أحمد طلب
أحمد طلب
103

التعليم المصري تحت الرماد!

16/5/2018

يقول ألبرت أينشتاين: "إن الكل عبقري ولكن لو حكمت على السمكة بناء على قدرتها أن تتسلق الشجرة، فلن تستطيع، وبالتالي ستعيش حياتها الباقية مؤمنة أنها غبية". المعنى واضح وصحيح، ولكن لا يوجد صحيح يحدث في عالمنا الخطأ، فمصر (أخر دولة على مستوى العالم في التعليم) وذلك متوقع لأن طريقتها في التعليم قد دهسها الزمن بنعاله.. وتركها تحت الرماد.

 

إن طريقة التعليم المصرية الهزلية تلك، القائمة على حشر الكراس في الرأس، لا تجعل الأطفال مثل السمكة تقف عاجزة أمام تسلق الأشجار فحسب، بل تجعلهم يحفرون أميالا ليدفنوا أنفسهم في الأسفل، ويصبحوا مثل طريقة تعلميهم تحت الرماد، ولكن الذي يختلف أن التعليم قد يتطور، ولكن هؤلاء الأطفال بعدما يكبروا، سيحفرون أميالا وأميالا في الأرض، وكلما وثب الزمان، كلما كان من العسير انقاذهم من قبرهم، هل مدارسنا فخورة بتلك الطريقة؟! طريقة إعدام رقبة الفطرة بدل إحياءها، وتحويل الطفل إلى روبوت، كل ما عليه فقط أن يحفظ ويحفظ دون فهم، هل تجد حكومتنا ومدارسنا ذلك ممتعا؟! إننا عشنا احساس تلك السمكة لسنوات، جعلتنا مدارسنا وبيئتنا كذلك لا نرى سوى الشجرة.

نحن عشنا لسنوات نسبح عكس التيار، لم يلفت انتباهنا فرد واحد على شيء اسمه الموهبة، ظانين أن عدم قدرتنا على الحفظ غباء ونحن بلا فائدة، قتلت مدارسنا الابداع والتميز والفردانية، لم يجعل الله لكل فرد بصمة مختلفة هباء، أثبتت الدراسات أنه لا يوجد عقلان متشابهان، إن مدارسنا ليست بحاجة إلى تجديد جدرانها، بل إلى تجديد كيانها. نسعى جاهدين لشراء سيارة أحدث.. موبايل أحدث.. موضة أجمل.. تسريحة شعر أميز.. منزل أفضل.. نتطور في كل شيء ونطور كل شيء، ونستبدل حديثه بقديمه.. إلا العلم.

خطأ تعليمي بحت، خطأ مقذع، أن تحكم على كل الأطفال بالإعدام فرضا، متجاهلا أن كل طفل لديه قدرات مختلفة، مواهب مختلفة، مشاعر مختلفة، احتياجات مختلفة

إذ أن منهج التعليم الحديث لا نعلم عنه شيئا، إننا لو نظرنا لقرن فائت لوجدنا اختلافا جللا بين كل شيء الآن وكل شيء فيما مضى، إلا طريقة التعليم المصري، التي أثرت الاندثار بين التراب، والانتشار قاتلة عقول الطلاب. كم هو شيء مخجل أن نتطور بكل شيء، إلا أهم شيء وهو العقل.. يظنون أنهم يهيئون أبناء الغد للمستقبل، ولكنهم بهذا الفعل الشنيع القاتل للفطرة يحفرونهم في قائمة الماضي المنسي، أن يكون هم كل طفل الحصول على الامتياز، تلك الدرجة التي تحدد جودته وكأنه سلعــة.


ليس من الشرط أن أكون غاندى أو أينشتاين أو حتى الامـام الشافعي، إنني لا أريد أن أصير روبوتا.. في عصرنا هذا نحن في أمس الحاجة الـى أناس يفكرون بطريقة جديدة مبتكرة خلاقة مبدعة تحليلية مرتكزة على الاستقلال الذاتي، إن الأباء يؤكدون أنه لا يوجد أخوان متطابقان، فهذا ليس شرطا إطلاقا، قد تختلف مع كل أقرباءك، هذا ليس عجيبا لو أدركت تلك الحقيقة.. إذن لماذا تعاملنا مدارسنا بتلك الطريقة.. طريقة أننا أحذية نناسب جميع المقاسات.. يا الله حتى الحذاء لا يناسب جميع المقاسات، ان الطبيب لو وصف دواء لكل مرضاه.. فالنتيجة ستكون مؤسفة، إننا نمرض ولكن كل الأمراض تهون، الا أمراض العقول فإنها تقتل أغلى ما بالإنسان.. انسانيته.

هذا خطأ تعليمي بحت، خطأ مقذع، أن تحكم على كل الأطفال بالإعدام فرضا، متجاهلا أن كل طفل لديه قدرات مختلفة، مواهب مختلفة، مشاعر مختلفة، احتياجات مختلفة، أحلام مختلفة، ورغم ذلك كله ندرسهم نفس الشيء بنفس الطريقة وتحدث نفس النتائج وهى جمود الفكر والفطرة والابداع.. هذا شئت مأساوي فظيع، ان هذه جريمة من أبشع الجرائم البشرية، قتل الفطرة، ومحو بصمة اصبع الطفل التي تميزه وتخرج السمكة من الماء حيث قدرتها على السباحة، وتدفنها تحت الرماد، ما أبشعها جريمة، والحق يقال، ان مصر جعلت الفكر اخر تفكيرها واهتمامها.

وظيفة المعلم هي أهم وظيفة على هذا الكوكب، في مصر لو أن الطالب ابن ضابط شرطة مثلا، فسوف يجعل والده المعلم يعتذر له ويحنى جبهته ذلا، في مصر لا قيمة للمعلم، راتبه متدنى، فلا تعجب إن رأيت طلابا كثيرين يعاملون بلا عدل، لنكن واقعيين، يجب أن تدفع رواتب المعلمين كاملة، ولا ينقصون قيمة عن الأطباء، في أوروبا حيث العلم هو المقر الأعظم، المعلم أرقى وظيفة وأصعب منال.. حتى أنه يتفوق على الطبيب، فالطبيب قد يقوم بعملية جراحية للقلب وينقذ طفلا من الموت، لكن المعلم يستطيع أن يمد يده لتلامس شرايين ذلك الطفل، ويتواصل معه، ويسمح له أن يعيش حقا بحقه في التعبير والحياة.

 

ليس للمعلمين ذنب فيما يحدث، هم ليسوا المشكلة، برغم أن بعضهم يعشق تلك الطريقة الجامدة، هم مجبرون على العمل في هذا النظام حتى يحفظ الطفل ويثبت كفاءته بين أهله وعشيرته بالامتياز، إن الذنب كله على خالقي تلك الطريقة وكاتبيها، وأغلب صانعيها لم يدرس بحق كما يجب.. ولم يمتلك يوما بصمة تميز، كل همهم ورقة الاختبار، معتقدين أن اختر الاجابة الصحيحة وعلل وفسر في مواضيع لا تمت للواقع بصلة هي التي ستحدد نجاحه في الحياة.. شيء مثير للسخرية المصحوبة بالدموع، اختبارات غير صالحة لتكوين العقل، ان مخترع تلك الطريقة المأساوية هو (فريدرك.ج.كيلى) الذى قال برمته عن الاختبارات الموحدة: "هذه الاختبارات بسيطة جدا لدرجة عدم صلاحيتها ويجب التخلي عنها"، هذه طريقة استمراريتها مدمرة خانقة لنبض الفردانية والحلم.

الأطفال بيننا اليوم ليسوا كل شيء، ولكنهم في الغد سيكونون كل شيء، لذلك يجب علينا جميعا الالتفات لأحلامهم، طموحاتهم، اهتماماتهم

رويترز
 

مدارسنا أحببناها في طفولتنا ونسبها بأقذع الألفاظ في شبابنا، الحل عند الناس قبل المدارس، يجب على الناس اخراج تلك الفطرة من داخل كل طالب، هذه مهمة ليست هينة، ولكن بدونها فلا أمل يرجى في مصر في أي مجال، كل الوظائف تنهل من رحيق المعلم. يجب أن نمد أيدينا لأعماق كل طفل، بالتأكيد الفيزياء مهمة.. الرياضيات مهمة.. الكيمياء مهمة.. ولكنها ليست أكثر أهمية من التربية الاسلامية والأدب والفن الراقي.. لنعطي كل المواهب فرص متساوية.. رجل الأعمال لن يجد بدون الفلاح المادة الخام التي يرتكز عليها عماله بالمصنع.


إن ذلك التغيير يشبه الحلم البعيد بعد النجوم عن الأرض، ولكن بعد أشد الانهيار يكون أقصى العمار، وأشد اللحظات ظلمة هي تلك التي تسبق شعاع النهار، فلنعتبر باليابان، بدأت نهضتها من الصفر، نهضة شاملة، وقد بدأت بالتعليم، كما أن ديننا ركز كل تركيزه قبل أي شيء باقرا، وعلم بالقلم، اذن هذا هو أهم ما يجب أن نصبو اليه ونطوره ونحققه تاما بلا تشوهات، لنخلق التعاون بين الطلاب بدلا من جعلهم يتنافسون على المركز الأول، وعلى صدى ذلك فان هذا يخلق البغض بينهم بفعل الأهالي والمعلمين عادة، هناك حلول كثيرة لتلك المشكلة كمدارس المنتسوري والبرامج الأكاديمية والتعليمية، ولكن لنعقد العزم أولا .


إن الأطفال بيننا اليوم ليسوا كل شيء، ولكنهم في الغد سيكونون كل شيء، لذلك يجب علينا جميعا الالتفات لأحلامهم، طموحاتهم، اهتماماتهم، أن نجعلهم يعيشون في عالم سلس كالماء تستطيع السمكة أن تسبح فيه. في الختام.. التعليم المصري تحت الرماد، لكن الرماد ذاك يقبل ماء التطور وشعاع شمس الابداع، فتنبت نبتة العلم وتزهر زهرة الفردانية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة