارض التجارية، تعقد في ألمانيا حوالي ثلثي المعارض التجارية الرائدة بالعالم، أكبر المعارض والمؤتمرات التجارية الدولية السنوية تعقد في مختلف المدن الألمانية مثل هانوڤر، ميونخ، فرانكفورت، وبرلين وذلك نظرا لحيوية نشاطها الاقتصادي. من أهم المراكز الاقتصادية في ألمانيا منطقة الرور (منطقة صناعية كبيرة تتحول إلى مركز للصناعات التقنية والخدمات)، إضافة إلى المناطق المحيطة بمدن ميونيخ وشتوتغارت (تقنيات متطورة وسيارات)، منطقة الراين والنيكر (كيميائيات)، فرانكفورت (تمويل ومصارف)، هامبورگ (مرفأ، صناعة طائرات "إيرباص"، إعلام)، برلين ولايبتسك.

تمكنت ألمانيا من خلق اسم لنفسها كمحرك لماكينة الاقتصاد الأوروبي في الوقت الذي أصيبت فيه بعض دول منطقة اليورو بالركود

مواقع التواصل
 

في مقال سابق نشر في مجلة زيد دويتشيه تسايتونغ (Süddeutsche Zeitung) الألمانية عملت مقارنة بين اقتصاد كل ولاية المانية واقتصاديات دول أخرى، فظهرت نتائج أعجب من العجب، فاقتصاد مدينة برلين يعادل (اقتصاد دولة قطر)، واقتصاد هامبورغ يعادل اقتصاد دولة الكويت، أما اقتصاد ولاية بافاريا فعادل اقتصاد الارجنتين، اما اقتصاد ولاية راين لاند بفالتس الصغيرة التي تشبه دشرة فقد عادل اقتصاد دولة الجزائر (قبل موجة انخفاض أسعار البترول)، يعني حاليا حال اقتصاد هذه الدشرة احسن من اقتصاد الجزائر ،و كل مداخيله قبل الأزمة، وهذا ما يدل على قوة وصلابة الاقتصاد الألماني.


ومن بين العوامل الأساسية لنجاح الاقتصاد الألماني هو الإعداد والتكوين المستمر للكفاءات المتخصصة، ففي كل عام يتوافد نحو مائة ألف مهندس ومتخصص في العلوم الطبيعية على سوق العمل، قادمين من الجامعات والمعاهد التقنية الألمانية والتي يزيد عددها على المائتين موزعة على مختلف مدن ألمانيا.


تمكنت ألمانيا من خلق اسم لنفسها كمحرك لماكينة الاقتصاد الأوروبي في الوقت الذي أصيبت فيه بعض دول منطقة اليورو بالركود، بحيث ان عبارة (صنع في ألمانيا) المعروفة في جميع أنحاء العالم، تم تقديمها في الحقيقة من قبل الإنكليز من خلال (قانون علامات البضائع) في العالم 1887، والذي كان يهدف إلى حماية الأعمال الإنكليزية من المنتجات الألمانية (الأدنى درجة). وعلى الرغم من أن هذا الختم صُمم في البداية كنوع من العقاب، إلا أنه تحول ليصبح علامة معروفة في جميع أنحاء العالم وسمة مميزة تدل على الجودة العالية وقوة التحمل والتكنولوجيا المتطورة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة