متمرّدون وطُغاة.. وكرامتنا التي نجدها في غزّة

15/5/2018
هو أحدْ الطُغاة الجدد، وقدْ سطعَ نجمه في الآونة الأخيرة كدكتاتور في أحدِ أفلام هذه الدنيا! ولكنْ من صنفِ الأذلّاء لأمريكا وإسرائيل، وطاغية جبّار على بني جلدتِه، يقولُ هذا العميل: أنَّ الفلسطينيين أضاعوا فُرصاً كثيرة والتي كانَ هدفها إيجاد حلول مع إسرائيل والعيش بسلام معها! وأضاف أيضاً أنَّ القضيّة الفلسطينية هي قضيّة ثانويّة لا تعنينا، وأنَّ هناك قضايا أهمَّ منها بكثير في الوقت الراهن! ثُمَّ تراه يُعقّبْ بعدها قائلاً: لدينا الكثير من المصالح مع إسرائيل، فهي ذات اقتصاد قوي مقارنةً بحجمها كدولة، والتحالف معها سيدرُّ الخير الكثير -أو كما قال-.

ذُهلتُ عند سماعي لهذا التصريح أوّلَ مرة! وقلتُ لنفسي: من هذا الذي يتحدّث عن الفلسطينيين بهذا الشكل؟ ومنْ أينَ أتى؟ وهل يظُنُّ نفسه قائداً مغواراً؟ ومُناضلاً على مستوى أممي؟ وهلْ يظُنُّ أنَّ كلامه هذا سيُعطي قالباً معيّناً للقضيّة؟ وعندما نسمحْ لأنفُسنا أنْ نصمتْ! وأنْ لا نعلّق أبداً على مهزلة كهذه، يجعل منْ الأمر كارثة حقيقية، ولسوف ينسف ما تبقّى لدينا من كرامة وثوريّة ضدّ أشباه هذا الرجل.

بدأتُ الحديث عن دكتاتور سيطرَ على الكثير من داعمي السُلطة هذه الأيام، ولطالما كانتْ الساحة السياسية على هذا الشكل، وتنقسم إلى شطرين: طُغاة، والثُلّة التي تُطبّل لهم وعلى الدوام، ومتمرّدون بمُختلف الأطياف والاتجاهات، بعيداً عن نقاش منْ يسير على درب الحقّ ومنْ يحيد عنه؟! وهناك منْ يكون على جانب عدم الانحياز، وهؤلاء مكانهم واضح ومعروف، فلا مكانَ للحياد في هذه الحرب! فلا بُدَّ أنْ تختار جانباً، إمَا متمرّداً وإما طاغية، وعلى الأرجح أنَّ مُعظم من يدعي الحياد سيجد نفسه مُصفقاً للطغاة، وبائعاً لمبادِئه وضميره.

في خضمّ الذلّ والمهانة التي نعيشُها، نرى شعب عزّة هو الرقم الأصعب فيها، وهو الشعب الذي يحفظ شيئاً من كرامتنا والله العظيم! لقدْ تشرذمنا في فصائل وضِعنا في دهاليز السياسة!
اقتباسي لعنوان هذا المقال كان من فيلم سطحي وتافه، وفي الحقيقة، فقدْ أضعتْ وقتي في مُشاهدته، وعادةً لا أقومُ بهذا بتاتاً، ولكنْ كانَ هناك فائدة جِدُّ بسيطة، ألا وهي عنوان هذا المقال، والفيلم كان للممثل فين ديزل، وقدْ قال فيه أنَّ هذه الدنيا عبارة عن متمردين وطُغاة وستبقى كذلك، Tyrants and Rebels، وصدقَ أرسطو عندما قال: ثقْ تماماً أنَّ هناك فائدة من أيّ موقف تواجهه مهما ظننته تافهاً أو بسيطاً!

الآن سأورد روايتين لإمامين تمرّدا على سُلطتهم، وكلٌّ له أسبابه وزمنه، الأولى للإمام أحمد، والثانية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وفي الأولى حدثَ التالي: وجّه حارس السجن سؤالاً إلى الإمام أحمد بن حنبل، الذي كان مسجوناً زمن الخليفة المأمون: يا إمام، قرأتَ علينا بعدَ الصلاة الحديث الشريف: منْ أعانَ ظالماً على ظُلمه سلّطه الله عليه. وها أنا تراني مجرّد حارس يفتحُ بابَ السجن ويُغلقه، فهل أنا ممن يُعين الظالم على ظلمه؟ فقال الإمام أحمد: لا، الذي يُعين الظالم هو الذي يَقصُّ له الشعر ويخصفُ له النعل، أمّا أنتَ فالظالم نفسه، فماذا يفعلُ الظالم بغير السجّان والجلّاد؟! وفي الثانية: كانَ شيخُ الإسلام ابن تيمية في سجنه، في سجنِ القلعة في دمشق، وجاءه جلّاده فقال: اغفرْ لي يا إمام فأنا مأمور، فقال له ابن تيمية: والله لولاك ما ظلموا!!
 
انطلاقاً من هنا، سأبدأ بسرد فحوى كلُّ ما أسلفتْ، فنحن الآن نشهد أحداثاً دامية في غزّة عقب إعلان فتح السفارة الأمريكية في القدس الشريف، وهذا نتيجة لإعلان ترمب أنَّ القدس عاصمة للكيان المحتلّ الغاشم، فهل من نظام أو حكومة ستعلّق على ما يحصل في غزة الآن! وكم منهم سيترحّم على شهداء المقاومة؟ في رأيي، منْ يلتزم الصمت خلال هذه الأحداث، سيعدّ طاغية سعره بسعر الحكومات العربية العميلة، ولا عُذر لكلّ عميل خائن لشعبه، وأولهم محمود عبّاس.
 
 
يقول حكيم الثورة جورج حبش: لا عُذرَ لمنْ أدرك الفكرة ثمَّ تخلّى عنها! وفي خضمّ الذلّ والمهانة التي نعيشُها، نرى شعب عزّة هو الرقم الأصعب فيها، وهو الشعب الذي يحفظ شيئاً من كرامتنا والله العظيم! لقدْ تشرذمنا في فصائل وضِعنا في دهاليز السياسة! ولكنْ علينا تذكر ما قاله غسّان كنفاني، فهو الذي قال عندما سُأل عن المفاوضات والسلام، فكان ردُّه: عن أيّ سلام تتحدّث وعن أيّ مفاوضات، اللغة الوحيدة مع هذا الكيان هي السلاح فقط!
 
يا الله كم أصبحنا كالرجال الآليين دون مشاعر، ومع كلِّ حدث دموي في غزّة، ننتفض قليلاً على مواقع التواصل! ومنْ ثمَّ ننسى وكأنَّ شيئاً لم يكن، وهذا أساس الدكتاتورية التي نعيشها، فهوسُها في التحكّم في الشعوب، وضخ ما أمكن من إعلام وترفيه لجعل الشعوب مغيبة تماماً، ولكنْ وكما قلتْ لا يزال هناك قومٌ في غزّة العزّة، وكأنّهم يقولون لنا: يا بشر يُوجد لدينا مقاومة وكرامة، ونحن نعلم أنّكم نسيتم هذا! ولكنْ نحن هنا لنبقى شوكة في حلق الخنازير الصهاينة، ونبقى أيضاً لنذكركم بمهانتكم! ونذكّر طغاة العرب أنَّ فلسطين ستظلُّ تقاوم مهما حصل، ومهما تآمرتم عليها، فالفكرة باقية ولن تُقتل يا أعداء الله.

وأُنهي مقالي ذاكراً الله، وقائلاً: منَ المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم منْ قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة