حاتم الشولي
حاتم الشولي
182

بعد 70 عاما من النكبة.. نقل السفارة ليست مشكلة

15/5/2018

يتزامن إطلاق الرصاص في حي الشيخ مؤنس فرحا بتأسيس "الدولة" مع إطلاق الرصاص في مخيم عين الحلوة في بيروت للاجئين الفلسطينيين بذكرى الخيبة والنكبة، ولمن لا يعرف حي الشيخ مؤنس فهو الآن مدينة كبيرة يطلق عليها اسم "تل أبيب" ولمن لم يسمع بمفهوم الدولة في فلسطين، فحاليا تسمى "إسرائيل" ولها سفارات في كل أنحاء العالم، حتى في بلدان حاربتها واستشهد الآلاف من ابنائها في وجه "إسرائيل" العدو في "حينها"، الأردن ومصر الآن بعد الجلوس في محاضرات وندوات ذكرى النكبة، مساءً سيشربون نخب تأسيس الدولة، ذاتها التي كنا نحارب، هذا ما يطلق عليه تحديدا "التاريخ البائس".

من قال أن المشهد هكذا انتهى، لا فهناك مشهد عالي المستوى يقام تحت الطاولة، طاولة بيضاء نظيفة جدا ومرتبة بطريقة مبالغ فيها في مكان عاجي يعلوها كأسين من الماء الصافي وحمامة سلام ترقد على بيض المشهد، ما يحاك تحت الطاولة أشد مرارة مما يحاك علنا في المشهد الساسي العربي المأزوم.

عندما تسقط القضايا المصيرية من مكانتها في الأولويات، لا تصلح بعدها لأن توضع في أي مكان سوى على هوامش كتب التاريخ، وأبواب الحمامات العامة من الداخل وفي زقاق المخيمات القديمة والسيارات المتهاكلة أما تطور التكنولوجيا، عندما تتغير أي بوصلة وطنية تصبح الصلاة إثما عظيما، والعبادة عادة مريعة، والخيانة "وجهة نظر" لها جمهورا في الصف الأول يدافع عن وجودها!

قبيل النكبة، لعله بإمكاني أن أشرح بالتفصيل ماذا سيحدث في مرور الذكرى السنوية للنكبة والتي تمثل احتلال فلسطين عام 1948، مذ كنت طفلا وأنا أعي تماما وأحفظ عن ظهر قلب هذه النمط الكلاسيكي من التباكي على خيباتنا.. وما أكثرها! لكن ربما هذا العام سيتغير الموقف قليلا بعيدا عن الأرقام التي لا حيلة لنا إلاها في التعلق على حبال الهزيمة، فنقل السفارة الامريكية كما يقولون للقدس هو اعتراف بوجود اسرائيل "الدولة".

لا حيلة بيدي سوى الكلام، كانوا قديما يقولون أن للبندقية والقلم فوهة واحدة، القلم فوهة الضعيف دوما وما أكبر سلسلة ضعفنا التاريخية، والرصاص فوهة العنيد، وما أعندنا عندما كنا نملك الرصاص

ما الجديد أتساءل دوما؟ هل في ضمائرهم أو في خطاباتهم ذكروا يوم أن القدس عاصمة فلسطين! إذا كنت تتوقع أن الإجابة صحيحة راجع أي خطاب جديد لأي زعيم أو مشرد أو مناضل أو بائع أحذية، ستجد أن كلمة كبيرة تنتهي بها الجملة "الشرقية" هكذا يرونها "القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين" يتحدثون عن القدس الغير موجودة على أرض الواقع وعن فلسطين "الدولة" الغير معترف بها حتى من أقرب سكانها "غزة" غرباً.

لماذا يشكل نقل السفارة الأن مأزقا جديدا للسادة! أفكر دوما لماذا دوما يجملون الأشياء لتقديمها ويعطونها رونق "الجدية"؟، ممن يخشون في هذا الزمن الرديء وطنيا؟، إنه الزمن المفعم بالتطور والانفتاح والمكتظ باليهود السياح الجيران الذين يقضون إجازاتهم الأسبوعية في الإرهامات والبتراء، ويشربون الشاي في السيدة زينب ويأخذون نفس أرجيلة في مقهى بلاط الرشيد في وسط عمّان.

يتشدقون بالمعاني والجمل ويسقطون الوطن.. أرجوكم دعوه يموت بهدوء ولا تتباكوا بخيباتكم على ضريحه الأخير ودعوا أصحابه الذين يبكون خلف أشجار الغابة أن ينزلوا للساحة، يا سادة.. خطاباتكم تشعرنا بالثمل.. ثملنا ثملنا، سبعون عاما من الثمل أما آن للرصاص أن يستيقظ، أما آن للثورة أن تشتعل، أما آن للمروءة أن تقول ولو لمرة "أااه يا وطن".

لا حيلة بيدي سوى الكلام، كانوا قديما يقولون أن للبندقية والقلم فوهة واحدة، القلم فوهة الضعيف دوما وما أكبر سلسلة ضعفنا التاريخية، والرصاص فوهة العنيد، وما أعندنا عندما كنا نملك الرصاص، فلم يكن لدينا "القدس الشرقية" بل كانت "القدس" عاصمة فلسطين، ولم يكن لدينا دولة "على حدود 1967" كانت لدينا فلسطين التاريخية على كامل التراب الفلسطيني، ولكن لم يبقى حاليا لدينا سوى صوت بعيد قادم من هاتف متطور جدا بصوت سيدة أكبر شيء عرفته في التكنولوجيا هو التلفزيون الكبير الأبيض والأسود صوتها ينادي وكأنه يصف الوضع المأزوم.. صوت الست يخدر أخر وجع في عروقي "وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة