رشيد أمشنوك
رشيد أمشنوك
267

التقنية الحديثة.. عندما يكون السجن خيارا وجوديا

15/5/2018

أسرت التقنية وجودنا كله، بل لم نعد نفكر إلا بها، ومعها، فقيودها وأغلالها الوثيقة، جعلتنا سجناء باحاتها، وأبوابها مصفدة، لا تقدر أن تفلت منها، إلا ووجودك متأثر ببركاتها وسخائها المنقطع النظير، وسخطها لن ينجو منه عدا من قاوم وكابد آهاتها، إذ لا أمن بوجودها، ولا أمان في غيابها، فإذا اختفت بمظاهرها المادية والحسية المباشرة، تركت آثارها النفسية والمعنوية المؤثرة، وإن كانت مزاياها جمة وغزيرة في مناحي الكينونة الإنسانية بأسرها، إلا أن سوءاتها أشد وأعظم، إذ أردت الإنسان أسيرا، سجينا، في عالم الشهوات، وغياهب الماديات، ففقد قيمته الأنطولوجية، التي هي مصدر فرادته وتميزه.
 
لم نعد نقدر على حياة طبيعية، نصارع فيها قساوة الطبيعة وظروفها، ونقاوم شدتها علينا، لذا أضحت كينونتنا تقتات من التقنية، ما نهون به عقابيل عصر قسى علينا، ونذلل تحديات واقع تجلى عسره في تفاصيل حياتنا، فذاع في كل أرجاء المعمور..
 
لم أكن أتصور أن يكون السجن خيارا وجوديا، تختاره الأمم لتسجن نفسها، وتقبع وراء أغلال لا ترى في معظم الأحيان، فاختراع الإنسان للتقنية، للسيطرة على الطبيعة والتحكم في نواميسها، لم يكن عدا وهما لشرعنة سلطة شمولية، باتت تتحكم فينا؛ في أفكارنا، وتصرفاتنا، وأذواقنا، واختياراتنا الوجودية، وماهيتنا الثقافية، وهويتنا التاريخية والاجتماعية، والقيمية والمعرفية، لذا فكل من يجرؤ على أن يتحرر من عقالها، لن يفلح في تحقيق مناله، سيما إذا كان جزءا منها، يتدثر بلبوسها، وينهج طريقها، إذ هي كائن سائل، لا يحد أثره، ولا يضبط إيقاعه، كما يكتسح البدن والذهن، ويسلب الهوية والذاتية..

 

أيتها التقنية إن كنت تسمعين، ارحمي وجودنا ولو لبرهة من الزمن، علنا نستجمع قوانا المفتتة المفككة، ونعود لجادة صراطنا، فلم نعد ندرك أننا انتمينا لكوكب، زعمناه لنا

إذا كانت التقنية قد قربت بعيدنا، وحررت أهواءنا، وصقلت إمكانياتنا، وطورت أنساقنا، وعرت أوهامنا، وبررت وجودنا، وأنعت الخوف الذي يدب في أوصالنا، فإنها في المقابل محقت خصوصياتنا، وغزت حياتنا، وأنهكت قوانا، ومكنت وجودنا، فأصبحنا أشياء حيث لا معنى لإنسانيتنا.. فلا تحدثني يا صديقي عن غير التقنية، في عالم اليوم؛ إذ إنها سجني وملاذي وروحي، ومأكلي، ومشربي، وملبسي، ومأواي، وهويتي وكينونتي، فمن ذا الذي يقدر أن يحيا بدونها، وهي التي سحلت قيمنا، وفتكت بأوصالنا، وأجبرتنا على الاستكانة لإملاءاتها مكرهين ومجبرين، وجرمت بساطتنا، وعبدت الطريق لحداثة غيرنا، كي يتسنى لنا اللحاق بركب من تمرغو في ترابها، وشربو من معينها، غير آبهين لعواقبها على تراثنا، وأصالتنا مصدر مجدنا، وتميزنا سر أجدادنا وسلفنا.

 

أي لعنة هذه التي لحقت بنا! وأي ذنب هذا الذي اقترفناه حتى نكون سجناء تقنية لا ترحم وجودنا، ولا ترأف بضعفنا! لقد أضعفت أبصارنا وبصائرنا، ويتمت مجتمعاتنا عندما بترت أوصالها، وأنهكت قوانا العقلية والفكرية، لا نبدع ولا ننتج، لكن نستهلك بضاعة غيرنا، طامعين في رضاه، ونتباهى بها بدعوى أنها رأسمال تميز العصر، ومعيار الألق والنماء، بل هو داء فتاك. فهل من معتبر !تركت لنا التقنية درسا وجوديا، لا يخبو أثره، عندما أوهمتنا برحلاتها المكوكية في عوالم الذات، وتخوم العالم، وآفاق الكون، بأن ظهورها حياة جديدة، ستسعد الإنسان، وتنتشله من وحل التعاسة الأنطولوجية، والشقاء اللعين، وصراعه الأبدي مع حتميات الطبيعة القاسية، لكن زادته بعدا عن الرهان المنتظر، لما أسر النسق التقني إرادته، وأفقده استقلاليته، وكدر صفو جبلته، وأنهك قواه. واتسعت الهوة أكثر، لما زعم المرؤ أن تقننة عالمه، ستزيده قوة في مدركاته ومعارفه وقدراته، فصدق الاعتقاد، ولم يأل جهدا في ارتياد الأسواق لاقتنائها، ودفع الغالي لتحقيقها، ظانا أنها الكنز المفقود، والوصفة السحرية الشافية، المعالجة لداء طال مكوثه. كم هي كثيرة الأوهام التي كنا نزعمها حقيقة، فأمست سرابا لا أثر لها في عالم المعنى، والحقيقة، كما لا صدى لها في الواقع.

أيتها التقنية إن كنت تسمعين، ارحمي وجودنا ولو لبرهة من الزمن، علنا نستجمع قوانا المفتتة المفككة، ونعود لجادة صراطنا، فلم نعد ندرك أننا انتمينا لكوكب، زعمناه لنا، واعتقدنا أنه ملك لنا وحدنا، لكنه تبين زيفه، بمكرك الذي أسر قوتنا، وسلطتك الآسرة التي عمت تخوم حياتنا، أحسنا بك الظن، فعقدنا عليك آمالا كثيرة، غدت سرابا وزيفا ووهما وواقعا مصطنعا بتعبير بودريار، لما رأينا وجودك بيننا سجن بحجم الكون والفضاء، لكن محكم الإقفال، كثير الأقفال.

لست ممن يلهون وراء التقنية الحديثة، ما جد فيها، وما استجد، ولست ممن ينكرون فضلها ومزاياها، فهي بكل تأكيد عظيمة وغزيرة، لكن أتحدث عن التقنية كثقافة اجتاحت وجودنا فأسرته، ووجداننا فأعمته، وإحساسنا فبلدته، وذوقنا فعكرته، بإرادة مباركة منا.. لذا أصبحت التقنية السجن الذي نختاره بغير مقاومة منا، بل بموافقتنا وحرصنا الشديد.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة