أسامة حيان
أسامة حيان
1.5 k

لم أستفد من دخولي الجامعة.. فلا تدخلوها!

15/5/2018

أترك الجامعة وابدأ بالعمل! كان هذا عنوانا ً لمقطع فيديو شاهدته في بداية دراستي في الجامعة.. كانت بعض الحجج التي وضعت فيه تبدو لي منطقية جدا، إلا أني لم أكن أتبناها لكوني أحمل قيم تختلف عن قيم المتحدث في المقطع. وصلت إلى نهاية حياتي الدراسية، تخرجت وبدأت بالعمل وأدركت كم كانت الجامعة مختلفة عما وجدت في ذلك الفيديو، وتأكدت أن الجامعة "لا فائدة منها" لمن يريد ألا يستفيد منها أو لمن يريد تحصيل أشياء لا تقدمها الجامعة وأنه ليس من الطبيعي التركيز عليها لتقديم نظرة سوداوية عن الحياة الجامعية.

 

بالنسبة لي وبالنظر لما كنت أريده فقد أعطتني المرحلة الجامعية أشياء كثيرة وغيرت نظرتي للعديد من الأمور حتى أني تفاجأت بمدى ذلك التغير الذي وجدته في نفسي عندما التقيت بشخص لم أره منذ مرحلة الثانوية حيث لمست هذا التغير بعد حديث طويل معه ذكر لي في النهاية أنه لم يتصور أن حديثا ً كهذا سيجمعنا يوما ً.. حقا ً لقد غيرت التفاصيل التي مررت بها في الجامعة نظرتي لكثير من الأشياء بشكل جذري، لكن كيف! الإجابة ألخصها لكم في هذه النقاط التي قد استمد بعضها من تجربتي الخاصة وبعضها الآخر من تجارب رفاق الدراسة:

المعنى الحقيقي للنجاح وتغير النظرة إلى مفهوم الإنجاز:

عندما وصلت إلى مشروع إنهاء الدراسة تعرضت والدتي إلى وعكة صحية أثرت بشكل كبير على تركيزي على المشروع، تأملت في هذه الحادثة.. لو أنها أتت في العام الذي اجتزت فيه المسابقة الوطنية للدخول للمدارس العليا لربما كنت في مدرسة أخرى غير التي أنا بها الآن أو لربما كنت قد اخترت تخصصا ً غير الذي أرغب فيه، لو أن الحادثة وقعت عام اجتيازي للبكالوريا -الثانوية العامة- لأخذت حياتي مجرى آخر مختلفا ً تماما، أتذكر في هذه اللحظة صديقا ً متميزا ً ويملك ما يملك من الذكاء لي توفي والده في أول عام لنا في الجامعة وكيف أنه اضطر لترك الدراسة والتوجه للعمل ليعيل أخويه الصغيرين ووالدته، عندها عرفت بالضبط أن النجاح الذي ننشده ليس سوى اللبنة الأخيرة في بناء ٍ أحجارُه ُ الظروف والأشياء التي هيأها الله لنا لوضع تلك اللبنة.

 

كلما علمنا أكثر عن الشيء الذي نتحدث عنه فإن ثقتنا بأنفسنا تعود أقوى من ذي قبل وجرأتنا تصير أكبر، فالكثير من الارتباك يزول بالتفكير في تقديم الفائدة للجمهور وليس بمحاولة إثبات الذات

تيقنت أن الإنجاز الحقيقي يكون بمسايرة تلك الظروف لتحقيق شيء جيد يكمـّـل الأشياء الأخرى الموجودة في هذا العالم وهذا أهم إذا ما قارنناه بأهمية الميدان الذي نحقق فيه ذلك الشيء أو المكانة الاجتماعية التي ننالها ببلوغه، وأن هذه الظروف التي تصيغ سيناريوهات حياة الناس هي التي تصنع ذلك التكامل فلا يمكن أن تستقيم الحياة لو كنا جميعا ً متعلمين أو حاملين لشهادات جامعية، هنا ازداد احترامي للناس جميعهم وتقديري لكل ما يقوم به كل إنسان وكان أكبر ما صرت ُ أقدره في أولئك الذين تركوا الدراسة لسبب أو لآخر أنهم لم يجعلوا حياتهم تقف عند تجربة معينة وراحوا يبحثون عن فرصة حياة أخرى وكيف صنع ذلك فيهم الثقة بالنفس ومنحهم لونا ً من الشجاعة لا نملكه نحن الذين نتبع المسار الدراسي المرسوم لنا من قبل أشخاص آخرين.

الجرأة والتخلص من الخجل:

بعد اطلاع وبحث كبير في موضوع "الحديث أمام الجمهور"، وجدت أن كل المواد التي اطلعت عليها من مقالات ومقاطع فيديو على الويب لم تساعدني في تخطي خجلي والحديث بطلاقة، غير أن تجاوزي لهذه العقبة أتى بطريقة مختلفة، ففي الثانوية ظننت أني لن أتمكن من التخلص من الارتباك عند الوقوف أمام الحضور!

 

وهنا تجربتي اقتصرت على تنشيط فعاليات ومناسبات اجتماعية فقط.. الأمر اختلف بدخولي الجامعة حينما وجدت نفسي من جديد مضطرا ً للحديث أمام الجمهور، لكن هذه المرة في إطار مختلف، في إطار علمي يهتم بالمعلومة ويختبر دقتها، وكان الأمر الأهم في العروض التي نقدمها هذه المرة هو المعلومة ومدى معرفتنا بتفاصيلها وتأكُدُنا من صحتها والعبارات التي نستخدمها لإيصالها، إذن التركيز الأكبر سيصبح على ما نضعه في صفحات العرض من معلومات وعلى النص الذي سنلقيه على الأسماع أثناء تقليب تلك الصفحات وعن الفائدة التي سيجنيها المتلقي من كل ذلك، ودون أن أشعر وجدت نفسي من أول إلى آخر عرض خلال ثلاث سنوات أتحدث دون أي ارتباك رغم أن العروض كانت بالفرنسية والإنجليزية التي أتقنها بشكل أقل بكثير من العربية.

 

هنا خلُصْت ُ إلى أننا كلما علمنا أكثر عن الشيء الذي نتحدث عنه وكلما كنا أكثر دقة فإن ثقتنا بأنفسنا تعود أقوى من ذي قبل وجرأتنا تصير أكبر، وأن الكثير من الارتباك يزول بالتفكير في تقديم الفائدة للجمهور وليس في محاولة إثبات الذات أو إبهار الحضور. بعد التخلص من هذه الحواجز الذهنية والعودة إلى الفعاليات الاجتماعية والتطوعية وجدت لساني أكثر طلاقة وذهني أكثر حضورا ً وعلمت أن هذا لا يمكن تحقيقه إلا لما نجعل من الكلمة والفائدة هي محور تفكيرنا طوال مدة تواجدنا على المنصة للتقديم.

المقارنة بالآخرين والمشاعر السلبية:

لم أشعر بالعجز خلال مسيرتي الدراسية أمام المعلومة وفهمها إلا النقطة التي تناولناها سابقا ً "الحديث بالفرنسية والإنجليزية" وبذل الجهد عند استخدامها سببا لي بعض الاضطراب ليس أثناء الإلقاء بل بعده، لأني كنت أجد أن أفكاري أعمق إلا أن قاموسي اللغوي لا يسمح لي بالوصول إلى ذلك العمق، في حين أن طلبة آخرين كانوا أمهر في الحديث بهتين اللغتين وكان هذا أمرا ًمعيبا ً في المحيط الذي أدرس فيه، لم أتوقف هنا وقررت أن أواجه هذا العائق وأتخطاه، بحثت على الويب عن حل فوجدت الكثير من البولغرز واليوتيوبرز الذين أنشأوا قنواتهم الخاصة بغرض مساعدة متعلمي هذه اللغات على الكلام بطلاقة وتقديم تقنيات خاصة لهم، علمت بالتجول على مثل هذه الصفحات على الأنترنت أن العائق الذي أجده هو نتيجة طبيعية للنظام التعليمي الذي يقتصر على تلقيننا قواعد اللغة، وكيف أننا في الأخير رغم النتائج الممتازة التي نحصلها في اختبارات اللغة إلا أن الحديث بها يضل رهينة لعوامل أخرى كالاستماع والتكرار والتواصل والاستخدام اليومي.

 

تأمل وستجد كثيرا ً من الأشياء على مستوى التكوين الشخصي قد حصلتها من دخولك الجامعة بغض النظائر عن النتائج والشهادات المحصلة، لذلك فلا داعي للإحباط 

مواقع التواصل
 

هنا أدركت أن الأمر لم يكن فضيعا ً وأن وجود متفوقين على هذا الخط طبيعي أيضا ً بحكم معالم المحيط الذي نشأوا فيه فقررت التخلص من كل تلك المشاعر السلبية وترك المقارنة بالآخرين وقياس تقدمي مقارنة بنفسي وما كانت تتقنه بالأمس والموضع الذي هي فيه اليوم، أدركت حقا ً معنى عميقا ً يتكرر عادة ً في محاضرات تطوير الذات "أن تنافسك نفسك لا غير"، وعرفت كم من التقدم وانفتاح الذهن يمن أن يحصله المرء بادخار الطاقة المهدرة في تلك المشاعر السلبية والمقارنات الفارغة، أكد ذلك أستاذ منهجية البحث في الحصص الأولى عند بداية دراستي في فرنسا حيث قال متحدثا ً عن تدخلنا في المؤتمرات العلمية: "لا تضغط على نفسك بمحاولة أن تصبح شكسبير، أنت هنا لتقدم المعلومة ويجب أن تتقن من اللغة ما يسمح لك بالقيام بذلك، المؤتمرات العلمية يحضرها أشخاص من مختلف الجنسيات وبمستويات مختلفة في الإنجليزية لذلك فالبراعة في أن تقدم مادتك بأبسط أسلوب ممكن".


هذا لم يكن سوى مجموعة من الأفكار التي قد يحصلها المرء خلال فترة مزاولته للدراسة في الجامعة، قد أطرح نقاط أخرى في تدوينات لاحقة، لكن قبل ذلك يمكن ألخص كل هذا في القول إن هذه الأفكار جعلتني ومن تلاقاها معي نحيا بنفسية ٍ أكثر استقرارا ً وذهن أكثر اتقادا ً وتفتحا ً وعزيمة ٍ وتوجه ٍ نحو الهدف بشكل مباشر بعيدا ً عن مختلف أشكال التفكير العاطفي وكل ما يسببه لنا من اضطرابات وما يحدثه فينا من منغصات تفسد علينا الكثير من التفاصيل الجميلة في حياتنا اليومية وتكبل قدراتنا ومهاراتنا بقيود لا وجود لها في الواقع.


في الأخير تأمل فقط وستجد كثيرا ً من الأشياء على مستوى التكوين الشخصي قد حصلتها من دخولك الجامعة بغض النظائر عن النتائج والتقدم والشهادات المحصلة، لذلك فلا داعي للشعور بالإحباط مهما كان الوضع بعدها فهي تجربة ناجحة على مستوى الفرد ومفيدة له بأشكال قد لا ندركها وتمهد -مهما كانت نتيجتها- لأشياء أفضل فيما بعد ففي أسوأ الأحوال تبصر المرء بنقاط ضعفه فتسهّل له -إن لم ينجح هنا- التقدم بشكل أفضل في ميدان آخر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة