علي يوسف
علي يوسف
541

ثلاث وقفات مع المفكر مالك بن نبي

16/5/2018

كثيراً ما ينتابني الطرب عند قراءتي للرافعي والمفكر مالك بن نبي، الأول تأخذني كلماته إلى أسرار العاطفة وتجلياتها، بينما الثاني تعمل كلماته على تحفيز عقليتي، الأديب تجعلني كتاباته أتذوق جمالية اللغة العربية؛ وكأني استمع إلى لحنٍ موسيقي جميل، أما المفكر مالك بن نبي لا أملُّ التنقيب والبحث عن مقاصده الفكرية التي ترمي إليه كتاباته، وما إن أخرج بنتيجة حتى تصدر مني صيحة النصر. الرافعي ينمي الحس التعبيري؛ وبن نبي يطور آلية التفكير، كليهما مصدر إغناءٍ للعاطفة والعقل.
   
حدث أثناء قراءتي كتاب "بين الرشاد والتيه" للمفكر مالك بن نبي أن استوقفتني ثلاث عبارات، تحمل كل واحدة منها مضامين ذات قيمة كبيرة إذا ما تلقفناها بشكلها الصحيح قولاً وعملاً:

الأولى: "العلم الذي لا يترجمه عمل يظل ترفاً لا مكان له.."(1)، أراد بن نبي من ذكره لهذه العبارة إيصال فكرة مفادها أن الفاعلية لدى السلطة الحاكمة تتمثل في التوفيق بين العلم النظري والعمل السياسي، إذ لا قيمة لعلم يبقى حبيس الكتب؛ ولا عملٍ سياسي لا يستند إلى العلم. بالمقابل لهذه العبارة تفسير آخر على عدة مستويات لا تخلو من الأهمية، منها الفردي والمؤسساتي.
   
الجانب الفردي نجد افتقار العلم إلى عمل يترجمه بشكل واضح لدى مفكري أمتنا الإسلامية والعربية، حيث أن منهجهم الفكري يملأ المكتبات ومواقع النت دون أن يكون له أي عمل يعكس فاعليته، وهذه المعضلة ذات أثر خطير على الأمة؛ بسبب الهدر الذي يلازم الإنتاج الفكري وبالتالي ازدياد وضع الأمة أكثر سوءاً، للخروج من هذا المأزق لابد من تفعيل مؤسسات يشرف عليها مفكرون تساعدهم في تحويل أطروحاتهم إلى عمل ملموس يساهم في تغيير الواقع للأفضل.
   

يعد الضمير أو الأخلاق إن صح التعبير الرادع الحقيقي والجامح لمطامع العلم الذي لا يعرف حدود الحق والباطل، لذلك كانت الأخلاق أعلى قيمةً من العلم بمفرده

أما دلالة العبارة على المستوى المؤسساتي نجده لدى الجامعات العربية التي ما تزال تستخدم أسلوب التلقين واختبار الذاكرة لدى الطلاب دون القيام بإكساب الطلبة مهارات عملية إلى جانب التعليم الذي يتلقونه، وفي النهاية تخرج الجامعات طلبة تم حشو أدمغتهم بالعلم دون امتلاكهم عملٌ يترجم تحصيلهم العلمي، العلم والعمل مرتبطان بشكل وثيق ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وعلم لا يصحبه عمل لا وزن له.
   
تتمثل العبارة الثانية في قوله: "العمل العفوي لا يعطي نتيجة ثابتة، فالقضية لا تعدو أن تكون مشروطة بالمنهج)(2)، قصد بن نبي بهذه العبارة التأكيد على أهمية العلم لدى القائمين على تنمية الوطن، وحثهم على الاتصاف بالمعرفة الدقيقة لأدوات ووسائل التنمية حيث أن حسن النية -وإن كانت مهمة- غير كفيلة وحدها في إتقان الموظف لعمله بشكل صحيح، فالعمل حتى نضمن فاعليته لابد أن يقترن بعلم متين يخرجه على قدر عالي من الجودة، وإلا يكون العمل ذو جودة ضعيفة ورديئة مهما كان العامل يتمتع بصفات حميدة، من النماذج التي تعاني هذه الآفة المؤسسات الخيرية التي تقدم حسن سيرة شاغل الوظيفة على كفاءته العلمية، مما يؤدي إلى ضعف إنتاجية تلك المؤسسات وبالتالي التأثير على أوضاع المستفيدين، وتكون النهاية إغلاق المؤسسة وانحسار الدور الإنساني الذي تقوم به تلك المؤسسات في المجتمع.
 
العبارة الثالثة والأخيرة اقتبسها المفكر مالك بن نبي من الكاتب الفرنسي رابليه "العلم بغير ضمير ليس إلا خراب الروح)(3) تعد هذه العبارة ذات دلالة عميقة فهي في المقام الأول تشير إلى أن العلم وحده لا يفرق بين الخير والشر، لذلك وجب على كل عالم ومتعلم مراقبة ضميره في كل خطوة يخطوها وألا يركن إلى العلم فقط، فالضمير يعتبر بمثابة الفرامل التي تخفف من سرعة العلم ويمنعه من تجاوز الحدود، فكم رأينا من عالمٍ عطل ضميره وكانت النتيجة ضياع الكثيرين بسببه، وقد أردف بن نبي هذه العبارة في مقاله كي يوضح دور العلمانية في فصل الأخلاق عن العلم، أثناء التطور العلمي المتسارع حينها(4) الذي نتج عنه الصراع الطبقي بين أصحاب رؤوس الأموال المترفين والعمال المحرومين، وهو هنا يتكلم عن التأثير العام في انفصال العلم عن الأخلاق داخل المجتمع.
     

 
أما في ظل الظروف التي يمر بها الوطن العربي كثيراً ما تحدثت وصديقي عمر علمي نيمر عن جانبٍ آخر لانعدام الأخلاق لدى أرباب العلم، الذين يفتقرون للضمير ويعتبرون خامات علمية لها مكانة الاجتماعية وتأثير كبير على شريحة واسعة من الجماهير، فالجماهير تكن كل التقدير والاحترام والثقة العمياء لذاك العالم أو المفكر أو المثقف، فهي تدافع عن أطروحاته بكل استماتة دون أن تعلم أن قدوتهم ابتاع ضميره بحفنة من المال.
    
يعد الضمير أو الأخلاق إن صح التعبير الرادع الحقيقي والجامح لمطامع العلم الذي لا يعرف حدود الحق والباطل، لذلك كانت الأخلاق أعلى قيمةً من العلم بمفرده، لذا من جميل المنطق والسيرة أن يتمتع العالم والمفكر والمثقف بقدر كبير من الخلق الرفيع، فالعلم يهدف إلى السمو بالإنسان لا انحطاط به أو استغلاله، ولا يكون العلم سامياً إذا لم يستجب إلى نداء الأخلاق. تتميز مؤلفات المفكر مالك بن نبي أنها تجعل من الشخص يقف موقف المفكر والناقد المصحح للسلوكيات الاجتماعية العامة والحضارية بشكل خاص، وحريٌ بنا أن نتأمل في العبارات الثلاث ونسقطها على واقعنا الشخصي أولاً ومدى التزامنا بها إن كان الجواب نعم فبها ونعمة؛ أما إن كان الجواب بالنفي فما زال في العمر بقية لتصحيح الوضع.
_____________________________________________________________________________________________________

الهوامش:
(1) بين الرشاد والتيه، مالك بن نبي، دار الفكر، الطبعة العاشرة، صـ 39.
(2) المصدر السابق صـ 43
(3) المصدر السابق صـ 73
(4) كتب المقال في سنة 1967

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة