الهيمنة الرأسمالية المتوحشة.. لهذا أصبحت المقاطعة هي الحل

17/5/2018
ظهر الفساد في البر والبحر والشعوب المقهورة ليس لها حيز لا برا ولا بحرا؛ فالإنسان يحتاج إلى أحياز وجودية في أبعادها الشمولية. لهذا الشعوب المقهورة ينظر إليها كآلة استهلاكية فـ "بسبب الفساد فإن الديمقراطية تعني مزيدا من انعدام الأمن والأسواق الحرة تعني أن يصبح الأغنياء أكثر غنى على حساب باقي أفراد المجتمع" (متلازمات الفساد الثروة والسلطة والديمقراطية - مايكل جونستون 19 ط 1 العبيكان). لقد تبخر ما كان يسمى بالطبقة المتوسطة وبالتالي أصبحنا بين طبقتين طبقة الغنى الفاحش وطبقة الفقر المدقع؛ وهذ راجع إلى التحرير الاقتصادي وإملاءات البنوك الدولية دون اعتبار للطبقة الكادحة وأسس العدالة "حيث أن التحرير الاقتصادي الكامل من شأنه أن يؤدي إلى إثراء القلة وإفقار الأغلبية" ( متلازمة الفساد 28).
 
ليس إثراء القلة فقط، بل وتركيز الثروة والقوة لديها ؛حيث "تركز الثروة يقود على نحو طبيعي إلى تركز القوة، الأمر الذي يترجم بدوره في التشريع لمصلحة الأثرياء والأقوياء ويزيد بذلك تركز القوة والثروة أكثر . هناك معايير سياسية مختلفة مصممة لزيادة تركيز الثروة والقوة مثل السياسة المالية، وإلغاء قيود التنظيم، ومبادئ سيطرة الشركات، وهذا ما نراه جليا في فترة الليبرالية الجديدة. إنها دورة شريرة، تتقدم بثبات، فالدولة موجودة لتؤمن الأمان والدعم لمصالح قطاعات الأقوياء وأصحاب الامتيازات في المجتمع، فيما تترك بقية الشعب لتختبر الواقع المؤلم للرأسمالية (العالم إلى أين نعوم تشومسكي 197 دار الساقي).
 
السلطان لا ينمي ماله ولا يدر موجودة إلا الجباية وإدرارها إنما يكون بالعدل في أهل الأموال، والنظر لهم بذلك، فبذلك تنبسط آمالهم، وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها
فالشعوب المقهورة يتم ضبطها والسيطرة عليها لتظل سوقا استهلاكية بعيدة عن مراكز القرار السياسي بشكل ممنهج حتى في أعرق الديمقراطيات بالدول المتخلفة "يجب أن يعهد بالحكومات العالمية إلى الأمم الشبعى، فهي لا تبغي لنفسها أكثر مما عندها. ولئن أضحت الحكومة العالمية بين يدي الأمم الجوعى لواجه العالم أخطارا على الدوام..." وينستون تشرشل (إعاقة الديمقراطية، الولايات المتحدة والديمقراطية ـ نعوم تشومسكي 9 مركز دراسات الوحدة العربية ط 2 1998).
 
وفي تصوري عقيدة السيطرة تنبي على جذور ثقافية للسيطرة -هي نفسها تم تلقينها لساسة الدول المتخلفة- هاته الجذور هي أساس الاختلاف بين الشرق والغرب" هناك أساسا طريقتان لملء الفراغ؛ فإما أن ينظر المرء حول قدميه، أي نحو الأرض. وإما أن يرفع بصره نحو السماء؛ فالطريقة الأولى تملأ وحدته بالأشياء حيث يجمح بصره المتسلط لامتلاكها، والطريقة الثانية تملأ وحدته بالأفكار ويبحث عن الحقيقة بنظره المتسائل. هكذا ينشأ عبر الطريقتين نموذجان من الثقافة: ثقافةُ سيطرة ذات جذور تقنية. وثقافة حضارة ذات جذور أخلاقية وغيبية " (مشكلات الحضارة -مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي- مالك بن نبي 17-18).

ولعل قمة السيطرة والتحكم في الشعوب المقهورة إلىأان تصبح خاضعة إلى حتميات نفسية واجتماعية وسلوكية وثقافية تريدها القوى المهيمنة هو ما تطرق إليه بأسلوب ساخر ونقدي الدوس هكسلى في روايته عالم رائع جديد. كما أن الشعوب المقهورة خاصة في الدول النامية يتم التعامل معها كأشياء أو بالأحرى كدمى يتحكم فيها عن بعد، وهنا استحضر فيلم وست وورلد الذي صدر عام 1973 للروائي الأمریكي مایكل كریتون؛ حيث تدور أحداث الفلم عن دمى شبيهة بالإنسان إلى درجة الاشتباه تعيش في منتزه متقدم تقنيا؛ الأساس من وجودها هو أن تكون في ملك الأثرياء وكل في ملكه يفعل ما يشاء دونما الخوف من انتقام الدمى. لكن ما حدث أن تم فقدان السيطرة على تلك الدمى التي أصبحت تنتقم من معذبيها ومستغليها.. فالمغزى من ذلك في تصوري ان الدول المهيمنة تتعامل مع الدول المتخلفة كدمى والدول المتخلفة تتعامل مع شعوبها المقهورة بنفس الأسلوب، لكن هاته الشعوب المقهورة قد تخسر كل شيء إلا كرامتها هاته الأخيرة مكنتها من اجتثاث العديد من الأنظمة اللاديمقراطية من أجل ترسيخ الديمقراطية لكن قوى الهيمنة في الداخل والخارج حالة دون ذلك مصر كمثال.
 

مقاطعة الشعب المغربي قبلت بالرفض من طرف بعض السياسيين مع الإهانة والاحتقار؛ لأنهمم ينظرون إلى الشعب كدمى استهلاكية

مواقع التواصل
  
وما تزال الشعوب المقهورة تبدع أشكال جديدة في مواجهة الهيمنة الرأسمالية المتوحشة كمقاطعة المنتوجات التي أصبحت تستعصي على القدرة الشرائية؛ كمقاطعة المصريين اللحم حملة "بلاها لحمة" سنة 2015 ومقاطعة التونسيون للأسماك حملة "خليه ينتن" ومقاطعة الشعب الجزائري للسيارات "خليها تصدي" ومقاطعة الشعب المغربي لبعض منتجات الحليب "خليه يريب" وبعض المحروقات وبعض المياه المعدنية ." قيل لإبراهيم بن أدهم إن اللحم غلا قال فارخصوه أي لا تشتروه " (حلية الأولياء وطبقة الأصفياء للحافظ ابي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني 8 / 32 مكتبة الخانجي دار الفكر وتاريخ دمشق لابن عساكر 6 / 282 دار الفكر)، و" عن رزين بن الاعرج مولى لآل العباس قال غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا إلى على بن أبى طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا فكتب أن أرخصوه بالتمر" (تاريخ يحي بن معين للإمام يحي بن معين1 / 86 دار القلم).

لكن مقاطعة الشعب المغربي قبلت بالرفض من طرف بعض السياسيين مع الإهانة والاحتقار؛ لأنهمم ينظرون إلى الشعب كدمى استهلاكية متحكم فيها عن بعد وكدمى ناخبة. والمتأمل في المنتوجات المقاطعة من طرف الشعب المغربي يجد انه يبعث برسالة إلى أصحابها الذين يجمعون بين السلطة والمال. وفي هذا يقول ابن خلدون وبه الختام " وكان الفرس لا يملكون عليهم إلا من أهل بيت المملكة، ثم يختارونه من أهل الفضل والدين والأدب والسخاء والشجاعة والكرم، ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل، وأن لا يتخذ صنعة فيضر بجيرانه، ولا يتاجر فيحب غلاء الأسعار في البضائع، وأن لا يستخدم العبيد فإنهم لا يشيرون بخير ولا مصلحة.
 
واعلم أن السلطان لا ينمي ماله ولا يدر موجودة إلا الجباية وإدرارها إنما يكون بالعدل في أهل الأموال، والنظر لهم بذلك، فبذلك تنبسط آمالهم، وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها، فتعظم منها جباية السلطان. وأما غير ذلك من تجارة أو فلح فإنما هو مضرة عاجلة للرعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة. وقد ينتهي الحال بهؤلاء المنسلخين للتجارة والفلاحة من الأمراء والمتغلبين في البلدان، أنهم يتعرضون لشراء الغلات والسلع من أربابها الواردين على بلدهم، ويفرضون لذلك من الثمن ما يشاؤون، ويبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من الرعايا بما يفرضون من الثمن. وهذه أشد من الأولى وأقرب إلى فساد الرعية واختلال أحوالهم" (مقدمة ابن خلدون 1 /472 - 473 تح عبدالله محمد الدرويش ط الأولى 2004 دار يعرب).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة