محمد صلاح حسين
محمد صلاح حسين
376

الزواج بالإكراه.. متى ينتهي المجتمع عن هذه العادة السيئة؟

17/5/2018

"إنها لا تريد الزواج إطلاقا ولو كنت مكانك لتركت هذا الموضوع البتة".

قال وعيناه الذكيتان لم تعودا ذكيتين.. "لن أتزوج غيرها ستقبلني وأنفها صاغر، من تظن نفسها ملكة أم أميرة، تحمد الله أنها وجدت زوجا مثلي".
فقلت له: "إن كانت كسائر النساء فلماذا الإصرار"..

بغتة تفجر منه غضب جنوني في ثورة عارمة: "إنها ستتزوجني رغم أنفها وأنفك.. أبوها قبل وإخوتها قبلوا أما الكلام الفارغ الذي تتعلمونه في المدارس لا يسير عندنا هذا البلد فيه الرجال قوامون على النساء".


كان هذا أحد الحوارات وأشدها سخونة في رائعة الطيب صالح وأشهر أعماله قاطبة موسم الهجرة إلى الشمال ذلك العمل الذي لطالما اختلفت حوله الآراء وأثار دونه الخلافات العنيفة والحوارات الشديدة لكثر ما تحمله الرواية من فحوى ويتدثر في غطائه الكثير من المعاني التي أزعجت البعض بينما رأى البعض فيها رائعة من روائع الأدب، وسواء اختلف الجميع في أحداث الرواية وتفصيلاتها التي يراها البعض تعج بالمشاهد الجنسية والتعريضات والمصطلحات التي رأها البعض فجة وصريحة إلا أن الجميع يتفق مما لا يجعل مجالا للشك على ملامسة ذلك الحوار لفاجعة لطالما أصابت ونخرت في أواصر الشعوب العربية خاصة والإسلامية عامة، الأمر الذي ينص ديننا الحنيف على عكسه تماما نافيا ورافضا للإكراه والإلزام في كل نواحي الحياة رفضا قاطعا وناهيا عموما والزواج منها خصوصا.


كانت تلك حسنة بنت محمود زوجة الشخصية الرئيسة في الرواية مصطفى سعيد الذي رحل تاركا خلفه زوجته البسيطة بطفليه الأثنين لتجد نفسها أمام سلطة القبيلة وفرض العرف والتقاليد لتكتوي بنارها غير قادرة على مواجهة تلك الضغوطات لتجد نفسها بين مطرقة العرف وسندان القبلية. صورة حسنة قفزت جلية واضحة وانا أطالعها بيانا عيانا بعيدا عن عالم الرواية وجدلية الخيال لتتجسد حقيقة مرة الطعم مؤلمة المسمع يتردد صداها اختلفت فيها الأسماء وتبدلت الأزمان فأضحت حسنة نورا وأضحت الأرملة بكرا ذات 19 عشر ربيعا تبدل كل شيء لكن الفاجعة تبقى نفسها.

تلك الأعراف والحالات التي لطالما قفزت هنا وهناك وليست على ما يبدو حكرا على بلد عربي دون أخر لطالما كانت أرضا ومرتعا لقصص كقصة نورا

ولمن لا يعرف نورا فهي فتاة أكرهت على الزواج وهي ابنة 16 عشر ربيعا ولكنها رفضت واصرت على رفضها برغم إصرار أهلها على إتمام مراسم ذلك الزواج وإقامة عقد القران عنوة وقسرا لتهرع نورا وتلوذ بالفرار عندما أتمت عامها التاسع عشر بعد إصرار أهلها على إتمام الزواج لكنها فضلت الهرب ساعية للخلاص والنجاة وطلبا للحماية والملجأ في بيت عمتها في ولاية أخرى ليخبرها أهلها بعدولهم عن قرارهم والعودة عنه لتعود مطمئنة إلى بيت أهلها لتفاجئ بوجود حفل جماهيري وتجهيزات تفيد بمراسم الزواج وتغصب على الزواج به عنوة وغصبا وتسلم إليه بعد خداعها وإيهامها بخلاف ذلك.

ليأخذها إلى الخرطوم العاصمة في أحد أحيائها وحسب أقوال نورا أنها رفضته لمدة خمسة أيام متتالية رافضة أن يقربها ولكنه في اليوم السادس أحضر شقيقه وأبناء عمومته وقام باغتصابها أمامهم بعد أن ألقوها عنوة في السرير وقام أقرباءه بإمساكها من يديها ورجليها. وفي اليوم التالي حاول تكرار الممارسة معها بعد ذهابهم لكنها رفضته ولما أجبرها مرة أخرى طعنته على ظهره بسكينة كانت موجودة قرب السرير ثم طعنته عدة طعنات في أماكن متفرقة من جسده. ثم توجهت نحو منزل أسرتها حيث أبلغتهم مباشرة بالخبر.

لتصدر محكمة أم درمان الوسطى على نورا حسين حماد بالإعدام شنقا في قضية مثيرة للجدل بعد أن اختار أولياء الدم القصاص بدلا عن العفو أو الدية فيما قوبل الحكم باستنكار واسع ولوح محامي الاتهام بإمكانية التسوية. قصة نورا أشعلت الكثير من التفاعل والتضامن مع قصتها المؤلمة وتناقلتها مواصل التواصل الاجتماعي بحماس وغيظ شديدين نسبة لتكرر تلك القصص التي لطالما سببت نوعا من البلبلة وخصوصا مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية بالإضافة إلى منظمات الحقوق الإنسان المختلفة عامة والنسوية منها خاصة. نهاية وإن كانت شديدة الشبه بنهاية حسنة بنت محمود في رواية الطيب صالح التي هددت بقتله وقتل نفسها إذا ما تم هذا الزواج مكرهة ومن دون رضا مسبق منها لكن الوقائع في هذه المرة ليست رواية ولا نسجا من خيال بل هي حقيقة واقعة الحدوث انتهت بمقتل الزوج وحكم الإعدام على نورا.

تلك الأعراف والحالات التي لطالما قفزت هنا وهناك وليست على ما يبدو حكرا على بلد عربي دون أخر لطالما كانت أرضا ومرتعا لقصص كقصة نورا وإن اختلفت المسميات وتبدلت الأقطار ولكنها لطالما ظهرت بصيغة أو بأخرى تدعمها وتشجعها القوانين والدساتير العربية التي لا تجرم بعض الأفعال بينما تتساهل مع بعضها الأخر مما يسبب ثغرات عديدة وقوانين عديدة يمكن التملص منها والالتفاف حولها حالما وجد محام ذو دراية ومعرفة حسنة بتلك القوانين.

الأمر نفسه الذي حدث في قصة نورا فيرى البعض نورا كان بإمكانها اللجوء والعودة إلى القضاء بدلا من اللجوء والشروع بالقتل الذي حول الأمر إلى مسار القتل العمد بينما لا يجرم القانون السوداني الاغتصاب الزوجي ولا يحرم ولا يعتبر ممارسة الجنس بتعنيف الزوجة وإكراهها جريمة بينما تدعم العادات القبلية والأعراف العشيرية الجزء الأخر من المعادلة المتعلق بالزواج والإكراه عليه وفرضه غصبا وعنوة بينما تعتبر ممانعة ذلك ورفضه جريمة وفضيحة في ربوع المجتمعات وإساءة لذوي الفتاة الذين يعتبرون نفسهم أولياء يحق لهم كل الحق في اختيار من يحظى بقرب سليلتهم حتى ولو لم تكن هي بحد ذاتها موافقة الأمر الذي بدا جليا بعدم حضور أهل نورا وتركها وحيدة خوفا من الثأر حسبا للعادات والأعراف المتجذرة.

كمية الرعب المخيفة التي ستسري في أوصالك كفيلة بأن تبث الرهبة والألم على حد سواء في جسدك بينما تطالع مئات الآلاف من اللاتي وارى الثرى قصصهن المخزية المبللة بأدمعهن

مواقع التواصل
 

عادات تقف كغيمة مظلمة تطل برأسها على رؤوس الفتيات وخصوصا في المناطق الريفية والطرفية منها وإن لم تكن حكرا عليها طالما قاربت البنت فترة البلوغ وفي بعض الحالات قد لا تقاربها حتى ولا تحظى بفرصة تعديها فتجد نفسها تكابد كوابيس الإكراه ورعب التعنيف وهو الذي لا يجيزه الشرع ولا يقبله لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" رواه البخاري ومسلم. وعن بُرَيْدَةَ بن الحصيب قال: "جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ. فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ"، رواه ابن ماجه.

فبينما يرى الإجماع من الأئمة عدم جواز تلك الزيجة وعدم صحته شرعا يرى جزء يسير عدم جوازه لكن وجوب طلب ذلك من الخلع والفصل من الحاكم والجهات الشرعية المخولة حفظا وبعدا عن الاختلاط واللبس. بينما ترى الجهات القانونية المختلفة عدم صحة وجواز ذلك ولكن تبقى القوانين الهشة والدساتير الغير واضحة مليئة بالثغرات ومتشعبة الخرق التي يمكن أن يدلف من خلالها زمهرير الظلم وبشاعة الإجحاف.

 

فقال: "وإن كان أبوها وإخوة المرأة راضيين فليس لأحد حيلة في ذلك".

فقلت: "وإن كانت لا تريد الزواج".
قاطعني: "انت تعرف نظام الحياة هنا الرجل رجل حتى ولو بلغ أرذل العمر".

قلت: "ولكن ماذا إذا كانت لا تريد الزواج قاطعني قائلا في هذا العصر". 


ذلك الحوار الذي ما فتئ يتكرر خلال أحداث الراوية التي مضى على إصدارها ما يزيد عن نصف قرن من الزمن كانت فيها القوانين تحكمها الأعراف يبدو أنها ما زالت قابعة وجاثمة على صدر المجتمع لا تبغي فكاكا ولو تغيرت الأزمان وتطورت البلدان. قصة نورا ليست الأولى ولن تكون غالبا الأخيرة لكن كمية الرعب المخيفة التي ستسري في أوصالك كفيلة بأن تبث الرهبة والألم على حد سواء في جسدك بينما تطالع مئات الآلاف من نورا اللاتي وارى الثرى قصصهن المخزية المبللة بأدمعهن الحارة وأيديهن المخصبة بحناء الإكراه المر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة