واضربوهن.. هل شرّع الإسلام ضرب النساء؟

16/5/2018

من المسائل التي قد يصادفها المرء في علم النفس، والتي قد تثير الاستغراب، بل والاستنكار أيضا، ما ذهب إليه بعضهم "من أن غريزة الخضوع تقوى أحيانا، فيجد صاحبها لذة في أن يكون متسلطا عليه، ويحتمل ذلك الألم بغبطة. وهذه الغريزة شائعة بين النساء وإن لم يعرفنها، ومن أجلها اشتهرن بالقدرة على احتمال الألم أكثر من الرجل، والزوجة من هذا النوع تزداد إعجابا بزوجها كلما ضربها وقسى عليها، ولا شيء يحزن بعض النساء مثل الزوج الذي يكون رقيق الحاشية دائما، لا يثور أبدا على الرغم من تحديه."


البدء بهذا الرأي لا يعني تأييده، أو تبنيه، أو دعوة إلى العمل به، وإنما هو تأكيد لهذه النسبية التي تطبع عالمنا وتغمره بكل تفاصيله وجزئياته، فحتى تلك الأمور التي قد يبدو أن الجميع متفق عليها يتخللها الشذوذ والاختلاف، فلا شيء مطلق في الوجود. وقد وجد بعض المستشرقين غير المنصفين في فكرة وجود الضرب في تشريع تأديب المرأة مرتعا رتعوا فيه كيفما شاءوا، فولولوا وتباكوا، ووصفوا الإسلام بالعنف تجاه المرأة، والحط من كرامتها وإنسانيتها، زاعمين أن زمن الضرب قد ولى، وأنه وسيلة تربوية فاشلة لا تؤدي إلا إلى نتائج سلبية.


والغريب في الأمر أن هؤلاء صاروا يضخمون من شأن هذا الضرب، ويهولون من أمره حتى اعتقد البعض أنه ضرب يؤدي إلى الهلاك، أو إلى عاهات مستديمة. وهذا جهل منهم بالفقه الإسلامي وقواعده؛ فهذا الضرب حسب الفقهاء يجب أن يكون غير مبرح، كما أنه آخر الحلول التي يلجأ إليها (لمن أراد أن يلجأ إليها) بعد الوعظ والهجر في المضاجع.

الضرب في شريعة الإسلام - كما يقول أمير عبد العزيز - ليس بالمحمود بل على العكس فإنه مذموم في كل الأحوال، ورغم وجوده والنص عليه فإن تطبيقه العملي نادرا ما يحصل

ومن الجهل كذلك بالفقه الإسلامي ظنهم أن مسألة التأديب عن طريق الضرب قاصرة على المرأة فقط، في حين أن الفقهاء ألحقوا نشوز الزوج بنشوز الزوجة باعتبار أن النشوز في حد ذاته معصية تستوجب التأديب وعمل من شأنه تهديد استقرار الزوجية. فكلا الزوجين سواء في مسألة التأديب، ولكن الغريب والمدهش الذي لم ينتبه إليه هؤلاء هو أن تأديب الزوجة يكون أكرم لها وأحفظ لسمعتها، بل إنه قد لا يعلم أحد بهذا الأمر حتى المقربون منها، بخلاف الزوج الذي يفضح أمام الملأ.

 

يقول الفقيه محمد التاويل في كتابه "لا ذكورية في الفقه": "وإذا كان تأديب المرأة يتولاه الزوج في بيت الزوجية سترا على زوجته وحفاظا على سمعتها وكرامتها، فإن الزوج يقوم بتأديبه الحاكم، يعظه أولا فإن لم ينفع أمرها بهجره في المضاجع، فإن لم يفد عاقبه الحاكم بالضرب أمام الناس" فمن الذي يحق له أن يتهم الإسلام بظلمه، هل الرجل أم المرأة؟ هل الذي يفضح وتهان كرامته أمام الملأ، أم التي تستر وتصان كرامتها ولا يدري أحد أضربت فعلا أم لا؟


ثم إن الضرب مرتبط بنفسية الإنسان وما يحيط به من ظروف ومثيرات، كما أنه لا يتعلق به حكم في التشريع الإسلامي رغم أنه جاء بصيغة الأمر، فلا هو بواجب ولا منذوب. وحتى إن افترضنا جدلا أنه لم يرد ضرب في شريعة الإسلام أو نهي عنه أصلا، فلا شك أنه واقع من الرجال لا محالة، والواقع والمحاكم في عصرنا الحالي أكبر شاهد على ذلك، بل إن بعض الدول خصصت محاكم خاصة بالأسرة بسبب كثرة النزاعات بين الأزواج.


وعموما فإن الضرب في شريعة الإسلام -كما يقول أمير عبد العزيز- ليس بالمحمود بل على العكس فإنه مذموم في كل الأحوال، ورغم وجوده والنص عليه فإن تطبيقه العملي نادرا ما يحصل، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو قدوة المسلمين لم يضرب نساءه قط مع أنهن أغضبنه وضيقن عليهم أكثر من مرة، فما كان صلى الله عليه وسلم يلوذ إلا بطول الصبر والاحتمال وسعة الصدر، وهذا هو شأن المسلم الصادق الودود، فإنه يستعلي عن حظ النفس في الانفعال وإشفاء الغليل ليترفع عن إيذاء الزوجة بشتم أو ضرب أو نحوهما.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة